Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

محاكمة تجربة زواج

08 سبتمبر 2021

بقلم: كوليت بهنا

 

"أيظنون أنني إيلون ماسك؟!". بهذه المقدمة، استهل لاجىء سوري في إحدى الدول الأوروبية كلامه لقص تجربته الشخصية بغرض الزواج. وهي تجربة مزجها ببعض التهكم، تلخصت بالتزامه الأخلاقي بتوصية أسرته لاتباع الطريقة التقليدية للارتباط، أي دون معرفة أو علاقة مسبقة بالفتاة، والتقيد بتعاليم دينه، واحترام عادات مجتمعه وتقاليده.

الشاب الذي قصد بداية المجتمعات السورية اللاجئة حديثا للبحث عن شريكة العمر، صدم بأكثر من عائلة تطلب منه عشرات الآلاف من عملة اليورو كمقدم ومؤخر لمهر الزواج، إضافة لشرط حفل زفاف أسطوري وبضع شروط تعجيزية أخرى. فيما اشترطت عليه بعض العائلات شراء عدد من سبائك الذهب تكفي -حسب كلامه- كاحتياطي استراتيجي للبنوك المركزية الدولية.

وبعد محاولات يائسة مع مجتمعات عربية لاجئة ومهاجرة أخرى، انتهى به المطاف بالزواج من فتاة أجنبية جميلة وعاملة ومتعلمة تعليما عاليا، حرص بشدة على التفاخر بخصالها الإنسانية، مضيفا بسعادة أنهما ينتظران مولودهما الأول ويتقاسمان راتبيهما كشريكي حياة، وأنها لم تطلب منه سوى خاتما من الفضة وحفلا بسيطا اقتصر على عدد قليل من الأصدقاء المشتركين.

تجربة الشاب التي جاءت في سياق الدفاع عن نفسه والمطالبة بالكف عن لومه لعدم ارتباطه بفتاة سورية أو عربية مسلمة، ضمن حوار عام اتهم فيه هو وأقرانه من الشبان السوريين والعرب بالكذب والمراوغة، وتفضيلهم الارتباط بأجنبيات لأغراض مصالحهم الشخصية، ومساهمتهم في التسبب بارتفاع نسبة تأخر الزواج لدى الفتيات السوريات والعربيات في بلدانهم الأصلية وفي مجتمعات اللجوء.

وهي تجربة غير فريدة في نوعها، وليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. إذ سبق للآلاف من المهاجرين العرب وغير العرب الارتباط بأجنبيات لأسباب مختلفة، وأثمرت معظم هذه التجارب الناجحة عن سعادة أسرية وتفوق مهني وأجيال متعاقبة من الأولاد والأحفاد من ذوي الدماء والأعراق المختلطة.

يعود الحديث عنها اليوم إلى صدارة الاهتمام، توافقا مع  تزايد حركة اللجوء العالمية وارتفاعها إلى نسب لم يسبق لها مثيل، بالتالي المكاشفة بشأنها بما تفرزه من  إشكاليات مستمرة تتعلق بكيفية مواجهة الشبان والشابات لثقافة المجتمعات الجديدة التي لجأوا أو هاجروا إليها، والمفاضلة- إن لم نقل التصادم- بينها وبين ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي يحملونها معهم في الجينات، وفي حقيبة السفر.

في محاكمة  مثل هذه التجربة على سبيل المثال لا الحصر، أمضى هذا الشاب في دولة اللجوء سبع سنوات قبل أن يقرر تحقيق الاستقرار العائلي، قضى نصفها تقريبا في تعلم اللغة والاندماج ثم العثور على عمل يدر عليه دخلا مقبولا. وبحساب سريع، إن أراد أن يوفر مالا يكفي لدفع المهر الذي طلب منه، سيحتاج إلى ما لا يقل عن عشرين عاما إضافية من العمل الدؤوب، أو الاستدانة، أو طلب قرض من البنك، أو العزوف عن فكرة الزواج برمتها.

