Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

ودارت الأيام!

23 سبتمبر 2021

بقلم: سناء العاجي

 

وُلِدتُ في نهاية السبعينيات ونشأت في حي شعبي وسط الدار البيضاء.

خلال ثمانينيات وحتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، أذكر أننا كنا نذهب للشواطئ بملابس البحر دون أن يُطرَح الموضوع للنقاش بتاتا. 

كان السؤال الوحيد الذي نطرحه نحن البنات فيما بيننا هو: "هل لديكِ بيكيني بقطعة واحد أم بقطعتين؟". لم يكن سؤال البوركيني أو السباحة بالملابس مطروحا في أي مرحلة عمرية (اللهم لبعض النساء المسنات). حتى أمهاتنا، ومعظمهن كن تقليديات وغير متعلمات، كن يرتدين لباس البحر بشكل طبيعي لا يطرح أي تساؤل أو استغراب.

في حصص الرياضة المدرسية، أذكر أن أخواتي الأكبر مني سنا، خلال فترات الدراسة الإعدادية، كن يمارسن الرياضة بشورت قصير دون أن يطرح الموضوع أي إشكال.

الحجاب في المغرب كان شيئا نادرا جدا، وكان المغاربة يطلقون كلمة "إخوانية" على الفتيات المحجبات دون وعي مباشر بالربط الذي تصنعه الكلمة بين الحجاب وجماعة الإخوان المسلمين.

إلى غاية البكالوريا سنة 1996، لا أذكر أنني، خلال كل مساري التعليمي في مدارس عمومية وسط أحياء شعبية، درست عند أستاذة تلبس الحجاب.

أذكر أيضا أنه، خلال دراستي الإعدادية والثانوية وحتى الجامعية، كان أكل البنات خلال رمضان أمرا طبيعيا في الفصل الدراسي أو ساحة المؤسسة التعليمية، وداخل العديد من الأسر. اليوم، حتى مع وجود عذر شرعي، أصبحت معظم النساء يستحين من الأكل خلال رمضان!

ثم.. لا نعرف ما الذي حدث لكي يغزو الحجاب شوارعنا وكلياتنا ومدارسنا، ولكي يُطرَح موضوع الحجاب والبيكيني كموضوع "نقاش مجتمعي" ولكي نكتشف فتيات شابات ونساء ناضجات يسبحن في البحر بالبيجاما!!

أصبحت الفتيات اللواتي ينتمين لمستويات اجتماعية معينة، مضطرات لدفع مبالغ كبيرة فيما يسمى بالشواطئ الخاصة حتى يستطعن الاستمتاع بحمام شمس دون مشاكل. أما فتيات الطبقات الشعبية، فعليهن أن يهجرن البحر أو أن يسبحن بملابسهن.. لتفادي العنف اللفظي والجسدي أحيانا.

أفقنا فجأة على مغرب مختلف عن مغرب طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا، ووجدنا أنفسنا نشارك في نقاشات لم تكن مطروحة، ليس لأنها وليدة تقدم علمي أو صناعي أو قيمي فَاجَأنا، بل بالعكس، لأنها نتيجة تقهقر مخيف.

هل مثلا عاش آباؤنا وأمهاتنا في زمن وجغرافيا تجهل الإسلام، لنكتشف الدين الجديد في العشرين سنة الأخيرة؟ هل أمهاتنا اللواتي كن يتناولن وجباتهن بشكل طبيعي خلال فترة الدورة الشهرية في رمضان، كنا كافرات أو ربما مدافعات شرسات عن الحريات الفردية؟ أم أنهن كن يتصرفن بالفطرة التي تجعلن يستفدن من رخصة شرعية للإفطار يفهمها الزوج والأبناء بشكل عادي؟ هل آباؤنا وأمهاتنا الذين كانوا يرافقوننا للشاطئ كانوا بلا أخلاق؟

هذا التقهقر القيمي لا يجب أن يجعلنا نغفل عن تحول جديد في المجتمع. إن المراقب الموضوعي سينتبه أن التغيير بدأ يعود للواجهة منذ حوالي سنتين، لكن في الاتجاه المعاكس. عادت شوارع المدن الكبرى تعرف حرية نسبية في اللباس وعادت ملابس البحر تدريجيا لشواطئنا.

