Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

هزائم اليسار المغربي أخطر من سقطة الإسلاميين

20 سبتمبر 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

 

نتائج انتخابات 8 سبتمبر 2021، موجة ارتياح كبرى لدى فئات شعبية واسعة في المغرب، اكتوت بنيران السياسة اللاشعبية التي راكمها حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة منذ عقد كامل. ارتياح تم التعبير عنه بأشكال مختلفة، عكست بعضا منها مواقع التواصل الاجتماعي.

التحكم عن قرب

رد فعل جماهيري سيكولوجي طبيعي من المحكومين ضد من يحكمون، أضيفت إليه نقمة ترسبت ضد إسلاميين اكتشف أنهم "مزيفون"، يدخلون في زمرة من "يقولون ما لا يفعلون"، أو هم في الواقع "يفعلون ما يؤمرون به من خلف ستار"، إذ تلاحقهم تهمة الائتمار بتعليمات "حكومة الظل"، وهي هنا هيأة مستشاري الملك.

سبق أن أثير هذا "الائتمار" في المنابر والمنتديات، بل إن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، وكان يشغل في سنة 2016 حقيبة وزارة السكن بحكومة عبد الإله بنكيران، أفصح عن رفضه لسياسة "التحكم"، حين نعت مستشارا بارزا للملك بأنه "تجسيد للتحكم". ما أدى إلى استياء القصر وصدور بلاغ عن الديوان الملكي، جاء فيه أن تصريحات بنعبد الله  تتسم بـ"الخطورة". و"تتنافى مع مقتضيات الدستور والقوانين التي تؤطر العلاقة بين المؤسسة الملكية وجميع المؤسسات والهيئات الوطنية بما فيها الأحزاب السياسية". 

كل هذا يمكن اعتباره أمرا طبيعيا في الحياة السياسية، لكن أن ينشغل اليسار كل هذا الوقت بالاحتفال بهزيمة "الإسلاميين" والشماتة في سقوطهم المريع، دون أن يجد الفرصة للالتفات إلى أطرافه وخلفه والتطلع إلى الأمام، لمساءلة الذات عما حصده الطيف اليساري في الانتخابات، إذ من دون ذلك سيتحول الأمر إلى حالة غير سوية تخالف العقل والمنطق.

احتراق الشمعة وضياع الرسالة

عندما نتكلم هنا عن أحزاب اليسار، يكون القصد منها الأحزاب الراديكالية، ممثلة في حزب النهج الديمقراطي، وقد عودنا على مقاطعته الدائمة للانتخابات. وأحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي الثلاثة، التي انشطر تحالفها عشية الانتخابات، لتطل على الناخبين برأسين، أحدهما احتفظ بالتسمية وبرمز "الرسالة"، والثاني عاد إلى رمزه الحزبي الأول "الشمعة".

وفي مراحل معينة من الحملة الانتخابية لم يتردد حلفاء البارحة في التنابز بالألقاب وتوزيع الاتهامات فيما بينهم. مناضلو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي مع حزب المؤتمر الوطني الاتحادي المستمرين في التحالف، وقدموا لوائح مشتركة، رموا نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، بالانتهازية والتسلط، وأحيانا بالعمالة لجهات معادية للطموحات الشعبية، وبانتهاك مبادئ وأهداف التحالف ومطامحه النبيلة.

ومن جانبها ردت المعنية بغضب شديد على منتقديها، كونهم يستعجلون الاندماج من دون أن يتم بناؤه على أسس فكرية وتنظيمية متينة. وعابت عليهم استغلال اسمها في الحملة الانتخابية لرمز "الرسالة"، في إحالة إلى الشعبية التي راكمتها منيب في الواجهة الإعلامية بصفتها منسقة لتحالف اليسار الديمقراطي.

ولا يزال التراشق ساريا بين المكونات السابقة للفيدرالية المعطوبة، ورفعت من حدته تداعيات الإخفاق في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.