في المقابل، لو افترضنا أنه مازال في بلده الذي يمر بأحلك الظروف، فهل سيتغير الأمر ويتمكن من تأمين مثل هذه التكاليف الباهظة في سنوات قليلة من عمره؟. بل يمكن اعتباره محظوظا لأنه حظي في بلد اللجوء على ضمان اجتماعي وحالة استقرار وشقة سكنية، والأخيرة تحتاج إلى أكثر من نصف عمره للحصول عليها في بلده، وربما باتت من سابع المستحيلات.

لا تكمن المشكلة في التقاليد والعادات المتبعة في البلد الأم، والتي يحرص اللاجئون والمهاجرون على نقلها معهم كجزء متمم لهوياتهم واستنساخها أينما استقروا. بل على العكس تماما، تشكل هذه السلوكيات الاجتماعية غنى ثقافي مضاف لثقافات المجتمعات الجديدة، ليس مطلوبا تغييرها، ولا إلغائها، بل إعادة النظر فيها وعقلنتها لتليينها ومنحها المرونة التي تتناسب مع متغيرات الحياة ومستجداتها.

المؤمن الحقيقي والأصيل الذي يحرص على العادات والتقاليد، ويلتزم بشريعة دينه، لا يغالي في مطالبه، ويقضي حوائجه وحوائج أبنائه وبناته بالتيسير، والتفهم، وسعة الأفق، والتكافل، والتفهم، وخدمة المجتمع وحفظه عبر تسهيل شروط الزواج والتشجيع عليه ومباركته، والتعامل مع فكرة الزواج على أنه مصاهرة ونسب ومكسب لعائلتين، وليس صفقة تجارية تتم بينهما.

ومن المؤسف أن يلام شاب لعدم دفعه عشرات الآلاف من اليورو للمهر، وبأن قيمتها المادية "أرخص" بكثير فيما لو "سطت" الزوجة الأجنبية لاحقا على نصف ممتلكاته بعد الطلاق  بحسب القوانين الغربية. بحيث يتخذ الحديث عن ارتباط إنساني منحى الحسابات والأرقام وتوقع الأرباح أو الخسائر المالية اللاحقة، كرؤية نمطية بديلة عن مباركة أي ارتباط واحترام المشاعر وحق الاختيار، أضف إلى النظرة التشاؤمية والعنصرية التي ترافق أية حالة زواج بأجنبية، وتوقع الطلاق كنهاية حتمية لها.

يقول مثل شعبي مشرقي دارج بما معناه، إن أردت أن تبقى ابنتك في بيتك، ارفع ثمن مهرها. الملفت أن العديد من الشابات اللواتي اقتحمن الحوار الخاص بتجربة الشاب آنفة الذكر، أبدين حدة تتعلق بإصرارهن على أنهن سيرفعن ثمن مهورهن طالما أن الشبان العرب لا يؤتمن لهم ولم تتغير عقليتهم في كيفية التعامل مع المرأة، وأن المؤخر المرتفع وحده من يلجم الرجل عن التفكير بالطلاق، فضلا عن اتهام الشبان بأنهم لا يسعون للارتباط بشريكة حياة حقيقية، بل شراء جارية تتمتع بوعاء خصب للإنجاب.

هل تكمن المشكلة خلف هذه الأسباب الجوهرية المتعلقة بكيفية التعامل القائمة بين الشبان والنساء؟ أم لتلك الأسباب المادية التعجيزية التي تعيق زواج النسبة الأكبر بينهم؟. يتداخل الأمر ويتسع، ويشكل جزءا من سلسلة شائكة، المكاشفة حولها أمر حيوي، في محاولة لحلحلة بعض الاستعصاء المرافق لهذه الإشكالية، التي تتفاقم في المجتمعات الأم، كما في مجتمعات اللجوء والاغتراب، دون ملاحظة فارق كبير بينهما، أو تطور نوعي ملموس في أحدهما.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

عمران سلمان

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).