هذا الصيف تحديدا، في معظم الشواطئ، كانت أغلبية النساء ترتدين ملابس البحر بشكل طبيعي ومرتاح. في الفضاءات العامة، رغم وجود التحرش والعنف، إلا أن تغيرا واضحا في الشكل يمكن أن ينتبه له الملاحظ الموضوعي. ولعل هذا ما يفسر بعض الخرجات المسعورة للمحافظين، كمثال ملصقات طنجة التي خصصنا لها مقالا على هذا المنبر.

السلفيون والمحافظون والمتأسلمون ينتبهون للتغير الحاصل ولعودة تدريجية لنوع من الحرية في الملبس، فيسعون لاستعادة بعض الوصاية بأسلوب عنيف؛ وما عنفهم في النهاية إلا ترجمة لخوفهم من "انفلات الأمور من زمام تحكمهم"، وإلا، لو كان أسلوبهم في الحياة هو السائد في المجتمع، فلن يحتاجوا للدعوة له!

لهذا، فالأمل مشروع فعليا. من يدري.. قد ترتدي بناتنا ملابس كالتي كانت ترتديها جداتهن.. ملابس لا تخنق حريتهن!

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا
إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا

ابتهال الخطيب

بدا المشهد سريالياً، لربما عدمياً، وهذا الرجل يقف على تلة من الأنقاض، يحمل في يديه حجراً من القطع الكبير ويطرق به على القطع الأسمنتية المتناثرة حوله. يصرخ الرجل بكلمات غير مفهومة، ثم يَطرق منصتاً لثوان، يلصق أذنه بقاعدة إسمنتية ضخمة أمامه، لربما كانت سقفاً قبل دقائق، متلهفاً لسماع صوت يعيد نداءه. لا يسمع شيئا، يعيد الطرق، يعيد النداء بذات الصوت المستميت، يصغي قليلاً، يتلفت حوله، يعيد الطرق، يعيد النداء.

تخيلت للحظة أن الفيديو قادم من فيلم قديم صامت، تتسارع مشاهده وتتكرر بشكل غريب، إلا أن لهذا المشهد أصوات مسموعة وإن كانت غير مفهومة، أصوات معجونة لألم ويأس ووجع، ولهذا المشهد ألوان وإن كانت غير مرئية، حيث حولت الأنقاض الصورة للأبيض والأسود، وكأنها ترينا "نيجاتف" حياتنا البشرية الهشة الخاوية من المعنى.  

وتتوالى المشاهد بقسوة غير مبررة. في مشهد آخر يمسك رجل بوليد عار، خرج من رحم أمه مباشرة للشارع، في صورة لا معنى لها، لا عِبرة منها ولا مغزى لقسوتها. الخبر يقول أن هذا الطفل وُلد تحت الأنقاض فيم والدته لقيت مصرعها. لربما العبرة أن مع كل موت حياة، أن الحياة أقوى من الكوارث، أن المعجزات ممكنة، لكن لا شيئ من هذه الجمل الكليشيهية له معنى حقيقي، له بُعد عميق. كلها كلمات نرددها، فيم الدنيا، هذا "المشروع الخطر لأن نحيا" كما يصفها الكاتب الكبير جوزيف كونراد، تضربنا بسبب وبلا سبب، وفيم نحن "نجوِّد" للدنيا ونزيد على قسوتها، فنضيف للألم ألما وللعذاب والقسوة والمعاناة جرعات من أفعالنا.  

