Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

هزائم اليسار المغربي أخطر من سقطة الإسلاميين

20 سبتمبر 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

 

نتائج انتخابات 8 سبتمبر 2021، موجة ارتياح كبرى لدى فئات شعبية واسعة في المغرب، اكتوت بنيران السياسة اللاشعبية التي راكمها حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة منذ عقد كامل. ارتياح تم التعبير عنه بأشكال مختلفة، عكست بعضا منها مواقع التواصل الاجتماعي.

التحكم عن قرب

رد فعل جماهيري سيكولوجي طبيعي من المحكومين ضد من يحكمون، أضيفت إليه نقمة ترسبت ضد إسلاميين اكتشف أنهم "مزيفون"، يدخلون في زمرة من "يقولون ما لا يفعلون"، أو هم في الواقع "يفعلون ما يؤمرون به من خلف ستار"، إذ تلاحقهم تهمة الائتمار بتعليمات "حكومة الظل"، وهي هنا هيأة مستشاري الملك.

سبق أن أثير هذا "الائتمار" في المنابر والمنتديات، بل إن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، وكان يشغل في سنة 2016 حقيبة وزارة السكن بحكومة عبد الإله بنكيران، أفصح عن رفضه لسياسة "التحكم"، حين نعت مستشارا بارزا للملك بأنه "تجسيد للتحكم". ما أدى إلى استياء القصر وصدور بلاغ عن الديوان الملكي، جاء فيه أن تصريحات بنعبد الله  تتسم بـ"الخطورة". و"تتنافى مع مقتضيات الدستور والقوانين التي تؤطر العلاقة بين المؤسسة الملكية وجميع المؤسسات والهيئات الوطنية بما فيها الأحزاب السياسية". 

كل هذا يمكن اعتباره أمرا طبيعيا في الحياة السياسية، لكن أن ينشغل اليسار كل هذا الوقت بالاحتفال بهزيمة "الإسلاميين" والشماتة في سقوطهم المريع، دون أن يجد الفرصة للالتفات إلى أطرافه وخلفه والتطلع إلى الأمام، لمساءلة الذات عما حصده الطيف اليساري في الانتخابات، إذ من دون ذلك سيتحول الأمر إلى حالة غير سوية تخالف العقل والمنطق.

احتراق الشمعة وضياع الرسالة

عندما نتكلم هنا عن أحزاب اليسار، يكون القصد منها الأحزاب الراديكالية، ممثلة في حزب النهج الديمقراطي، وقد عودنا على مقاطعته الدائمة للانتخابات. وأحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي الثلاثة، التي انشطر تحالفها عشية الانتخابات، لتطل على الناخبين برأسين، أحدهما احتفظ بالتسمية وبرمز "الرسالة"، والثاني عاد إلى رمزه الحزبي الأول "الشمعة".

وفي مراحل معينة من الحملة الانتخابية لم يتردد حلفاء البارحة في التنابز بالألقاب وتوزيع الاتهامات فيما بينهم. مناضلو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي مع حزب المؤتمر الوطني الاتحادي المستمرين في التحالف، وقدموا لوائح مشتركة، رموا نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، بالانتهازية والتسلط، وأحيانا بالعمالة لجهات معادية للطموحات الشعبية، وبانتهاك مبادئ وأهداف التحالف ومطامحه النبيلة.

ومن جانبها ردت المعنية بغضب شديد على منتقديها، كونهم يستعجلون الاندماج من دون أن يتم بناؤه على أسس فكرية وتنظيمية متينة. وعابت عليهم استغلال اسمها في الحملة الانتخابية لرمز "الرسالة"، في إحالة إلى الشعبية التي راكمتها منيب في الواجهة الإعلامية بصفتها منسقة لتحالف اليسار الديمقراطي.

ولا يزال التراشق ساريا بين المكونات السابقة للفيدرالية المعطوبة، ورفعت من حدته تداعيات الإخفاق في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.

