Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

إلى طلال وليلى

08 سبتمبر 2021

بقلم: ابتهال الخطيب

 

ها أنت تبدأ حياتك الأسرية، ها أنت تخطو إلى عالم رحب، ستتسع خلاله دائرة معارفك وأحبابك لتضم لأسرتك الصغيرة التي طالما كَنَنْت في محيطها أسرة كبيرة متسعة، وليرتفع عدد أصدقائك ولتثقل مسؤولياتك ومعها واجباتك الاجتماعية والأسرية.

اليوم أنت رب أسرة يا حبيبي، أسرة صغيرة مقامها فردين، سيبدآن خطاً جديداً يضيفون به للبشرية، يضيفون أفراداً وأفكاراً وإبداعاً وسعادات وأحزان، هذا هو ديدن البشرية، وهو مصيرها وطريقها المحتومان.

هل تتذكر كلمات جديك حين ذهبنا لخطبة محبوبتك؟ بدأها جدك والد والدك، على غير المألوف التقليدي، بخطبة عصماء عن الصغار الأحرار الذين يختارون ويبدؤون حيواتهم بإرادات حرة، لينتقل بعدها لخطبة سياسية رائعة عن القضية الفلسطينية وحتمية تأثيرها على كل حيواتنا وأُسَرِنا، ليتلقف جدك الثاني، والدي، الخيط ويُشعِر نثراً عن ترابطكما، أنكما تعبير مهيب عن اللحمة العربية، أنكما توثيق للقضية الفلسطينية في الوجدان الكويتي.

كان يوم خطبتكما خارجا عن المألوف تماماً. كان أشبه بتوقيع معاهدة وإعلان موقف تلاحمي أبدي عنه خطبة عائلية عادية. زغردت النساء فور إعلان الموافقة على الخطبة وكأننا نزغرد اتفاقية سياسية عربية، كأننا ندشن هذا الموقف المبدئي الإنساني الأخلاقي، كأننا نعلنكما راية جديدة وأمل متجدد.

أنت البكر يا طلال، أنت أول فرحتي، أول من غيرني، وللأبد، من إنسانة أنانية إلى أخرى تضع حياتها كلها عند طرف أصابعك. فاسمع يا حبيبي من أمك عل بعض التجارب تمهد لك الطريق الرائع الذي ينتظر خطوك.

الزواج شراكة صعبة، ستتعرض خلالها لكل الاختلافات الممكنة في أي شراكة أخرى، ستتأرجح كثيراً على حافات مواضيع بسيطة وتواجهك أحياناً هاويات صعبة مخيفة، ولكن إذا كانت صاحبتك على الطريق هي صديقتك كذلك، ستهون الكثير من الصعاب وستجد أن يدها، حتى وأنت في أشد حالات الغضب والبعد، هي ذاتها التي ستسندك وتكون عكازك.

احرص يا حبيبي على جانب الصداقة في علاقتك قبل كل جانب آخر، الصداقة هي ما تبدأ العلاقة وهي ما تديمها وهي ما تستقر عليها حين يتقدم بكما عمركما المديد إن شاء الله. صداقتكما هي الحماية، هي الوشاح الذي تمناه عمر الخيام في رباعياته ليخفيه ومحبوبته عن الناس والزمن.

واعلم يا حبيبي أن ما سيديم المحبة ويقوي العلاقة هو التسامح والغفران قبل كل وأي شيء آخر. حين تغضب تذكر أنك تغضب من حبيبتك، أنك بعد يوم أو أسبوع أو شهر ستعود لرضاك، فلا تخلق إبان فترة الغضب جروحاً لا تزول، لا تقل كلاماً يدمي قلب محبوبتك، ولا تترك في وعيها ذكرى تؤلمها. تذكر حتى وأنت تتعارك أنك تعارك من تحب وتختلف مع من تشارك دنياك ومصيرك ومستقبلك، فكن رحيماً رؤوفاً رقيقاً في عتبك وغضبك، حتى تكون هي سعيدة مقبلة في صلحك.

