Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

قمة بغداد تُسقط الخطوط الحمراء

02 سبتمبر 2021

نضال منصور

بعد يوم واحد من الاحتفاء بانتهاء مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، كنت غارقا في الاستماع للسجالات بين القادة العراقيين في ملتقى الرافدين، وكلما كنت أحاول التفاؤل بأن قمة بغداد أعادت العراق إلى دائرة الفعل السياسي بعد عقود من التهميش، كانت المكاسرة السياسية بين السياسيين ورجالات الدولة العراقية تُعيدنا خطوات للوراء، ويطغى السؤال المُلح، أين الدولة العراقية بعد مرور 100 عام على تأسيسها؟

قمة بغداد، باعتراف الزعماء الذين شاركوا فيها، استطاعت أن تجمع الخصوم، وأن تكسر الجليد في العلاقات بين دول الجوار، وتُعبد الطريق لمكاشفات وحوارات تُنهي حالة القطيعة التي سادت لسنين، وفي الداخل العراقي وباعتراف أبرز القادة، مقتدى الصدر، فإنها انعطافة غاية في الأهمية من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية، وتدلل على أهمية العراق في المنطقة.

ما حققه العراق من اختراق إقليمي بلم الشمل بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر تميم بن حمد، أو الحوار بين رئيس الوزراء الإماراتي الشيخ محمد بن راشد ووزير الخارجية الإيراني، أو في لقاء الإمارات وقطر، لم يجد صداه بما يكفي في قاعات ملتقى الرافدين الذي حضر إليه معظم قادة العراق، فطوال ثلاثة أيام كانت المكونات الطائفية حاضرة بقوة، وغابت الدولة العراقية الوطنية عن مشهد الحوار.

منذ أكثر من 40 عاما، لم يشهد العراق حدثا سياسيا دوليا مثل قمة بغداد التي كسرت الكثير من التابوهات، ولو لم يفعل رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي غيرها في سنوات حكمه القليلة فإنها تزكية له على أنه زعيم سياسي مقبول، ومُرحب به من دول الجوار، وقادر على استقطاب الحشد الدولي لأجندته السياسية.

قمة بغداد تنعقد قبل فترة وجيزة من الانتخابات البرلمانية التي ستجري -حتى الآن- في العاشر من شهر أكتوبر المقبل، وهي انتخابات مُبكرة كانت من أبرز مطالب "حراك تشرين" الذي تآمروا عليه، ورغم ذلك ظلت مطالبة العنوان الأبرز للاستقطاب السياسي للتحالفات، وحتى بين الفصائل التي تورطت بإهدار دماء قادته.

في قمة بغداد بعث الكاظمي رسالة واضحة لكل دول الجوار العراقي مفادها أن بغداد لا تقبل أن تتحول إلى ساحة لتصفية الصراع على أرضه، ولن يتعايش مع النموذج اللبناني وينصاع له، فالتأزيم السعودي الإيراني في السنوات الماضية كان يجد صداه في العراق، وأنقرة كانت تتعامل على أن العراق "حيط واطي" لا تُقيم له ولحدوده وزنا، وواشنطن وطهران جردة الحساب السياسية والعسكرية والأمنية على الأرض العراقية لا تنتهي، وفاتورتها يدفع العراقيون قيمتها من دمهم.

أول ثمار قمة بغداد الاعتراف بجولات من المفاوضات بين الجانبين السعودي والإيراني، وعلى الأغلب كانت بغداد ساحة لها، ورغم استعصاء جمعهما تحت أضواء الكاميرات خلال القمة، فإن الإعلان عن جولة جديدة من المفاوضات تشي أن الكاظمي استطاع أن يُسجل نصرا دبلوماسيا، والواقع يقول إن نجاحه الإقليمي، وعدم وجود فيتو عليه، قد يزيد من فرصه في الداخل، ولهذا فقد يتحول مرة أخرى لقاسم مشترك لقيادة المرحلة السياسة ما بعد الانتخابات، وهذا بالتأكيد مرتبط بنتائجها.

كثيرة هي الملفات التي كانت محط اهتمام في قمة بغداد، حتى وإن كان البيان الختامي "كليشيهات" لا تقول الكثير.

أول ما يلفت الانتباه كان الحضور الفرنسي بزعامة ماكرون، فهذا الاجتماع المٌخصص لدول جوار العراق، كيف دخلت باريس على خطه، وأصبحت لاعبا بارزا به؟

كثير من السياسيين يرون أن طبخة المؤتمر صنيعة فرنسية عراقية، وأن ماكرون كان يتصل بالزعماء ليضمن مشاركتهم، ويأمن أن القمة لن تتحول لمكان لتفجير الأزمات، بل للتوافق والتهدئة.

