Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

A Moroccan man casts his ballot on September 8, 2021 in Rabat as Moroccans vote in parliamentary and local elections. (Photo by…
التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي

عبد الرحيم التوراني - في خضم الانتخابات التي جرت في 8 سبتمبر 2021، عرفت أسعار العديد من المواد الأساسية في المغرب ارتفاعا ملحوظا، مس القدرة الشرائية للمواطنين. ويعتقد البعض أنه جرى استغلال الانتخابات كغطاء لتمرير تلك الزيادات التي ترهق كاهل الأسر المغربية، وتفاقِم أوضاعها المادية المتأثرة سلباً بتداعيات الجائحة.

كما أن أول قمع لحرية التظاهر السلمي في ظل الأغلبية الجديدة، جرى السبت الماضي (25 سبتمبر 2021) لما استعملت الشرطة القوة لمنع وقفة احتجاج سلمية أمام مبنى البرلمان، دعت إليها الجمعية المغربية لحماية المال العام، تنديدا بعودة المفسدين إلى المجالس المنتخبة، وللتعبير عن رفض منحة مالية لوزراء الحكومة المغادرة. مما يطرح أسئلة وعلامات استفهام حول ملامح المرحلة السياسية المقبلة في المغرب. 

التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي. ولا يعني هذا عدم عناية المغاربة بالقضايا المتصلة براهنهم ومستقبلهم، بقدر ما هو انعكاس لمدى حجم العزوف السياسي المترسخ منذ عقود لدى أغلب الفئات والطبقات الاجتماعية، خصوصا منها فئات الشباب.

 يقول شاب من مدينة طنجة (شمال) في العقد الثالث من عمره: "لست معنيا بَتاتًا بمثل هذه الأسئلة. لا أمل لدي في أن تتغير أحوالنا نحو الأحسن بمجرد انتقال التسيير من حكومة كان يقودها حزب يوصف بكونه "حزبا إسلاميا" إلى حكومة تقودها جماعة يقال عنها إنها من "ليبرالية". لسنا مشغولين بالبحث عن الفرق لأنه غير موجود أصلا". 

ويواصل الشاب، وهو جامعي مجاز عاطل، قائلا بمرارة: "لا جديد يذكر.. الناس منشغلة بهمومها اليومية بعيدا عن صراعات أهل السياسة والأحزاب، تكافح بصعوبة من أجل تأمين لقمة العيش."

القصر والمعارضة
مع صعود الأغلبية الجديدة، لا بأس بلمحة سريعة حول أحزابها الثلاثة.
حزب التجمع الوطني للأحرار، وأمر بتأسيسه الملك الحسن الثاني بعد انتخابات 1977، وعين على رأسه صهره الوزير الأول حينها أحمد عصمان. كانت الغاية من إنشاء هذا الحزب مواجهة المعارضة اليسارية التاريخية، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. أما رئيس الحكومة المعين الحالي، رجل الأعمال عزيز أخنوش، فجيء به في سنة 2016 من خارج شخصيات حزب عصمان، بعد أن سبق له الترشح في انتخابات سابقة مع حزب الحركة الشعبية. وتحول إلى تقنوقراطي من دون انتماء حزبي لضرورة استمراره وزيرا في الحكومة. ومنذ عقد ونصف وهو وزير للفلاحة والصيد البحري والعالم القروي والمياه والغابات.

وحزب التجمع الوطني للأحرار عضو في الأغلبية السابقة التي قادها حزب العدالة والتنمية "البيجيدي". إضافة إلى مشاركة أخنوش في حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، مثل "الأحرار" في الحكومة السابقة كل من محمد بنشعبون: وزيرا للاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، ومولاي حفيظ العلمي: وزيرا للصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الأخضر والرقمي، ونادية فتاح العلوي: وزيرة للسياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي. 

 في سنة 1980، اعترض نواب الاتحاد الاشتراكي (15 نائبا) على تمديد فترة البرلمان وقدموا استقالاتهم احتجاجا، فقرر الحسن الثاني تعيين رئيس التجمع الوطني للأحرار أحمد عصمان في مهمة المعارضة، مؤكدا أن المعارضة شأن ضروري للحكومات، و"إذا لم توجد المعارضة علينا إنشاؤها". لكن ما لبث أن تراجع الاتحاديون تحت التهديد وخضوعهم لابتزاز وزير الداخلية إدريس البصري. ليعود "عصمان المعارض" إلى موقع حزبه الذي أريد له أن يكون ممثلا لمصالح الباطرونا والأعيان وكبار الموظفين. 

صانعو الخرائط
منذ بداية سنوات الاستقلال شرع النظام في تفريخ أحزاب وصفت دائما بـ الأحزاب "الإدارية"، وبـ "المخزنية". وتم تسييرها بالريموت كونترول من طرف مستشار الحسن الثاني أحمد رضا غديرة والجنرال محمد أوفقير، وبعدهما وزير الداخلية إدريس البصري، هذا الأخير أبدع على مدى أكثر من عقدين في صنع خرائط سياسية لا تعبر عن حقيقة المشهد السياسي في المغرب. واستمر الأمر في العهد الجديد بخلق حزب الأصالة والمعاصرة "البام" بنفس "الوصفة الكيميائية" إياها التي اخترعها غديرة وأوفقير وطورها البصري. 

