Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

A Moroccan man casts his ballot on September 8, 2021 in Rabat as Moroccans vote in parliamentary and local elections. (Photo by…
التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي

عبد الرحيم التوراني - في خضم الانتخابات التي جرت في 8 سبتمبر 2021، عرفت أسعار العديد من المواد الأساسية في المغرب ارتفاعا ملحوظا، مس القدرة الشرائية للمواطنين. ويعتقد البعض أنه جرى استغلال الانتخابات كغطاء لتمرير تلك الزيادات التي ترهق كاهل الأسر المغربية، وتفاقِم أوضاعها المادية المتأثرة سلباً بتداعيات الجائحة.

كما أن أول قمع لحرية التظاهر السلمي في ظل الأغلبية الجديدة، جرى السبت الماضي (25 سبتمبر 2021) لما استعملت الشرطة القوة لمنع وقفة احتجاج سلمية أمام مبنى البرلمان، دعت إليها الجمعية المغربية لحماية المال العام، تنديدا بعودة المفسدين إلى المجالس المنتخبة، وللتعبير عن رفض منحة مالية لوزراء الحكومة المغادرة. مما يطرح أسئلة وعلامات استفهام حول ملامح المرحلة السياسية المقبلة في المغرب. 

التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي. ولا يعني هذا عدم عناية المغاربة بالقضايا المتصلة براهنهم ومستقبلهم، بقدر ما هو انعكاس لمدى حجم العزوف السياسي المترسخ منذ عقود لدى أغلب الفئات والطبقات الاجتماعية، خصوصا منها فئات الشباب.

 يقول شاب من مدينة طنجة (شمال) في العقد الثالث من عمره: "لست معنيا بَتاتًا بمثل هذه الأسئلة. لا أمل لدي في أن تتغير أحوالنا نحو الأحسن بمجرد انتقال التسيير من حكومة كان يقودها حزب يوصف بكونه "حزبا إسلاميا" إلى حكومة تقودها جماعة يقال عنها إنها من "ليبرالية". لسنا مشغولين بالبحث عن الفرق لأنه غير موجود أصلا". 

ويواصل الشاب، وهو جامعي مجاز عاطل، قائلا بمرارة: "لا جديد يذكر.. الناس منشغلة بهمومها اليومية بعيدا عن صراعات أهل السياسة والأحزاب، تكافح بصعوبة من أجل تأمين لقمة العيش."

القصر والمعارضة
مع صعود الأغلبية الجديدة، لا بأس بلمحة سريعة حول أحزابها الثلاثة.
حزب التجمع الوطني للأحرار، وأمر بتأسيسه الملك الحسن الثاني بعد انتخابات 1977، وعين على رأسه صهره الوزير الأول حينها أحمد عصمان. كانت الغاية من إنشاء هذا الحزب مواجهة المعارضة اليسارية التاريخية، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. أما رئيس الحكومة المعين الحالي، رجل الأعمال عزيز أخنوش، فجيء به في سنة 2016 من خارج شخصيات حزب عصمان، بعد أن سبق له الترشح في انتخابات سابقة مع حزب الحركة الشعبية. وتحول إلى تقنوقراطي من دون انتماء حزبي لضرورة استمراره وزيرا في الحكومة. ومنذ عقد ونصف وهو وزير للفلاحة والصيد البحري والعالم القروي والمياه والغابات.

وحزب التجمع الوطني للأحرار عضو في الأغلبية السابقة التي قادها حزب العدالة والتنمية "البيجيدي". إضافة إلى مشاركة أخنوش في حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، مثل "الأحرار" في الحكومة السابقة كل من محمد بنشعبون: وزيرا للاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، ومولاي حفيظ العلمي: وزيرا للصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الأخضر والرقمي، ونادية فتاح العلوي: وزيرة للسياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي. 

 في سنة 1980، اعترض نواب الاتحاد الاشتراكي (15 نائبا) على تمديد فترة البرلمان وقدموا استقالاتهم احتجاجا، فقرر الحسن الثاني تعيين رئيس التجمع الوطني للأحرار أحمد عصمان في مهمة المعارضة، مؤكدا أن المعارضة شأن ضروري للحكومات، و"إذا لم توجد المعارضة علينا إنشاؤها". لكن ما لبث أن تراجع الاتحاديون تحت التهديد وخضوعهم لابتزاز وزير الداخلية إدريس البصري. ليعود "عصمان المعارض" إلى موقع حزبه الذي أريد له أن يكون ممثلا لمصالح الباطرونا والأعيان وكبار الموظفين. 