كانت أعلى درجات طموح أحزاب "اليسار الراديكالي المشارك" في الانتخابات هو تحسين وضعها التمثيلي في المؤسسات، بالحصول على مقاعد إضافية، بدل اثنين في البرلمان السابق. وقد استدعي هذا استحضار قولة للزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد، لما صرح بأن "المقاعد لا تهمنا"، تعبيرا حارقا عن سؤال صدقية اللعبة الانتخابية في عهد الحسن الثاني، وسياسة التزوير والقمع والتنكيل التي برع فيها وزيره القوي في الداخلية إدريس البصري خلال "سنوات الرصاص".

لقد كان عبد الرحيم بوعبيد يأمل في "أن يدخل المغرب غمار تجربة ديمقراطية تحميه من الهزات العنيفة، وإيجاد أجوبة عملية للخروج من المأزق". كما كتب القيادي ووزير الثقافة الاتحادي السابق محمد الأشعري، خصوصا وأن البلاد كانت بصدد معركة استرجاع الأقاليم الصحراوية.

فما الذي تغير اليوم في المشهد اليساري مع العهد الجديد؟ وما هي الخلاصات والاستنتاجات التي استخلصها اليسار من تجاربه السابقة؟
البيانات الصادرة عن أحزاب اليسار المشار إليها، رغم إدانتها الخروقات التي طبعت سير العملية الانتخابية، بتسجيل استعمال المال لشراء الأصوات، و"الحياد المشبوه للإدارة والسلطة". فقد أظهرت ما يشبه رضى أغلب هؤلاء الفرقاء الحزبين، لدرجة تصح فيهم الآية القرآنية: "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ".

هكذا احتفلت نبيلة منيب بفوزها بالهتافات والزغاريد التي صدحت في أرجاء المقر الرئيسي للحزب في الدار البيضاء بزنقة أغادير، فرحا بمقعد برلماني عن اللائحة الجهوية بالدار البيضاء. رغم أنها الممثلة اليتيمة للحزب الاشتراكي الموحد في مجلس النواب. 

وبادر بيان صادر عن الهيئة التنفيذية لفيدرالية اليسار لتهنئة "كل المناضلات والمناضلين على المجهودات الجبارة التي قاموا بها خلال الحملة الانتخابية النظيفة التي جسدت قيم اليسار والروح الوحدوية بأفق إعادة بناء حركة اليسار".

هكذ تكلم اليسار بلغة الباطرونا!

وفي الوقت الذي اعتذرت نبيلة منيب عن اللقاء مع رئيس الحكومة المعين، في مشاوراته لتشكيل الحكومة المقبلة. سارع عبد السلام لعزيز، الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، إلى الاستجابة بصفته منسقا وطنيا لتحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي، والتقى مع عزيز أخنوش، ليخرج بعد اللقاء بتصريح تضمن موقفا بالغ الإثارة، يزعم أن رجل الأعمال الأول في البلاد، و"المتهم بمراكمة ثروته من الريع"، "تتقاطع وجهة نظره مع وجهة نظر اليسار في القضايا الاجتماعية".   

أغضب تصريح عبد السلام لعزيز أغلب أهل اليسار، منهم منفي سابق بفرنسا، هو اليساري محمد المحجوبي، الذي لم يخف استنكاره، مستعجبا من تبدل اللغة ولم يمض على الانتخابات إلا أيام، "ليحل الود والتوافق في وجهات النظر مع نفس الشخص الذي دفعت به الدولة العميقة لتصنع منه وزيرا أول؟".

وتساءل المتحدث: "أين هي المواقف المبدئية اليسارية من طبيعة الانتخابات المغشوشة، ومن "القاسم الانتخابي" الذي اعتبر من طرف تحالف الفيدرالية على أنه عملية "ريع سياسي". ثم أين هو تقييم "اليسار" بأن الحكومة لا تحكم، وموقف اليسار من عزيز آخنوش واعتباره واحدا من رجالات الدولة العميقة بامتياز".