تذكر يا قلب أمك أن علاقة الزواج ليست علاقة منافسة أو تحدي، في الجفاء ليس هناك منتصر، إنما المنتصر هو من يأخذ الخطوة الأولى، فيبدي الود ويبعد الجفاء ويتخطى ويغفر. كن دوماً منتصراً بمحبتك، لا ترهق محبوبتك بانتظارك، لا تحرمها عطفك، لا تمنعها الفضفضة معك ولو كانت فضفضة ضدك، استمع لها إذا أرادت أن تحكي، تعامل مع مشاعرها بجدية، وتذكر أنكما شخصان مختلفان أحياناً، ما قد يزعجها قد لا يزعجك وما قد يؤلمك قد لا تراه هي أو تميزه.

كن لها متنفساً، ولتكن هي متنفسك وكُنَّ أسرارك. استمع وتحاور ووسع صدرك للحديث مع من تحب، الحوار والمصارحة سيجعلان صفحتكما دائماً واضحة وسيعطينكما الفرصة لأن تمحيا ما قد كُتِب في ساعة غضب لتستبدلانه بما يجب أن يقال في ساعات المحبة والصفا.

وأخيراً أذكرك، وأنا أعلم أنك لا تحتاج لتذكير، زوجتك هي صنوك، لها ما لك وعليها ما عليك، إن لم تفقك في الواقع درجة.

زوجتك أمانة عندي، سلمني إياها أبوان تعبا وأحبا وسهرا، وليست أمك من تهمل الأمانة أو تتساهل في الحفاظ عليها. فمهما عاملتكما الحياة معاملة مختلفة، فقدمك المجتمع عليها وأعطاك القانون فوق ما أعطاها، ستبقي هي عندي أولوية أحميها وأحافظ عليها وأعصر هذا القلب الذي أحبك كما لم يعرف الحب من قبل وأهزمه وأسحقه بيداي قبل أن يحابيك ويخون أمانته.

هي لحظة زمان يا حبيبي، حين سئلت فقلت نعم، هي تلك اللحظة التي حولتك رجلاً مسؤولاً، واجباتك أكثر من حقوقك، ومسؤولياتك أهم من راحتك، وهي ذات اللحظة التي حولت زوجتك إلى ابنة وأمانة ستسبقك عندي دوماً، وتفوقك أهمية في ضميري أبداً.

وأنتِ يا حبيبتي، يا ابنة خبأتها الأقدار لي، يا قصة سعادة إبني ويا موقفي المبدئي السياسي ويا قضيتي العربية. تجمعت فيك كل الأقدار التي أحب، قدر بكري وقدر قضيتي الأولى وقدر مبادئي ومُثلي. من هذه اللحظة أنت تخصيني في كل شيء، سعادتك واستقرارك وجمال حياتك كلها مسؤوليتي، فاعلمي يا صغيرة أنني عون حين تحتاجينني وأنني على مسافة حين تحتاجين وقتك وخصوصيتك، وتأكدي أنني في صفك دائماً حتى حين يكون الخصم إبني.

نحن في دنيا ذكورية يا بنتي، قاسية باردة، وأحياناً حاقدة على بنات جنسنا، فاعلمي أنني سندك، أحمل همك إذا ما ثقل وأشاركك فرحك إذا ما هل ورفرف، وأحميك مما وممن قد يؤلمك ولو كان أحب ما لي في هذه الدنيا، زوجك.. سعادتك مسؤوليتي وراحة بالك واجبي الأخلاقي، فأهلاً بك يا صغيرة في دنيانا الخاصة، دنيا كلها تحبك وتنحو إلى إسعادك.

تماسكا يا صغيراي، أنتما على حافة نهر خلاب جميل، بعض أطرافه زلقة، أحياناً ستصادفكما مطبات وصخور، ولكن، طالما تماسكت أياديكما، طالما توكأتما على بعضكما البعض، فستصنعان رحلة مذهلة وستصلان بأمان. رحلة سعيدة رائقة مليئة بالأمل والأفراح والإنجازات لكما يا صغيرين..

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

حسن منيمنة

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).