صانعو الخرائط
منذ بداية سنوات الاستقلال شرع النظام في تفريخ أحزاب وصفت دائما بـ الأحزاب "الإدارية"، وبـ "المخزنية". وتم تسييرها بالريموت كونترول من طرف مستشار الحسن الثاني أحمد رضا غديرة والجنرال محمد أوفقير، وبعدهما وزير الداخلية إدريس البصري، هذا الأخير أبدع على مدى أكثر من عقدين في صنع خرائط سياسية لا تعبر عن حقيقة المشهد السياسي في المغرب. واستمر الأمر في العهد الجديد بخلق حزب الأصالة والمعاصرة "البام" بنفس "الوصفة الكيميائية" إياها التي اخترعها غديرة وأوفقير وطورها البصري. 

في 2009 أشرف الوزير المنتدب سابقا في الداخلية، فؤاد عالي الهمة، المستشار الحالي للملك، على تأسيس حزب "البام"، وتم استقطاب عناصر يسارية ومعتقلين سياسيين سابقين لتلوين الحزب بمزيج من أضواء الحداثة واليسارية والليبرالية. وأوكلت إليه مهمة أداء دور المعارضة في مواجهة حزب "البيجيدي". لكن اللعب ظل مكشوفا أمام الأنظار، إذ لم يدخل "البام" المعترك بأسلوب وخطة مغايرة، خصوصا بعد هيمنة شخصيات الإقطاع والأعيان ومن الوصوليين على الحزب. 

أما حزب الاستقلال فقد تأسس في فترة الكفاح ضد الاستعمار. وبعد بضعة سنوات على الاستقلال عرف الحزب الانشقاق بقيادة الزعيم المهدي بنبركة، ودخل الحزب تدريجيا تحت عباءة النظام  كممثل لمصالح الطبقة الأرستراقطية. وبعد حوالي أربعة عقود تبعه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. حيث ظل النظام يلاحق كل معارضة حقيقية جذرية. إذ المعارضة - حسب الحسن الثاني - يجب أن تكون لسياسة الحكومة وليس لنظام الحكم. 

في سياق المصالحة بين النظام والمعارضة التاريخية، استدعي الحسن الثاني قبل وفاته بخمسة عشر شهرا، المعارض عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لتشكيل حكومة "التناوب التوافقي"، وألزمه بالقسم على المصحف. وإن لم يكشف رسميا عن مضمون القسم السري، فقد تردد أنه يتعلق بتأمين الانتقال السلس للحكم من الملك لولي عهده. لكن عند أول انتخابات شهدها العهد الجديد في 2002، ألقي باليوسفي خارج الحكومة، وجيء بالتقنوقراطي إدريس جطو، ما عرف بــ"الخروج عن المنهجية الديمقراطية"، رغم تبوؤ حزب الاتحاد الاشتراكي للرتبة الأولى انتخابيا، التي تضمن دستوريا لليوسفي الاستمرار في رئاسة الحكومة. 

حلاوة المنهجية الديمقراطية 
بعد ظهور "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، تم الاستنجاد بحزب إسلامي، ساهمت أجهزة المخابرات في صنعه عبر رجل القصر الدكتور عبد الكريم الخطيب. قيل يومها إن "البيجيدي" قام بدور كتيبة الإطفاء. ولم يكن من الممكن التخلص من حزب "البيجيدي" سريعا، لكن "الفيتو الملكي" أشهر بقوة ضد استمرار أمينه العام عبد الإله بنكيران على رأس الحكومة بعد انتخابات 2016. وتزعم عزيز أخنوش "البلوكاج" الذي أطاح ببنكيران. وبعد ولايتين سيذوق "البيجيدي" من نفس الكأس التي تجرعها اليوسفي. لكن هذه المرة تم تذويب قطعتين من سكر "المنهجية الديمقراطية" في الكأس التي قدمت إليه بلغة صناديق الاقتراع، في انتخابات يشكك العديد من المراقبين في نزاهتها. هكذا طرد "إسلاميو القصر" شر طردة.

إن من الخطأ الاعتقاد بأن "البيجيدي" عاقبه الناخبون لأنه كان ينفذ خلال قيادته للحكومة برنامجا إسلاميا، والحقيقة التي اتضحت أمام الجميع أنه كغيره من الأحزاب الأخرى، وقد رمت به رياح "ثورات الربيع العربي" ليتصدر المشهد عام 2011، وليقود الإئتلاف الحكومي لعقد كامل.