ورأى آخرون أن تصريح عبد السلام لعزيز يدخل في باب "الاغتراف من سياسة ميكيافلية وانتهازية بحتة". وأكد سواهم أنه بمثل "أداء" عبد السلام لعزيز يفقد اليسار مكانته الاعتبارية في المجتمع، لينال غضب الشعب والنخب، بل إن اليسار أضحى "موضع شكوك" في مساهمته في تعطيل حركة شباب "20 فبراير" بترويضها، إذ فتحت مقرات الحزب الاشتراكي الموحد والكونفدرالية الديمقراطية للشغل أمام الحركة في عز الانتفاضة، لتنطلق عمليات استقطاب محموم وسط شباب الحركة من لدن أحزاب فيدرالية اليسار. وكانت النتيجة تلاشي الحراك المنبثق عن الربيع العربي.

بمجرد الإعلان عن النتائج الصادمة، أعلنت "حركة تصحيحية" عن نفسها داخل حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي. فيما ظهر تيار جديد في الحزب الاشتراكي الموحد. ولم يأت التيار، الذي سمي بـ"اليسار الجديد"، ولا من تزعموا الحركة التصحيحية بجديد. وكأنها مجرد محاولة للتنفيس ليس إلا، أو لامتصاص الوهم الذي تملك البعض بقدرة "اليسار المشارك" نيل ما يساعده على تشكيل فريق برلماني على الأقل. (يتطلب 20 نائبا).

فيما ساد صمت حزين في صفوف المؤتمر الوطني الاتحادي، الذي صدم أعضاؤه في اليوم الأخير من الحملة الانتخابية، برحيل الزعيم محمد نوبير الأموي مؤسس الحزب وقائد المركزية العمالية الديمقراطية للشغل، التي يعد منخرطوها النقابيون الأساس الصلب لقاعدة المؤتمر الاتحادي. 

الحزب الاشتراكي الملكي

لا تختلف أسباب انتكاسات اليسار المغربي في عمومها عما أصاب اليسار العربي والعالمي. منها ما يعود إلى ضراوة القمع ومصادرة الحق في الرأي وحرية التعبير، بشراسة استهدفت بالأساس تنظيمات اليسار واليساريين، وطالت أحيانا عائلاتهم وبعض المتعاطفين معهم. ما أنهك اليسار وأدى لتراجعه عن محاولات التغيير الحقيقي في المجتمع.

في السبعينيات اقتدى الحسن الثاني بسياسة الرئيس المصري أنور السادات، ملأ السجون بالمعارضين اليساريين ووضع المليشيات الإسلامية في مواجهتهم بالثانويات والجامعات، بل إن الإسلاميين نفذوا عمليات اعتداء بلغت حد اغتيال بعض اليساريين، مثل المحامي عمر بنجلون والطالب المعطي أيت الجيد.

في وقت من الأوقات عمل نظام الحسن الثاني على رفع شعار الاشتراكية، عندما أكد أنه مع "اشتراكية تغني الفقير ولا تفقر الغني". ثم أعطى مستشاره أحمد رضا اغديرة الضوء لصهره (حينها)، لمشروع "الحزب الاشتراكي الملكي"، بقيادة محامي الدولة محمد زيان. (هو نفسه صاحب "الحزب المغربي الحر" اليوم).

في مستهل الثمانينيات برعاية مباشرة من المستشار أحمد رضا اغديرة تأسس حزب الاتحاد الدستوري، ولمزيد من الخلط والتضليل، حضرت لفظة "الاتحاد"، مع لقب المعطي "بوعبيد"، الاتحادي السابق. للتشويش على حزب الاتحاد الاشتراكي وزعيمه البارز عبد الرحيم بوعبيد. ثم تبين لاحقا  أن الأنجع هو تدوير أطر اليسار وإعادة "رسكلتها"، وأمامنا اليوم نموذج الاتحاد الاشتراكي  بقيادة إدريس لشكر، رائد "خدام الدولة"، كما سمى نفسه عندما تم فضح استفادته مع زوجته من أراضي للدولة بسعر بخس، في تحقيق أنجزه الصحفي عمر الراضي، الموجود حاليا رهن الاعتقال بسجن عكاشة بالدار البيضاء.

