Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

2024

21 سبتمبر 2021

بقلم: ابتهال الخطيب

يعتبر انعدام الجنسية أحد أسوأ أنواع الحرمان الإنساني بطبيعته ومعناه وتبعاته.. وتعتبر الهوية أحد أهم الحقوق الإنسانية بالنسبة للفرد المعاصر، والحرمان منها له تبعات تتفوق بكثير على مجرد الحقوق المدنية، حرية التنقل، الأمان الاقتصادي والاجتماعي وغيرها.

للحرمان من الهوية تبعة نفسية عميقة تخلف أجيالاً معجونة بالقهر، موصومة بالغربة، محرومة من الشعور بالحب لأرض ومنطقة جغرافية، هذا الحب الغريب، والذي هو لربما غير منطقي، ولكنه حب مزروع في بيولوجيتنا ككائنات تسعى للانتماء والتعبير عن الولاء.

يوجد اليوم ما يفوق الاثنى عشر مليون عديم جنسية حول العالم، تشكلت حالات حرمانهم لأسباب مختلفة، منها الحروب ومنها العنصريات ومنها الصدف البحتة ومنها الأقدار الغريبة التي أوقعتهم في حفر عميقة بين التعريفات والتوصيفات السياسية والهوياتية المختلفة الحديثة، فلا هم عديمو جنسية ولا هم مواطنون ولا هم أجانب ولا هم لاجئون ولا هم مهجرون، هم أشخاص أوقعتهم ظروفهم وأقدارهم بين كل هذه التوصيفات ليتوهوا للأبد في دهاليز سراديبية للتقسيمات الحداثية للدول وحدودها وسياساتها، التي ظهرت كلها بعد الحرب العالمية الأولى.

والحرب العالمية الأولى هي الكارثة الإنسانية الأفظع في تاريخنا البشري القصير، كارثة لا نزال نعاني من تبعاتها ومخلفاتها، والتي أشدها وأصعبها هي حالات انعدام الجنسية والتي تجلت بوضوح بعد أن بدأت الدول ترسم وتؤمم حدودها وتعطي صكوك الانتماء لمن حالفهم الحظ وتوافقت أوراقهم. كم من بشر وقع في أخاديد النظام السياسي المرسوم آنذاك، ليتوهوا عن المكان ويتخلى عنهم الزمان ويصبحوا بشراً غير معرفين وغير محسوبين على أي أمة أو دولة.

الغربة حارقة، فما البال بغربة على أرض ولدت عليها ولم تعرف غيرها، هذا النوع من الغربة هو واقع الكثير من عديمي الجنسية حول العالم، هؤلاء الذين ولدوا على بقاع جغرافية ترفض ضمهم أو مجرد الاعتراف بهم.

في منطقة الخليج تنتشر حالات انعدام الجنسية لأسباب عدة، لربما أهمها هو عدم الاستقرار الناتج عن الطبيعة التنقلية لأهالي المنطقة الذين كان البعض منهم بدواً رحل منذ ما قبل القرن العشرين والذين لم يستقروا في مكان واحد حتى بعد أن جد القرن في التقدم وبعد أن صنع دولاً وحدوداً رفضت أن تضم هؤلاء المتنقلين بينها.

هناك كذلك أسباب أخرى كثيرة لانعدام الجنسية في الخليج، منها الجغرافي ومنها السياسي ومنها التمييزي ومنها الفكاهي "الحزين" في الواقع: خلافات أسرية طفيفة أو عميقة، نزاعات سخيفة أو أخطاء تافهة، كلها خلقت كذلك حالات انعدام جنسية خطرة لا يزال أصحابها، ولا نزال كمجتمعات كاملة، نعاني من تبعاتها اليوم.

في الكويت يعاني عديمو الجنسية، أو كما جرت تسميتهم "البدون"، من إجراءات شديدة التعسف، أسوأها الضغط المستمر عليهم حرماناً من الحقوق الإنسانية الرئيسية لإرغامهم على إظهار أوراقهم ومستنداتهم الأصلية التي هي على الأغلب غير موجودة أصلاً.

أدت هذه المساومات الخطرة إلى حرمان عدد كبير من البدون من العمل والتعليم وفي بعض الحالات من الرعاية الصحية المطلوبة ومن كل الحقوق المدنية المبنية على الهوية، كما أنها قادت لارتفاع مخيف وخطر في حالات الانتحار بين الشباب (ولربما بشكل غير معلن الشابات) البدون، لانتشار خطر الأمية خصوصاً بين الإناث، ولاستقواء ظاهرة أطفال الشوارع الذين يبيعون بين السيارات في أوضاع خطرة ومخيفة.