لقد كان حزب "البيجيدي" خاضعا وممتثلا لتوصيات "حكومة الظل". ووقع العثماني وثيقة التطبيع مع إسرائيل. وأجهز سلفه بنكيران على قانون التقاعد، ومس صندوق المقاصة، ولم يتردد بالتصريح  أمام البرلمان أنه آن رفع الدولة يدها لتتراجع عن مجانية الصحة والتعليم. وغيرها من الإجراءات الموصى بها من صندوق النقد الدولي. جرأة غير مسبوقة  لم تقدر أية حكومة سابقه على اقترافها.

بورصة الرشاوى
كل هذه الوقائع والمعطيات زادت وستزيد من نسبة أعداد المقاطعين للانتخابات، وتهز الثقة أكثر في مصداقيتها.

في الانتخابات الأخيرة حظيت عملية تشكيل مكاتب المجالس المحلية ببعض الاهتمام الشعبي، حيث تابع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الانتقال من الرشاوى الصغيرة للناخبين إلى رشاوى أضخم تتجاوز 100 ألف دولار لمن يمكن تسميتهم بـ "الناخبين الكبار".

في هذا الشأن حدثت فضائح بالجملة، لعل أخطرها الموت الغامض للنائب عبد الوهاب بلفقيه في مدينة كلميم (جنوب)، وعزته التحقيقات الأولية إلى "انتحار الهالك ببندقية صيد". وكالعادة حصلت عمليات "احتجاز" للمنتخَبين لضمان تصويتهم على المكاتب المسيرة للبلديات والأقاليم. وقد انتشر فيديو على اليوتيوب، ظهرت فيه شابة منتخَبة بمجلس الرباط، تحدثث فيه خائفة وهي تبكي عن مساومات تعرضت لها، وتكلمت عن تهديدها بالقتل إن لم تذعن للارتشاء الذي عرض عليها من طرف حسن لشكر، وهو نجل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.

وانتشرت تقارير إعلامية وفيديوهات وتسجيلات صوتية تخص فساد العملية الانتخابية بأكثر من جهة، إلا أن السلطات الأمنية والقضائية كما يبدو لحد اليوم أغلقت الآذان ولم تحرك ساكنا عن مجمل الخروقات القانونية التي شابت الحملة الانتخابية. 

كما أن أغلب الفضائح الانتخابية طالت حزب التجمع الوطني للأحرار المتصدر الأول للانتخابات، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي حل ثانيا. ولم تخل ساحة أحزاب أخرى من الاتهام. وقد أدانت فيدرالية اليسار الديمقراطي عمليات "تواطؤ السلطات في العديد من الدوائر الانتخابية واستمرار نفس الممارسات الفاسدة في تكوين مكاتب الجماعات والمقاطعات، وصلت حد ممارسات مافيوزية خلال تدبير هذه المحطة".

وعود أخنوش
لا يعول أن تؤثر نتائج الطعون الانتخابية المعروضة أمام القضاء في صورة المشهد. كما لا يتابع المواطنون حساب إنفاق التمويل الانتخابي، علما أن أخنوش صرف ميزانية بالملايير في حملته الانتخابية التي انطلقت أشهرا قبل الوقت القانوني.

وإن كان الناخبون لا يترقبون من الصاعدين الجدد الوفاء بوعودهم التي  تكاد تتطابق، حيث تنافست الأحزاب في التباري على تقديمها لاستقطاب الناخبين، إلا أن عزيز أخنوش تميز عن الجميع بوعود عينية محددة بأرقام، منها ما يتصل بتوفير الضمان الاجتماعي لكل العاملين من خلال تعميم التغطية الصحية، مع استفادة كبار العمر من سن 65 وما فوق، من مبلغ شهري في حدود ألف درهم (حوالي 113 دولار). وإحداث 4 مراكز استشفائية جامعية جديدة. وخلق مليون منصب شغل مباشر من أجل إنعاش الاقتصاد المتأثر بجائحة كورونا. ثم الرفع من أجور المدرسين إلى 7500 درهم (850 دولار) كراتب شهري. ومنح للتلاميذ من العائلات المعوزة.

ربما سيتلكأ أخنوش، وقد يطلب بعض الوقت للوفاء بوعوده، في انتظار تنزيل "البرنامج التنموي الجديد" الذي اقترحه الملك. لكن ماذا يمكن أن يستشف مما قاله حليفه عبد اللطيف وهبي (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، الذي سارع بعد تشكيل الأغلبية الجديدة، إلى التصريح لقناة ألمانية بأن الحكومة لا تمنح "الصدقات" للمواطنين، بل "سنحفزهم على العمل، ونخلق مناصب شغل، ونخلق مجالات للاستثمار...".