ولمزيد من إتقان اللعبة، جرى في 2009، بإيعاز من النظام، إنشاء "حركة لكل الديمقراطيين"، بمساهمة يساريين بارزين ومعتقلين سياسيين سابقين، قبل تحويل الحركة إلى إطار سياسي باسم "حزب الأصالة والمعاصرة".

خطوات لاستعادة الأمل

بخلاف ردود الفعل المتشنجة، أو التي اختارت التعبير الغاضب عن موقفها في المجالس المغلقة، يمكن التعامل مع مبادرة اليساري محمد بولعيش ضمن ردود الفعل الواعية والمسؤولة، خصوصا أن المعني "عايش اليسار لما يفوق نصف قرن، ولا زال ملتصقا به قناعة وإيمانا وأملا"، و"رسالته المفتوحة إلى قيادات اليسار ومناضليه" (حوالي 4000 كلمة) تعد وثيقة سجالية لتحريك النقاش، أرادها مؤلف كتاب "السير على الأشواك" تعبيرا عن شعور بالمسؤولية "تجاه يسار نريده جامعا، وغيرة وخوفا عليه من الضياع والتيه ومزيد من التشرذم والانحراف، وتجاه مناضلين أعتبرهم مسؤولين أيضا عما حصل وما سيقع إن تركوا الحبل على الغارب". 

حاول بولعيش القيام بتوصيف موجز لواقع اليسار، وتشخيص أعطاب اليسار المزمنة، ذكر فيه عددا "من الأخطاء والانحرافات، والسلوكات الخارقة للقوانين والأخلاق اليسارية، والكيل بمكيالين حسب درجة القربى العصبوية، ومدى رضا القيادة أو غضبها على من سيطوله سوط العقاب... ولم نسمع ولم نشاهد إلا لماما وبأشكال محتشمة جدا من يحتج أو يرفض أو يستنكر أو يندد، أو يدين ويطالب بمحاسبة أو إقالة المارقين المخطئين المنحرفين، ضدا على ما ينبغي أن يتحلى به المناضل اليساري من جرأة وشجاعة ومبدئية وبعد نظر ودفاع عن الحق". ليخلص في الختام إلى اقتراح خطوات عملية باتجاه المعافاة وتجنب الانكسار المميت.

جيل الضباع والضياع

لقد تأثر جيل الستينيات والسبعينيات بالأجيال السابقة، خاصة بمن خاضوا معركة الاستقلال، وبانتفاضة "ماي 68" الطلابية بفرنسا، وبحرب الفيتنام، ونكسة 67. وتجاوب أكثر مع الثورة الفلسطينية والمقاومة في لبنان.

لكن الجيل الحالي بعد تعديل المناهج التعليمية وتحوير مادة الفلسفة، واشتداد الأزمات المعيشية للأسر المقهورة، يجد نفسه أعزلا، بلا وعي سياسي حقيقي، منقطعا عن تاريخه القريب ورموزه الديمقراطية والتقدمية، متأثرا بسلبيات ثورة المعلوميات وضغط الرقميات، مستهدفا بسياسات الإقصاء وبرامج التيئيس ومخططات الرعب والبطالة لتعميق تخلفه. والنتيجة جيل متذمر معادٍ لقيم العقلانية والأمل والإيمان بالتقدم والمشاركة. ألم يحذر الراحل محمد جسوس، (أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع المغربي المعاصر)، من هذا المآل عندما نبه إلى " إنهم يريدون خلق أجيال جديدة من الضباع".

فكيف بإمكان اليسار المغربي مخاطبة الجيل الحالي، والعمل على تخليص المجتمع من تناسل المزيد من الضباع والتضبيع؟

وكيف السبيل إلى توحيد البيت اليساري قبل تنظيفه أولا من الوصولية، وتجاوز حالة التشرذم والانقسام والاندثار والأفق المسدود؟

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

حسن منيمنة

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).