كانت أعلى درجات طموح أحزاب "اليسار الراديكالي المشارك" في الانتخابات هو تحسين وضعها التمثيلي في المؤسسات، بالحصول على مقاعد إضافية، بدل اثنين في البرلمان السابق. وقد استدعي هذا استحضار قولة للزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد، لما صرح بأن "المقاعد لا تهمنا"، تعبيرا حارقا عن سؤال صدقية اللعبة الانتخابية في عهد الحسن الثاني، وسياسة التزوير والقمع والتنكيل التي برع فيها وزيره القوي في الداخلية إدريس البصري خلال "سنوات الرصاص".

لقد كان عبد الرحيم بوعبيد يأمل في "أن يدخل المغرب غمار تجربة ديمقراطية تحميه من الهزات العنيفة، وإيجاد أجوبة عملية للخروج من المأزق". كما كتب القيادي ووزير الثقافة الاتحادي السابق محمد الأشعري، خصوصا وأن البلاد كانت بصدد معركة استرجاع الأقاليم الصحراوية.

فما الذي تغير اليوم في المشهد اليساري مع العهد الجديد؟ وما هي الخلاصات والاستنتاجات التي استخلصها اليسار من تجاربه السابقة؟
البيانات الصادرة عن أحزاب اليسار المشار إليها، رغم إدانتها الخروقات التي طبعت سير العملية الانتخابية، بتسجيل استعمال المال لشراء الأصوات، و"الحياد المشبوه للإدارة والسلطة". فقد أظهرت ما يشبه رضى أغلب هؤلاء الفرقاء الحزبين، لدرجة تصح فيهم الآية القرآنية: "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ".

هكذا احتفلت نبيلة منيب بفوزها بالهتافات والزغاريد التي صدحت في أرجاء المقر الرئيسي للحزب في الدار البيضاء بزنقة أغادير، فرحا بمقعد برلماني عن اللائحة الجهوية بالدار البيضاء. رغم أنها الممثلة اليتيمة للحزب الاشتراكي الموحد في مجلس النواب. 

وبادر بيان صادر عن الهيئة التنفيذية لفيدرالية اليسار لتهنئة "كل المناضلات والمناضلين على المجهودات الجبارة التي قاموا بها خلال الحملة الانتخابية النظيفة التي جسدت قيم اليسار والروح الوحدوية بأفق إعادة بناء حركة اليسار".

هكذ تكلم اليسار بلغة الباطرونا!

وفي الوقت الذي اعتذرت نبيلة منيب عن اللقاء مع رئيس الحكومة المعين، في مشاوراته لتشكيل الحكومة المقبلة. سارع عبد السلام لعزيز، الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، إلى الاستجابة بصفته منسقا وطنيا لتحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي، والتقى مع عزيز أخنوش، ليخرج بعد اللقاء بتصريح تضمن موقفا بالغ الإثارة، يزعم أن رجل الأعمال الأول في البلاد، و"المتهم بمراكمة ثروته من الريع"، "تتقاطع وجهة نظره مع وجهة نظر اليسار في القضايا الاجتماعية".   

أغضب تصريح عبد السلام لعزيز أغلب أهل اليسار، منهم منفي سابق بفرنسا، هو اليساري محمد المحجوبي، الذي لم يخف استنكاره، مستعجبا من تبدل اللغة ولم يمض على الانتخابات إلا أيام، "ليحل الود والتوافق في وجهات النظر مع نفس الشخص الذي دفعت به الدولة العميقة لتصنع منه وزيرا أول؟".

وتساءل المتحدث: "أين هي المواقف المبدئية اليسارية من طبيعة الانتخابات المغشوشة، ومن "القاسم الانتخابي" الذي اعتبر من طرف تحالف الفيدرالية على أنه عملية "ريع سياسي". ثم أين هو تقييم "اليسار" بأن الحكومة لا تحكم، وموقف اليسار من عزيز آخنوش واعتباره واحدا من رجالات الدولة العميقة بامتياز".