ما سيكرس فقدان الثقة الشعبية، ويعمق أكثر فكرة ذم السياسة وأهلها، وبأن الانتخابات في المغرب لا تعبر عن الإرادة الشعبية. وما يؤشر إلى استمرار تأزم الأوضاع. 

لقد ظل عبد الرحمان اليوسفي في رئاسته لحكومة التناوب (1998- 2002) يشكو مما وصفه بـ "جيوب مقاومة التغيير". وبعده شكا رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران (2011- 2016) ممن أطلق عليهم "العفاريت والتماسيح". وجاء سعد الدين العثماني فبلع لسانه ولم يتذكر التماسيح إلا ساعة اندحار حزبه إلى الهاوية.

فممن سيشكو غدا رئيس الحكومة الجديد عزيز أخنوش، وهناك من يتهم محسوبين على القصر كونهم "جيوب المقاومة والتغيير"، وأن حزب "البام" هو المعني بوصف "التماسيح والعفاريت". ممن سيشكو وقد آلت الحكومة اليوم إلى أحزاب القصر، وضمنها حزب الأصالة والمعاصرة.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت
رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت

حسين عبد الحسين

على مدى الأشهر الماضية، اشتكى رجل الدين العراقي مقتدى الصدر من سلسلة من المواضيع وطلب حظرها جميعها، كان أولها اعتراضه المتكرر على المثلية الجنسية وإصراره على معاقبتها في العراق والعالم، وثانيها معارضته لأي حوار عراقي مع أي إسرائيلي أو عضو في الماسونية، وثالثها امتعاضه لقيام سويدي بإحراق نسخة من المصحف في ستوكهولم، وآخرها مطالبته السعودية بالإيعاز لشبكة "أم بي سي" بعدم بث مسلسل رمضاني من المقرر أن يتناول حياة الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان.

مقتدى مولود في بغداد وتفتحت عيناه على عراق لجدرانه آذان، يخشى الأخ وشاية أخيه. عراق يسوده العنف والغضب وتكرار العراقيين لكلمتي "أبسطه"، أي أضربه، و"أضربه طلقة" أي أطلق عليه النار.

عراق عشائري قروسطوي، لا حقوق فيه للمرأة ولا للطفل ولا مساواة، بل هرمية قاسية يردد فيه من هم في القاع عبارة "نعم سيدي" عشرات المرات في اليوم، ويهللون للحاكم، صدام كان أو خامنئي أو مقتدى.

في الأسابيع التي تلت انهيار النظام، مررت على مدرسة لانتظر أولاد أقربائي. لفتتني عدد الرسومات التي كانت تتناول صدام، واحدة فيها صدام رياضي، وأخرى صدام المحارب، وثالثة صدام يقرأ. استللت كامرتي ورحت أصور، إذ، في لحظات، خرجت علي سيدة في منتصف العمر وعرّفت عن نفسها أنها المديرة.

قالت لي بثقة: ممنوع التصوير. كان النظام انهار قبل أيام والناس تنهب الوزارات والمحال التجارية. أجبتها: بأمر ممن؟ فكّرت المديرة وشعرت أني محقّ. التصوير كان ممنوعا في زمن صدام، ولكن في غيابه، لأي شخص الحرية بالتصوير أينما كان. تراجعت المديرة وأومأت لي بالمضي بالتصوير براحتي.

يوم اقتلع الأميركيون صدام، منحوا العراقيين الحرية، فكانوا كمن أطلق سماك من شباك الصياد وأعادوهم للبحر. لكن أجيال العراقيين نسيت السباحة، فغرقت في الحرية، ولم تعرف كي تستمع بها، أو كيف تحترم حق الآخرين بالاستمتاع بها.

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت، هذه المرة ارتدت زي أناس يتحدثون باسم رب العالمين بدال من الحديث باسم الأمة العربية المجيدة، على غرار ما كان يفعل صدام.

بعد 20 عاما على اقتلاع أميركا لصدام، ما تزال ثقافة العراقيين عنفية قاسية لا مكان للحرية فيها. الأقوى يحكمون حسب القانون العشائري وبعض تقاليد الإسلام، وعلى كل الناس أن تعبد الإله نفسه، وتصلي بالطريقة نفسها، وتلتزم العادات والتقاليد نفسها. من يخرج عن هذه التقاليد لأن دينه يخالفها، مثل االمسيحيين أو الصابئة، يتم التعامل معهم على أنهم أقلية غير مرئية، لا حقوق لهم إلا بعض الحقوق الرمزية على شكل مقعد أو أكثر في مجلس النواب، وربما وزير وزارة لا قيمة لها، مثل حقوق الإنسان، أو وكالة وزارة بالأكثر.