تضعضع المجتمع "البدوني" في الكويت إلى حد كبير مثقلاً بالغربة عن أرض ولد أفراده عليها، متأثراً بالنفور والعزل من بقية المجتمع الذي شحنته البروباغندا الحكومية بالخوف والتوجس تجاهه كمجتمع "أجنبي استغلالي غريب"، ملزماً بانتهاجه منهجيات غريبة وغير صحية اجتماعياً أو نفسياً لتوفير احتياجات المعيشة اليومية الأساسية.

لقد حولت الكويت شريحة كاملة من مجتمعها تعيش وتتعلم وتستقبل الخدمات القليلة الضعيفة على أرضها، من شريحة فاعلة وقوية ومنتجة تنتمي في أغلبيتها للطبقة الوسطى إلى شريحة فقيرة معدمة أمية تعاني من الأمراض الجسدية والنفسية مما دفع بالكثير من شبابها للانتحار، أصغرهم، علي، طفل في الحادية عشر من عمره، وجد معلقاً في مروحة غرفته.

ليس الحال بأفضل في بقية دول الخليج، ولكنه مستور أكثر، فالحريات الإعلامية النسبية في الكويت، والديمقراطية المترنحة المتوفرة للمجتمع، جعلت الصوت الكويتي أعلى في شأن عديمي الجنسية، مما حماهم بعض الشيء بكشف أوضاعهم إعلامياً.

المخيف هو التكتم التام تجاه أوضاع عديمي الجنسية في بقية دول الخليج والعالم العربي عموماً، الذين لا نعرف عنهم سوى أقل القليل والذين ليس لديهم هوية أو انتماء أو شكل قانوني يحميهم. يحتاج العالم لأن ينتبه لهؤلاء الغائبين الحاضرين، المخفيين في أخاديد الحداثة السياسية، الذين لم يجدوا لهم مكاناً في نظام مدني عالمي يدعي الإنسانية ويصر على شمولية كل البشر في المنظومة الحقوقية.

حددت الأمم المتحدة سنة 2024 لتكون السنة الهدف لإنهاء انعدام الجنسية، إلى أن تحل هذه السنة وعلى أمل حل هذه المعضلة الإنسانية في السنة الموعودة، كيف سيحيا هؤلاء الاثنى عشر مليون إنسان، بل أحياناً السؤال المرعب الحزين هو كيف سيموتون؟

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا
إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا

ابتهال الخطيب

بدا المشهد سريالياً، لربما عدمياً، وهذا الرجل يقف على تلة من الأنقاض، يحمل في يديه حجراً من القطع الكبير ويطرق به على القطع الأسمنتية المتناثرة حوله. يصرخ الرجل بكلمات غير مفهومة، ثم يَطرق منصتاً لثوان، يلصق أذنه بقاعدة إسمنتية ضخمة أمامه، لربما كانت سقفاً قبل دقائق، متلهفاً لسماع صوت يعيد نداءه. لا يسمع شيئا، يعيد الطرق، يعيد النداء بذات الصوت المستميت، يصغي قليلاً، يتلفت حوله، يعيد الطرق، يعيد النداء.

تخيلت للحظة أن الفيديو قادم من فيلم قديم صامت، تتسارع مشاهده وتتكرر بشكل غريب، إلا أن لهذا المشهد أصوات مسموعة وإن كانت غير مفهومة، أصوات معجونة لألم ويأس ووجع، ولهذا المشهد ألوان وإن كانت غير مرئية، حيث حولت الأنقاض الصورة للأبيض والأسود، وكأنها ترينا "نيجاتف" حياتنا البشرية الهشة الخاوية من المعنى.  

وتتوالى المشاهد بقسوة غير مبررة. في مشهد آخر يمسك رجل بوليد عار، خرج من رحم أمه مباشرة للشارع، في صورة لا معنى لها، لا عِبرة منها ولا مغزى لقسوتها. الخبر يقول أن هذا الطفل وُلد تحت الأنقاض فيم والدته لقيت مصرعها. لربما العبرة أن مع كل موت حياة، أن الحياة أقوى من الكوارث، أن المعجزات ممكنة، لكن لا شيئ من هذه الجمل الكليشيهية له معنى حقيقي، له بُعد عميق. كلها كلمات نرددها، فيم الدنيا، هذا "المشروع الخطر لأن نحيا" كما يصفها الكاتب الكبير جوزيف كونراد، تضربنا بسبب وبلا سبب، وفيم نحن "نجوِّد" للدنيا ونزيد على قسوتها، فنضيف للألم ألما وللعذاب والقسوة والمعاناة جرعات من أفعالنا.  