ورأى آخرون أن تصريح عبد السلام لعزيز يدخل في باب "الاغتراف من سياسة ميكيافلية وانتهازية بحتة". وأكد سواهم أنه بمثل "أداء" عبد السلام لعزيز يفقد اليسار مكانته الاعتبارية في المجتمع، لينال غضب الشعب والنخب، بل إن اليسار أضحى "موضع شكوك" في مساهمته في تعطيل حركة شباب "20 فبراير" بترويضها، إذ فتحت مقرات الحزب الاشتراكي الموحد والكونفدرالية الديمقراطية للشغل أمام الحركة في عز الانتفاضة، لتنطلق عمليات استقطاب محموم وسط شباب الحركة من لدن أحزاب فيدرالية اليسار. وكانت النتيجة تلاشي الحراك المنبثق عن الربيع العربي.

بمجرد الإعلان عن النتائج الصادمة، أعلنت "حركة تصحيحية" عن نفسها داخل حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي. فيما ظهر تيار جديد في الحزب الاشتراكي الموحد. ولم يأت التيار، الذي سمي بـ"اليسار الجديد"، ولا من تزعموا الحركة التصحيحية بجديد. وكأنها مجرد محاولة للتنفيس ليس إلا، أو لامتصاص الوهم الذي تملك البعض بقدرة "اليسار المشارك" نيل ما يساعده على تشكيل فريق برلماني على الأقل. (يتطلب 20 نائبا).

فيما ساد صمت حزين في صفوف المؤتمر الوطني الاتحادي، الذي صدم أعضاؤه في اليوم الأخير من الحملة الانتخابية، برحيل الزعيم محمد نوبير الأموي مؤسس الحزب وقائد المركزية العمالية الديمقراطية للشغل، التي يعد منخرطوها النقابيون الأساس الصلب لقاعدة المؤتمر الاتحادي. 

الحزب الاشتراكي الملكي

لا تختلف أسباب انتكاسات اليسار المغربي في عمومها عما أصاب اليسار العربي والعالمي. منها ما يعود إلى ضراوة القمع ومصادرة الحق في الرأي وحرية التعبير، بشراسة استهدفت بالأساس تنظيمات اليسار واليساريين، وطالت أحيانا عائلاتهم وبعض المتعاطفين معهم. ما أنهك اليسار وأدى لتراجعه عن محاولات التغيير الحقيقي في المجتمع.

في السبعينيات اقتدى الحسن الثاني بسياسة الرئيس المصري أنور السادات، ملأ السجون بالمعارضين اليساريين ووضع المليشيات الإسلامية في مواجهتهم بالثانويات والجامعات، بل إن الإسلاميين نفذوا عمليات اعتداء بلغت حد اغتيال بعض اليساريين، مثل المحامي عمر بنجلون والطالب المعطي أيت الجيد.

في وقت من الأوقات عمل نظام الحسن الثاني على رفع شعار الاشتراكية، عندما أكد أنه مع "اشتراكية تغني الفقير ولا تفقر الغني". ثم أعطى مستشاره أحمد رضا اغديرة الضوء لصهره (حينها)، لمشروع "الحزب الاشتراكي الملكي"، بقيادة محامي الدولة محمد زيان. (هو نفسه صاحب "الحزب المغربي الحر" اليوم).

في مستهل الثمانينيات برعاية مباشرة من المستشار أحمد رضا اغديرة تأسس حزب الاتحاد الدستوري، ولمزيد من الخلط والتضليل، حضرت لفظة "الاتحاد"، مع لقب المعطي "بوعبيد"، الاتحادي السابق. للتشويش على حزب الاتحاد الاشتراكي وزعيمه البارز عبد الرحيم بوعبيد. ثم تبين لاحقا  أن الأنجع هو تدوير أطر اليسار وإعادة "رسكلتها"، وأمامنا اليوم نموذج الاتحاد الاشتراكي  بقيادة إدريس لشكر، رائد "خدام الدولة"، كما سمى نفسه عندما تم فضح استفادته مع زوجته من أراضي للدولة بسعر بخس، في تحقيق أنجزه الصحفي عمر الراضي، الموجود حاليا رهن الاعتقال بسجن عكاشة بالدار البيضاء.