مقتدى الصدر من أكثر ضحايا صدام في العراق. فقد أبيه وإخوته على أيدي النظام السابق. رحل صدام، لكن مقتدى بقي يعيش في العقلية نفسها: منع وحظر وبطش وتحذير وصراخ.

الظريف هنا هو أن معارضة مقتدى لمسلسل معاوية تشبه معارضة مسلمي العالم لرسوم الكاريكاتير عن النبي محمد واعتراضهم، مثل مقتدى، ضد السويدي الذي أحرق القرآن. منطق معارضة غالبية المسلمين لأي ما يعتقدونه مسيئا لرسولهم أو كتابهم هو نفس منطق معارضة مقتدى لمسلسل معاوية، وهو منطق لا يفهم معنى الحرية، ويعتقد أن ما هو مقدس لديه يجب أن يحوز على احترام الآخرين وأن إهانة مقدسه هو إهانة له، ما يعني أن هذه الإهانة محظورة لأن الحرية تشترط الاحترام، وهذا طبعا هذيان.

لا احترام في الحرية. الحرية مطلقة لا قيود لها، باستثناء التحريض على القتل. الناس تختلف في المعتقدات والمقدسات، ومعتقدات البعض هي إهانة تلقائية لمعتقدات الآخرين. مثلا، رأي المسلمين أن المسيح لم يكن ابن الله ولم يتعرض للصلب، ولم يقم من الموت، هو رأي يطعن في قلب العقيدة المسيحية، وهو اعتقاد يساوي قول المسيحيين أن محمدا لم يكن رسولا ولا نزل عليه وحي.

هذا التضارب في المعتقدات والمقدسات هو الذي دفع من صمموا الدول ومبدأ الحرية الى اعتبار أن كل واحد مسؤول عن اعتقاده هو وحده، وأن لا وصاية له أو للجماعة أو للمجتمع أو للدولة على معتقدات أو آراء أو أفعال الآخرين، حتى لو كانت أفعالهم مسيئة له. 

مقتدى الصدر والشيعة عموما يلعنون معاوية بن أبي سفيان لاعتقادهم أنه لم يقبل بخلافة علي، بل نازعه عليها وحاربه ما أدى لمقتله. بعد ذلك، انتزع معاوية زعامة المسلمين من الحسن ابن علي، مع أن الحسن هو الذي بايع معاوية. ثم عند موت معاوية، لم يعترف الحسين ابن علي بخلافة يزيد ابن معاوية، ما أدى إلى معركة كربلاء التي قتل فيها جيش يزيد الحسين وصحبه. 

الشيعة يكرهون معاوية وكل الأمويين ويلعنونهم، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب تمسك شيعة إيران اليوم بمسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان. أما السنة، فيعتبرون معاوية من الصحابة، ويعتبرون الخلفاء الأمويين أمراء المؤمنين الذين بايعهم المسلمون، ويعزّون خصوصا عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز.

هذا اختلاف رأي واضح، من يحبهم السنة يلعنهم الشيعة، وهو ما يعني أنه يحق لكل من الطرفين التعبير عن رأيه الذي لن يعجب الآخر، بدون الحاجة للصراخ والقمع والعنف. والموضوع نفسه ينطبق على علاقة المسلمين بالغربيين الذين يهينون رموز الإسلام ومقدساته. للناس آراء مختلفة وحسب ما ورد في القرآن "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا كان كتاب المسلمين يسمح بالكفر، فلماذا يعتقد المسلمون أن عليهم فرض رقابة ومنع التجاوز على معتقداتهم ومقدساتهم؟

فلتبث شبكة "أم بي سي" مسلسل معاوية، ولتبث الشبكات التابعة لإيران مسلسل السيد المسيح (الذي منعته الكنيسة في لبنان)، وليبث القبطي الأميركي فيلمه المسيء عن الرسول، وليرسم من يرسم الرسول ويحرق من يحرق القرآن، بل التوراة أو أي كتاب يحلو لهم. الحرية مطلقة، وإلغاء القيود يخفف من الكبت والغضب والحاجة لإهانة الآخر والتضارب معه.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).