لربما لا يحسب الزلزال علينا كبشر بشكل مباشر، إلا إذا كان قد وقع نتاج تلاعبنا المعتاد بالطبيعة والذي يستثير غضبها الضاري بين الحين والآخر، إلا أن أوضاع البشر المعرضين لهذا الزلزال تحسب علينا كاملة، وتحسب علينا كلنا كبشر، لا أحد بريء أو معذور. لقد تشرد من الشعب السوري في غضون السنوات القليلة السابقة، منذ أن بدأ نظامه يحرقه في محارقه السياسية المرعبة، عدد أكبر ممن نزح من الفلسطينيين المُحتلين إبان المئة سنة الماضية. لقد مات من الشعب السوري كباراً وصغاراً، جوعاً وبرداً وإرهاقاً ومرضاً وتعرضاً للجرائم، عدد لربما فاق أعداد ضحايا أسوأ النكبات البشرية على مدى تاريخ جنسنا الغريب. كل ما يمكن أن يقع من المآسي وقع، لتصيب شظايا هذه المآسي الأطفال بالتحديد: إطلاق نار مباشر عليهم، تفجير سرائرهم الصغيرة بقنابل من السماء، غرقهم في البحر، تجمد قلوبهم الصغيرة في المخيمات الباردة، التصاق معداتهم الطرية في أيام ممتدة بلا طعام، تهالك أجسادهم الندية بأمراض كان يمكن أن يتفادوها أو يتعالجوا منها، فماذا بعد ننوي أن نفعل في أطفال بني جنسنا؟ أي جنس حي واع ذكي هذا الذي يأكل صغاره؟ 

ثم تظهر الجريدة الفرنسية الرخيصة ذاتها لتسخر من ضحايا الزلزال وتتشفى في المدفونين تحت الأنقاض وتحتفل بالموت الذي لم يعد يحتاج "لإرسال الدبابات". هنا تظهر قيمة حرية الرأي والتعبير، فهذه الحرية هي التي كفلت لهذا الإعلام الرخيص القذر أن يكشف عورته ويُظهر أقبح وأبشع ما لديه، ولولا هذه الحرية، لولا هذه المساحة المتاحة لهذه الصحيفة، لما عرفنا درجة رخصها وانحطاطها.  

وفي حين أن كلمات هذه الصحيفة تُظهر أبشع وجه للبشرية، فإن الفزعة المقابلة للشعوب المختلفة تُظهر أجمله وأنقاه. وعلى الرغم من أن ثلاثة أرباع المعاناة من صنع جنسنا، إلا أن ثلاثة أرباع جنسنا الآن يحاول أن يعوض ويُصلح ما اقترفه أياد البعض منا، وما زاد عليه بعضنا الآخر بالسكوت والتجاهل. في أحد صور أضعف الإيمان، نحن لا نزال نحاول، كجموع بشرية كاملة، تجاوباً مع غريزة البقاء، أو تفاعلاً مع مشاعر تأنيب الضمير، أو إقراراً بذنب المشاركة في المأساة، أن نمد يد العون وأن نقدم شيئا من جهود الإغاثة، في صورة ملحمية طيبة لربما تشير لبعض الأمل في جنسنا الغريب العدمي السائر بحثاثة على طريق الفناء. 

هناك الهلال الأحمر، الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، منظمة اللاجئين، اليونيسيف، منظمة الخوذ البيضاء وغيرها من المؤسسات الكثيرة التي تستقبل المساعدات المادية والعينية لتوصلها إلى المناطق المنكوبة في تركيا وسوريا. لنتبرع جميعاً بأي مقدار، كل دولاراً وجنيهاً وديناراً ودرهماً سيفرقون. لنحاول التأكد من وصول المساعدات لسوريا تحديداً، هذه التي ظروفها السياسية المرعبة، هذه الظروف التي فوق ما قتلت من بشر تمنع اليوم عنهم المساعدات وتسد عليهم الجسور الجوية، جعلتها هي الأكثر حاجة للأيادي الممدودة والقلوب المتواصلة بالدعاء والحب. لنرسل حيث نرسل، فالدنيا فيها من الهم والألم والمعاناة ما يكفي لعطاء تلاحمنا ورحمتنا وتواصلنا بل وحتى للعطاء المُحَفَّز بعنصرياتنا وتمييزنا ويزيد. لنساعد، من منطلق عنصري، من منطلق تلاحمي، من منطلق غريزي، من منطلق عقلاني، من منطلق سياسي، من منطلق ترويجي مصلحي، من منطلق ديني، من منطلق أخلاقي، المهم أن نساعد، المهم أن نسد الفجوة التي خلقها هذا الزلزل ورعونة بني جنسنا وظلمهم وقسوتهم، المهم أن نتلاحم حيث يهاجمنا الفناء، فنقاوم وندفع ونحارب أمام هذا الوحش البشع العنيد. 

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).