Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

ماذا تعني الانتخابات المغربية؟

28 سبتمبر 2021

بقلم: إيلان بيرمان

 

حين توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد في وقت سابق من هذا الشهر، جاءت النتيجة نبذًا كبيرًا للإسلام السياسي، وتأكيدًا مدويًا على المسار الجيوسياسي الحالي الذي يسير عليه البلد الواقع في شمال أفريقيا، أما النتائج المترتبة على ذلك، بالنسبة للمملكة نفسها ولدورها في الشرق الأوسط الكبير، بعيدة المدى.

كان الفائز الأكبر في اقتراع الثامن من سبتمبر هو حزب التجمع الوطني للأحرار (RNI)، الذي حصل على 102 مقعدا من أصل 395 مقعدا بالمجلس التشريعي، ثم حل حزب الأصالة والمعاصرة (وسط) ثانيا بـ86 مقعدا، بينما جاء حزب الاستقلال في المركز الثالث بـ81 مقعدا.

لكن النتيجة الملفتة للانتباه كانت الهزيمة شبه الكاملة لحزب العدالة والتنمية، الفصيل السياسي الإسلامي الذي هيمن على السياسة المغربية طوال العقد الماضي، وذلك بعدما حصل على 13 مقعدًا فقط، في خسارة صاعقة بلغت 112 مقعدا بالمقارنة بآخر استحقاق انتخابي جرى في البلاد قبل 5 سنوات.

وتمثل هذه النتيجة "تصويتا بحجب الثقة" عن أجندة الحزب ورؤيته من قبل الشعب المغربي.

وقبل عقد، ارتقى حزب العدالة والتنمية إلى السلطة ضمن التيارات السياسية التي أفرزها "الربيع العربي"، حين حصل على 107 مقاعد في انتخابات نوفمبر البرلمانية 2011، ليصبح الحزب الحاكم في البلاد.

لكن العقد التالي شهد تعاملا "باهتا" للحزب مع الملفات الاقتصادية، وتمسكه بميراث تقليدي يتعارض مع ديناميكية المجتمع المغربي المتحرر، وازدادت الأحوال سوءًا العام الماضي إثر جائحة كورونا التي وضعت "العدالة والتنمية" في موقف ضعيف، وكشفت  بشكل أكبر إخفاقاته الاجتماعية والاقتصادية.

في الوقت ذاته، مثلت نتائج الانتخابات تصويتًا إزاء أولويات السياسة الخارجية كما يراها العاهل المغربي. فخلال السنوات الأخيرة، تبنى الملك محمد السادس أجندة دولية طموحة، ومثيرة للجدل، تستهدف توسيع آفاق السياسة الخارجية، والتحلي بدور قيادي في العالم الإسلامي.

وشملت هذه السياسة، من بين أمور أخرى، محاولات منسقة لتعزيز مكانة المملكة في القارة الأفريقية، وتطوير القدرات التجارية التنافسية مع أوروبا، والتقارب العلني مع إسرائيل.

وتنطوي جميع التوجهات السابقة على أخطار عالية، وقد لامس بعضها على الأقل، إلى درجة الاحتكاك، ثوابت مؤسسة السياسة المغربية، وعلى سبيل المثال، انتقدت قوى محلية (بينها العديد من عناصر حزب العدالة والتنمية) التطبيع مع إسرائيل، ووصفوه، حين تم الإعلان عنه أواخر العام الماضي، بالأمر المؤسف.

لكن يبدو أن الناخبين المغاربة لا يشاركون هؤلاء توجهاتهم، إذ تعكس نتائج الانتخابات اتفاقًا واسعًا مع رؤية السياسة الخارجية للنظام الملكي، فضلاً عن الثقة بقدرته على الإبحار بالمياه الإقليمية الحالية التي تشهد نزاعات متزايدة.

وأخيرًا، بدت الانتخابات دليلاً على التوجه المحدد لكيفية تعامل المملكة مع أهم قضية محلية وهي الصحراء الغربية. ويدير المغرب المستعمرة الإسبانية السابقة منذ منتصف السبعينيات، حيث أنفق استثمارات ضخمة على البنية التحتية للمنطقة، والاتصالات، والتنمية.

كما تبنت الرباط أيضًا حكمًا ذاتيًا سياسيًا واسعًا للصحراء، وهي صيغة تم التأكيد عليها علنًا العام الماضي، حين اعترف البيت الأبيض في عهد ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية كجزء من الاتفاق الإبراهيمي.

وفي المقابل، واجهت سياسة المغرب بالنسبة لـ"أراضيه الجنوبية" انتقادات من قبل منافسين إقليميين مثل الجزائر، وحركة البوليساريو اليسارية، بالإضافة إلى دبلوماسيين أوروبيين، اعتبروا أن وضع الصحراء يجب أن يتقرر عبر عملية تفاوضية دولية.

ولكن، وعلى الأرض، يسود واقع مختلف تمامًا. فبالنسبة لسكان الصحراء الغربية، لا تعد السيادة المغربية عبئًا، بل مشروعا سياسيا حيويا وتعدديا شاملا.. مشروع هم على أتم الاستعداد لدعمه.

وبناءً على ذلك، أظهرت النتائج الانتخابية النهائية درجة عالية من المشاركة الانتخابية بجميع المناطق الثلاث التي تتألف منها الصحراء الغربية. ففي العيون وكلميم شارك 66.94% و66.67%من الناخبين المؤهلين، و58.30% في الداخلة.

وبعبارة أخرى.. وبصرف النظر عن الجدل المحتدم بشأن الصحراء داخل بعض الأوساط، سويت المسألة  إلى حد كبير، بين السكان المحليين، لصالح الرباط.

كل ذلك ينبغي النظر إليه باعتباره تأكيدا على المسار الجيوسياسي الحالي الذي تتبعه المملكة، وقبل عقد، كان المغرب لا يزال يعتبر نفسه إلى حد كبير "استثناء" في المنطقة، أمة منفصلة عن اضطرابات عصفت بالعديد من جيرانها ولم تتأثر بها.

والآن، يتحدث المسؤولون في الرباط أكثر فأكثر باعتبار أن بلادهم "نموذجً" سياسيً يمكن أن يساعد على تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة، والمؤكد أن نتائج الانتخابات الأخيرة ستمنحهم مزيدًا من الثقة على إمكانية تحقيق ذلك.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

سناء العاجي الحنفي

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).