Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

إلّا التاريخ الإسلامي!!!

08 سبتمبر 2021

بقلم: سناء العاجي

 

عندما يشرع أي طالبٍ جامعي في الاشتغال على بحث معين، يكون من ضمن أولى الدروس التي يتعلمها، أن عليه أن يختار لموضوع بحثه محددات زمنية ومكانية وموضوعاتية. لا يمكنك مثلا أن تنجز بحثا عن "المغرب" أو عن "الطلاق" أو عن "التدين" أو عن "الانحراف" أو عن "الزواج"؛ لأنها جميعها مواضيع واسعة جدا تحتاج أن تحدد فيها تيمة معينة وظرفية مكانية وزمانية تدرسها. 

هذا التحديد الموضوعاتي والزمني والجغرافي، لا يلغي باقي مكونات الموضوع؛ لكنه يحدد اختيار الباحث ويلزمه بإطار معين لعمله.

نفس الشيء بالنسبة لأي تقرير صحافي، كيفما كانت طبيعته: لا بد من تحديد موضوع وزاوية للطرح.

قد يبدو الأمر بديهيا ومنطقيا لا يحتاج للنقاش، فلكل موضوع عشرات الزوايا التي يمكننا التطرق له من خلالها، والتي نختار منها في النهاية زاوية واحدة.

لكن هذه الرؤية المنطقية تتوقف بمجرد ما يتطرق الباحث أو الصحافي لموضوع مزعج للبعض، ليجد نفسه أمام عشرات الأسئلة التي تشكك في النوايا.

على سبيل المثال لا الحصر، فقد تابعت التعليقات الكثيرة حول ملف صحافي من خمسة أجزاء، نشره موقع إعلامي مغربي مهتم بقضايا التاريخ. 

تحت عنوان: "وحشية العرش العثماني"، يتطرق الملف لقانون قتل الإخوة والأبناء في الدولة العثمانية. المقال يذكر المصادر والمراجع التي اعتمد عليها والتواريخ والأسماء وكل التفاصيل المرتبطة بـ "القانون نامه" الذي سنه السلطان العثماني محمد الفاتح، والذي يعطي فيه الشرعية القانونية والدينية لأي سلطان بأن يقتل إخوته وأبناءه بمجرد توليه الحكم، تفاديا للفتنة والصراع حول الحكم؛ وهو بالمناسبة قانون باركه فقهاء ذلك الزمن. 

الملف يذكر، في مختلف أجزائه، كل المراجع التاريخية التي اعتمد عليها. كما أننا اليوم نستطيع، عبر بحث صغير على محرك البحث "غوغل"، التأكد من مختلف المعطيات للمحاججة بمعطيات حقيقية بدل السب والاتهام. 
لكن لا! لماذا نبحث لنطور معارفنا؟ يكفينا أن نسب ونتهم ونخون.. بل أن الصحافي والموقع اتهموا بالتهجم على الإسلام. فمنذ متى أصبحت الخلافة العثمانية من أركان الإسلام؟ 

هذا الموقف الذي يتكرر كثيرا في كل حديث عن مواضيع مرتبطة بالتاريخ الإسلامي (جرائم الاغتيال والعنف بين الصحابة، بعض الجرائم الوحشية في عهد الأمويين والعباسيين، حكايات الجواري والسبي، إلخ)؛ يجعلنا أمام ملاحظتين أساسيتين تستدعيان أن نتوقف عندهما. 

الملاحظة الأولى تتعلق بأسئلة تتكرر كثيرا في مثل هذه الحالات: "لماذا لا تتحدث عن إنجازات العثمانيين؟"، "لماذا لا تتطرق لكل ما حققه الخلفاء الراشدون؟"، "لماذا لا تتحدث عن أخلاق الخلفاء وعدلهم؟"، "لماذا لا تتحدث عن عظمة الحضارة الإسلامية؟"، إلخ. 

فهل نبعث السائلين لطالب الجامعة أو أي طالب في معهد الصحافة ليشرح لهم بأن لكل بحث موضوعا وزاوية محددة؟ هناك أبحاث وكتب ومقالات كثيرة عن "إنجازات" العثمانيين وعن إنجازات وأخلاق الخلفاء وعن علماء المسلمين (العلماء الحقيقيون طبعا، ممن ساهموا في تقدم وازدهار العلم). لكن، من حق كاتب أو باحث أن يعتمد مصادره ليتحدث عن جوانب أقل إشراقا فيما يتعلق بحقب أو دول أو شخصيات معينة. تلك زاويته للطرح، وهي لا تلغي باقي الزوايا.

الملاحظة الثانية تتعلق بسؤال آخر يتكرر بدوره بأكثر من صيغة، ويمكن أن نلخصه كالآتي: "لماذا لا تتحدث عن وحشية الحروب الصليبية والاستعمار الفرنسي في أوروبا والعنصرية في أميركا؟".

بمعنى أن هؤلاء الأشخاص مستعدون لقراءة نقدية لتاريخ أوروبا وأميركا، ولتاريخ المسيحية واليهودية... لكنهم غير قادرين على مراجعة تاريخهم!

فمتى نعي أنه، ببساطة، في كل الحضارات عبر التاريخ وفي كل جغرافيات العالم، بما فيها حضارتنا وتاريخنا، هناك نقاط مشرقة ونقاط مظلمة فظيعة بشعة؟ 

العالم المتقدم يقبل قراءة تاريخه بمحطاته المشرقة وبنقاطه المعتمة. لكن الكثيرين في مجتمعاتنا ما زالوا غير قادرين على تقبل أي نقد لتاريخنا الديني أو السياسي. بل أنهم يعتبرون أي انتقاد للعباسيين أو العثمانيين أو الأمويين أو للحروب الطاحنة بين الخلفاء تهجما على الإسلام نفسه. يفضلون الحديث عن أمجادهم فقط (علما أن ما نعتبرهم أمجادا يمكن أن يساءَل بدوره، مادام مرتبطا بالغزو والسبي والاستعمار الذي نُصِرّ على تسميته فتحا). يريدون الاحتفاء بعلماء عظماء قدموا، فعلا، الكثير للإنسانية... لكنهم ينسون أن هؤلاء العلماء والمفكرين أنفسهم (الفارابي، ابن سينا، ابن الهيثم، الكندي، ابن رشد، الرازي، إلخ) حوربوا في زمنهم؛ فيهم من قتل وفيهم من هُجِّر ومن أحرقت كتبه ومن تعرض لهجوم الفقهاء والعامة. 

فمتى سنتعلم أن التاريخ كله يمكن أن يساءَل على ضوء معطيات موضوعية... وأننا لا يمكن أن نقبل انتقاد تاريخ الآخر، وتقديس تاريخنا أو اتهام كل من يتطرق له!

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).