ولمزيد من إتقان اللعبة، جرى في 2009، بإيعاز من النظام، إنشاء "حركة لكل الديمقراطيين"، بمساهمة يساريين بارزين ومعتقلين سياسيين سابقين، قبل تحويل الحركة إلى إطار سياسي باسم "حزب الأصالة والمعاصرة".

خطوات لاستعادة الأمل

بخلاف ردود الفعل المتشنجة، أو التي اختارت التعبير الغاضب عن موقفها في المجالس المغلقة، يمكن التعامل مع مبادرة اليساري محمد بولعيش ضمن ردود الفعل الواعية والمسؤولة، خصوصا أن المعني "عايش اليسار لما يفوق نصف قرن، ولا زال ملتصقا به قناعة وإيمانا وأملا"، و"رسالته المفتوحة إلى قيادات اليسار ومناضليه" (حوالي 4000 كلمة) تعد وثيقة سجالية لتحريك النقاش، أرادها مؤلف كتاب "السير على الأشواك" تعبيرا عن شعور بالمسؤولية "تجاه يسار نريده جامعا، وغيرة وخوفا عليه من الضياع والتيه ومزيد من التشرذم والانحراف، وتجاه مناضلين أعتبرهم مسؤولين أيضا عما حصل وما سيقع إن تركوا الحبل على الغارب". 

حاول بولعيش القيام بتوصيف موجز لواقع اليسار، وتشخيص أعطاب اليسار المزمنة، ذكر فيه عددا "من الأخطاء والانحرافات، والسلوكات الخارقة للقوانين والأخلاق اليسارية، والكيل بمكيالين حسب درجة القربى العصبوية، ومدى رضا القيادة أو غضبها على من سيطوله سوط العقاب... ولم نسمع ولم نشاهد إلا لماما وبأشكال محتشمة جدا من يحتج أو يرفض أو يستنكر أو يندد، أو يدين ويطالب بمحاسبة أو إقالة المارقين المخطئين المنحرفين، ضدا على ما ينبغي أن يتحلى به المناضل اليساري من جرأة وشجاعة ومبدئية وبعد نظر ودفاع عن الحق". ليخلص في الختام إلى اقتراح خطوات عملية باتجاه المعافاة وتجنب الانكسار المميت.

جيل الضباع والضياع

لقد تأثر جيل الستينيات والسبعينيات بالأجيال السابقة، خاصة بمن خاضوا معركة الاستقلال، وبانتفاضة "ماي 68" الطلابية بفرنسا، وبحرب الفيتنام، ونكسة 67. وتجاوب أكثر مع الثورة الفلسطينية والمقاومة في لبنان.

لكن الجيل الحالي بعد تعديل المناهج التعليمية وتحوير مادة الفلسفة، واشتداد الأزمات المعيشية للأسر المقهورة، يجد نفسه أعزلا، بلا وعي سياسي حقيقي، منقطعا عن تاريخه القريب ورموزه الديمقراطية والتقدمية، متأثرا بسلبيات ثورة المعلوميات وضغط الرقميات، مستهدفا بسياسات الإقصاء وبرامج التيئيس ومخططات الرعب والبطالة لتعميق تخلفه. والنتيجة جيل متذمر معادٍ لقيم العقلانية والأمل والإيمان بالتقدم والمشاركة. ألم يحذر الراحل محمد جسوس، (أحد الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع المغربي المعاصر)، من هذا المآل عندما نبه إلى " إنهم يريدون خلق أجيال جديدة من الضباع".

فكيف بإمكان اليسار المغربي مخاطبة الجيل الحالي، والعمل على تخليص المجتمع من تناسل المزيد من الضباع والتضبيع؟

وكيف السبيل إلى توحيد البيت اليساري قبل تنظيفه أولا من الوصولية، وتجاوز حالة التشرذم والانقسام والاندثار والأفق المسدود؟

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).