لربما لا يحسب الزلزال علينا كبشر بشكل مباشر، إلا إذا كان قد وقع نتاج تلاعبنا المعتاد بالطبيعة والذي يستثير غضبها الضاري بين الحين والآخر، إلا أن أوضاع البشر المعرضين لهذا الزلزال تحسب علينا كاملة، وتحسب علينا كلنا كبشر، لا أحد بريء أو معذور. لقد تشرد من الشعب السوري في غضون السنوات القليلة السابقة، منذ أن بدأ نظامه يحرقه في محارقه السياسية المرعبة، عدد أكبر ممن نزح من الفلسطينيين المُحتلين إبان المئة سنة الماضية. لقد مات من الشعب السوري كباراً وصغاراً، جوعاً وبرداً وإرهاقاً ومرضاً وتعرضاً للجرائم، عدد لربما فاق أعداد ضحايا أسوأ النكبات البشرية على مدى تاريخ جنسنا الغريب. كل ما يمكن أن يقع من المآسي وقع، لتصيب شظايا هذه المآسي الأطفال بالتحديد: إطلاق نار مباشر عليهم، تفجير سرائرهم الصغيرة بقنابل من السماء، غرقهم في البحر، تجمد قلوبهم الصغيرة في المخيمات الباردة، التصاق معداتهم الطرية في أيام ممتدة بلا طعام، تهالك أجسادهم الندية بأمراض كان يمكن أن يتفادوها أو يتعالجوا منها، فماذا بعد ننوي أن نفعل في أطفال بني جنسنا؟ أي جنس حي واع ذكي هذا الذي يأكل صغاره؟ 

ثم تظهر الجريدة الفرنسية الرخيصة ذاتها لتسخر من ضحايا الزلزال وتتشفى في المدفونين تحت الأنقاض وتحتفل بالموت الذي لم يعد يحتاج "لإرسال الدبابات". هنا تظهر قيمة حرية الرأي والتعبير، فهذه الحرية هي التي كفلت لهذا الإعلام الرخيص القذر أن يكشف عورته ويُظهر أقبح وأبشع ما لديه، ولولا هذه الحرية، لولا هذه المساحة المتاحة لهذه الصحيفة، لما عرفنا درجة رخصها وانحطاطها.  

وفي حين أن كلمات هذه الصحيفة تُظهر أبشع وجه للبشرية، فإن الفزعة المقابلة للشعوب المختلفة تُظهر أجمله وأنقاه. وعلى الرغم من أن ثلاثة أرباع المعاناة من صنع جنسنا، إلا أن ثلاثة أرباع جنسنا الآن يحاول أن يعوض ويُصلح ما اقترفه أياد البعض منا، وما زاد عليه بعضنا الآخر بالسكوت والتجاهل. في أحد صور أضعف الإيمان، نحن لا نزال نحاول، كجموع بشرية كاملة، تجاوباً مع غريزة البقاء، أو تفاعلاً مع مشاعر تأنيب الضمير، أو إقراراً بذنب المشاركة في المأساة، أن نمد يد العون وأن نقدم شيئا من جهود الإغاثة، في صورة ملحمية طيبة لربما تشير لبعض الأمل في جنسنا الغريب العدمي السائر بحثاثة على طريق الفناء. 

هناك الهلال الأحمر، الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، منظمة اللاجئين، اليونيسيف، منظمة الخوذ البيضاء وغيرها من المؤسسات الكثيرة التي تستقبل المساعدات المادية والعينية لتوصلها إلى المناطق المنكوبة في تركيا وسوريا. لنتبرع جميعاً بأي مقدار، كل دولاراً وجنيهاً وديناراً ودرهماً سيفرقون. لنحاول التأكد من وصول المساعدات لسوريا تحديداً، هذه التي ظروفها السياسية المرعبة، هذه الظروف التي فوق ما قتلت من بشر تمنع اليوم عنهم المساعدات وتسد عليهم الجسور الجوية، جعلتها هي الأكثر حاجة للأيادي الممدودة والقلوب المتواصلة بالدعاء والحب. لنرسل حيث نرسل، فالدنيا فيها من الهم والألم والمعاناة ما يكفي لعطاء تلاحمنا ورحمتنا وتواصلنا بل وحتى للعطاء المُحَفَّز بعنصرياتنا وتمييزنا ويزيد. لنساعد، من منطلق عنصري، من منطلق تلاحمي، من منطلق غريزي، من منطلق عقلاني، من منطلق سياسي، من منطلق ترويجي مصلحي، من منطلق ديني، من منطلق أخلاقي، المهم أن نساعد، المهم أن نسد الفجوة التي خلقها هذا الزلزل ورعونة بني جنسنا وظلمهم وقسوتهم، المهم أن نتلاحم حيث يهاجمنا الفناء، فنقاوم وندفع ونحارب أمام هذا الوحش البشع العنيد. 

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).