Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

عن احتفاء الجهاديين والإسلامويين بـ"الفتح" الطالباني لكابل

08 سبتمبر 2021

بقلم: منصور الحاج

 

فور انتشار صور لطلائع مقاتلي تنظيم طالبان، وهم متكئون على أرائك القصر الرئاسي للحكومة الأفغانية بالعاصمة كابل، انهالت التهاني والتبريكات من الجماعات الجهادية ودعاة الجهاد وأتباعهم من الإسلامويين، واعتبروا سقوط كابل "فتحا مبينا"، وهزيمة مذلة للولايات المتحدة.

وبحكم طبيعة عملي كمراقب للحركات الجهادية، فقد كان متوقعا أن تنهال التبريكات من تنظيم القاعدة الأم، وفروعه المنتشرة في كل من اليمن و"المغرب الإسلامي" ومالي والصومال وشبه القارة الهندية، نسبة للارتباط الأيديولوجي بين القاعدة وطالبان، فقد دأب قادة القاعدة على مبايعة طالبان، وتقديم الولاء لها على مر السنين.

ويعود احترام تنظيم القاعدة لحركة طالبان إلى إيواء الحركة للمجاهدين العرب، ورفض زعيمها الراحل الملا محمد عمر الإذعان لطلب الولايات المتحدة بتسليم قادة القاعدة إبان إعلان أسامة بن لادن مسؤوليته عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ويتداول الجهاديون في أدبياتهم قصصا أسطورية عن الملا محمد عمر وموقفه من طلب الولايات المتحدة منه تسليم قادة القاعدة، حيث يروي بعضهم أنه قال: "وعدنا بوش بالهزيمة والله وعدنا النصر، صدق الله وكذب بوش".

كما يروي المعتقل السابق في سجن غوانتنامو، الكويتي فايز الكندري، في كتابه "البلاء الشديد والميلاد الجديد"، أن الملا عمر وبخ وزير خارجيته الملا وكيل أحمد متوكل حين طلب منه تسليم بن لادن وقال له: "تريدني أن أسلم رجلا قضى حياته وماله لنصرة شعبنا في حروبه الطويلة؟ أغرب عن وجهي لا أريد أن أراك بعد اليوم".

وبالفعل، فقد توالت بيانات التهنئة من التنظيمات الجهادية التابعة للقاعدة، فعلى سبيل المثال، اعتبر البيان المشترك الذي أصدره تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في سقوط كابل تحقيقا لمقولة الملا عمر بأن الله وعده النصر.

وفي هذا السياق، يمكن تفهم التهاني والتبريكات الصادرة من الجماعات الجهادية، إذ تشترك جميعها مع طالبان في رفض الديمقراطية الغربية وتسعى من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية وإحياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمعات الإسلامية.

لكن ما يصعب على المرء فهمه هو موقف بعض المثقفين من العالمين العربي والإسلامي الذين احتفلوا بسقوط كابل بنشر آيات قرآنية وعبارات تمجد حركة طالبان، وتثني على شجاعتهم وثباتهم، وتمكنهم من هزيمة أعتى قوة عسكرية على وجه الأرض.

ومن خلال متابعتي للتعليقات، لاحظت أن أولئك الإسلامويين فرحون في المقام الأول بهزيمة أميركا، ولو شكليا، على يد طالبان، وليس بسبب أن طالبان تمتلك مشروعا تنمويا يهدف إلى تحسين المستوى المعيشي للشعب الأفغاني، وإنقاذه من براثن الجوع والجهل ولذلك تجاهل أغلبهم صور آلاف الأفغان المحتشدين قرب مطار حامد كرزاي الدولي، الراغبين في مغادرة البلاد بعد سيطرة طالبان على مقاليد السلطة في البلاد.

ربما لا يدرك أولئك الإسلامويون، الذين غرتهم اللحى الطويلة لمقاتلي طالبان، أن بلدانهم أيضا مهددة بالوقوع في قبضة تنظيمات جهادية مثل طالبان، فحركة الشباب في الصومال تمني نفسها بـ"فتح" مقديشو، وقاعدة اليمن تطمح في السيطرة على اليمن، وقس على ذلك التنظيمات الجهادية الأخرى المنتشرة في العديد من الدول العربية والإسلامية.

لقد أفسد الإسلامويون عقول الشباب المسلم في الدول العربية والإسلامية بترويجهم لشعارات زائفة مثل "الإسلام دين ودولة"، وأن الشورى نظام سياسي إسلامي، وأن من الممكن "أسلمة العلوم" وأن هناك نظاما اقتصاديا إسلاميا، وغيرها من الشعارات التي ساهمت في إنتاج أجيال مشوهة عاجزة عن التوفيق بين المعتقد الديني والحياة والعلم والسياسة والعلاقات الاجتماعية والدولية وحقوق الإنسان، ولذلك نجد الكثير من المسلمين يعتقدون أن من كمال الإيمان تأييد الطالباني على حساب "العلماني" الأفغاني، وأن الأحزاب الإسلامية هي الأصلح لبناء الأوطان واستعادة كرامة الإنسان المسلم.

وإلى أن يدرك المسلمون أن نهوضهم لا يتوقف على سيرهم خلف كل من يرفع شعارات إسلامية براقة لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن اللحاق بركب الأمم المتقدمة يتطلب الانفتاح على الأمم الأخرى، والتحليق بجناحي العلم والسلم، بحسب تعبير المفكر السوري خالص جلبي، سيستمر الدوران في نفس الدائرة المغلقة، وسيتواصل التباهي بعنتريات متوهمة من قبيل تحقق الوعد الآلهي في "فتح" كابل على أيدي طالبان.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).