ماكرون يطمح أن يحظى بحصة الأسد من كعكة الإعمار في العراق، والانتهازية الفرنسية تتجلى وتظهر أكثر عند "البزنس"، في حين يرى العالمون ببواطن الأمور أن ماكرون ما هو إلا واجهة للأميركيين حضر بالنيابة عنهم، لأنهم لا يُريدون أن يكونوا في واجهة المفاوضات في ظل حضور إيران، ويأملون أن تتحول قمة بغداد لمحطة تفاهمات تعطي إسنادا للعراق وحكومته.

الأكثر أهمية أيضا أن ملف لبنان بالتأكيد كان حاضرا في القمة، والموقف الفرنسي لا يمكن القفز عليه، وهو الأساس في بناء مقاربات المستقبل، ومن دونه يُصبح الحديث فاقدا للشرعية الدولية.

قمة بغداد أسقطت ما بقي من خطوط حمراء في البيت الخليجي، فالعلاقات السعودية القطرية كانت الأكثر سرعة في الاستشفاء، وظلت الإمارات وقطر تسير المصالحة بينهما ببطء، وجاء اجتماع تميم وبن راشد ليُرمم الصدع، تلته القمة المصرية القطرية التي أغلقت باب المخاوف من عودة التأزيم.

مراجعة سياسة الدول التي حضرت قمة بغداد تُظهر أن معظمها -باستثناء إيران- متناغمة سياسيا، ومع ذلك فإن وزير الخارجية الإيراني حسين عبد الأمير اللهيان لم يكتفِ بكسر البروتكولات، وتصدر الصفوف في الصورة التذكارية باعتباره يُمثل "إيران العظمى"، بل وجدها فرصة لتوجيه الرسائل إلى أميركا حين ندد باغتيالها قاسم سليماني، وحين انتقد غياب سوريا عن القمة.

قطع الرئيس الكاظمي مدى أوسع في قمة بغداد، فهو الآن لا يكتفي بتحالفه مع الأردن ومصر فيما يُعرف بـ "الشام الجديد"، وإنما يفتح الشهية، ويُسيل اللُعاب بتمرير معلومات عن مشاريع ضخمة لخطط السكك الحديدية بين الخليج والعراق وتركيا وإيران، ومشاريع عملاقه في العراق لتنفيذ خطة النهوض الاقتصادي، وهو بهذا يفتح كوة لتعظيم المصالح بدل تغذية الصراع، وإدامة المعارك السياسية.

أكثر من رسالة سياسية حملتها قمة بغداد، أولها أن سوريا الغائب الحاضر، وإن كان مقعدها شاغرا في هذه القمة، فإن في أي قمة قادمة من الصعب تبرير غيابها، الأمر الآخر أن العراق، على لسان رئيسه برهم صالح، أغلق الطريق أمام أي رهانات دولية على احتمالات تطبيع العراق مع إسرائيل، وقال "هذا أمر غير مطروح"، والرسالة الثالثة أن العراق لن يتسامح مستقبلا مع من يحاول توظيف العراق في صراعاته، وبالمقابل هو يقطع تعهدا صريحا أنه لا عودة للماضي، والحروب العبثية مع الجيران والأصدقاء.

كل دولة جاءت إلى قمة بغداد وعندها أجندة، ولها أولويات تحاول أن تفرضها، فتركيا تريد أن تُذكّر أن أنقرة ترفض أي وجود لحزب العمّال الكردستاني على الأراضي العراقية، وأن وجوده يعطيها تفويضا باختراق السيادة العراقية، والكويت ما زال يضغط، ولا يريد أن تُسقط قضية أبنائه المفقودين إبان احتلال بلاده على يد صدام من الذاكرة، ويمكن القول إن الجميع يرفعون شعار محاربة الإرهاب، وكل يرى ذلك بشكل مختلف عن الآخر، فإيران المتهمة بالضلوع فيه، ترى محاربته في العراق غير ما تراه تركيا، والسعودية، وخصومها في بغداد.

مئة عام على يوم تتويج فيصل الأول ملكا في العراق، تغيرت خلالها أنظمة وحكومات كثيرة في بلاد الرافدين، وبقيت الأزمة مستمرة ومتلاحقة، وظل مشروع إنتاج الدولة العراقية بعيدا عن الهويات الطائفية أملا يختفي وسط الخطابات، والحروب، والانفجارات.

 

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

سناء العاجي الحنفي

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).