في 2009 أشرف الوزير المنتدب سابقا في الداخلية، فؤاد عالي الهمة، المستشار الحالي للملك، على تأسيس حزب "البام"، وتم استقطاب عناصر يسارية ومعتقلين سياسيين سابقين لتلوين الحزب بمزيج من أضواء الحداثة واليسارية والليبرالية. وأوكلت إليه مهمة أداء دور المعارضة في مواجهة حزب "البيجيدي". لكن اللعب ظل مكشوفا أمام الأنظار، إذ لم يدخل "البام" المعترك بأسلوب وخطة مغايرة، خصوصا بعد هيمنة شخصيات الإقطاع والأعيان ومن الوصوليين على الحزب. 

أما حزب الاستقلال فقد تأسس في فترة الكفاح ضد الاستعمار. وبعد بضعة سنوات على الاستقلال عرف الحزب الانشقاق بقيادة الزعيم المهدي بنبركة، ودخل الحزب تدريجيا تحت عباءة النظام  كممثل لمصالح الطبقة الأرستراقطية. وبعد حوالي أربعة عقود تبعه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. حيث ظل النظام يلاحق كل معارضة حقيقية جذرية. إذ المعارضة - حسب الحسن الثاني - يجب أن تكون لسياسة الحكومة وليس لنظام الحكم. 

في سياق المصالحة بين النظام والمعارضة التاريخية، استدعي الحسن الثاني قبل وفاته بخمسة عشر شهرا، المعارض عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لتشكيل حكومة "التناوب التوافقي"، وألزمه بالقسم على المصحف. وإن لم يكشف رسميا عن مضمون القسم السري، فقد تردد أنه يتعلق بتأمين الانتقال السلس للحكم من الملك لولي عهده. لكن عند أول انتخابات شهدها العهد الجديد في 2002، ألقي باليوسفي خارج الحكومة، وجيء بالتقنوقراطي إدريس جطو، ما عرف بــ"الخروج عن المنهجية الديمقراطية"، رغم تبوؤ حزب الاتحاد الاشتراكي للرتبة الأولى انتخابيا، التي تضمن دستوريا لليوسفي الاستمرار في رئاسة الحكومة. 

حلاوة المنهجية الديمقراطية 
بعد ظهور "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، تم الاستنجاد بحزب إسلامي، ساهمت أجهزة المخابرات في صنعه عبر رجل القصر الدكتور عبد الكريم الخطيب. قيل يومها إن "البيجيدي" قام بدور كتيبة الإطفاء. ولم يكن من الممكن التخلص من حزب "البيجيدي" سريعا، لكن "الفيتو الملكي" أشهر بقوة ضد استمرار أمينه العام عبد الإله بنكيران على رأس الحكومة بعد انتخابات 2016. وتزعم عزيز أخنوش "البلوكاج" الذي أطاح ببنكيران. وبعد ولايتين سيذوق "البيجيدي" من نفس الكأس التي تجرعها اليوسفي. لكن هذه المرة تم تذويب قطعتين من سكر "المنهجية الديمقراطية" في الكأس التي قدمت إليه بلغة صناديق الاقتراع، في انتخابات يشكك العديد من المراقبين في نزاهتها. هكذا طرد "إسلاميو القصر" شر طردة.

إن من الخطأ الاعتقاد بأن "البيجيدي" عاقبه الناخبون لأنه كان ينفذ خلال قيادته للحكومة برنامجا إسلاميا، والحقيقة التي اتضحت أمام الجميع أنه كغيره من الأحزاب الأخرى، وقد رمت به رياح "ثورات الربيع العربي" ليتصدر المشهد عام 2011، وليقود الإئتلاف الحكومي لعقد كامل.

لقد كان حزب "البيجيدي" خاضعا وممتثلا لتوصيات "حكومة الظل". ووقع العثماني وثيقة التطبيع مع إسرائيل. وأجهز سلفه بنكيران على قانون التقاعد، ومس صندوق المقاصة، ولم يتردد بالتصريح  أمام البرلمان أنه آن رفع الدولة يدها لتتراجع عن مجانية الصحة والتعليم. وغيرها من الإجراءات الموصى بها من صندوق النقد الدولي. جرأة غير مسبوقة  لم تقدر أية حكومة سابقه على اقترافها.

بورصة الرشاوى
كل هذه الوقائع والمعطيات زادت وستزيد من نسبة أعداد المقاطعين للانتخابات، وتهز الثقة أكثر في مصداقيتها.

في الانتخابات الأخيرة حظيت عملية تشكيل مكاتب المجالس المحلية ببعض الاهتمام الشعبي، حيث تابع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الانتقال من الرشاوى الصغيرة للناخبين إلى رشاوى أضخم تتجاوز 100 ألف دولار لمن يمكن تسميتهم بـ "الناخبين الكبار".

في هذا الشأن حدثت فضائح بالجملة، لعل أخطرها الموت الغامض للنائب عبد الوهاب بلفقيه في مدينة كلميم (جنوب)، وعزته التحقيقات الأولية إلى "انتحار الهالك ببندقية صيد". وكالعادة حصلت عمليات "احتجاز" للمنتخَبين لضمان تصويتهم على المكاتب المسيرة للبلديات والأقاليم. وقد انتشر فيديو على اليوتيوب، ظهرت فيه شابة منتخَبة بمجلس الرباط، تحدثث فيه خائفة وهي تبكي عن مساومات تعرضت لها، وتكلمت عن تهديدها بالقتل إن لم تذعن للارتشاء الذي عرض عليها من طرف حسن لشكر، وهو نجل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.

وانتشرت تقارير إعلامية وفيديوهات وتسجيلات صوتية تخص فساد العملية الانتخابية بأكثر من جهة، إلا أن السلطات الأمنية والقضائية كما يبدو لحد اليوم أغلقت الآذان ولم تحرك ساكنا عن مجمل الخروقات القانونية التي شابت الحملة الانتخابية. 

كما أن أغلب الفضائح الانتخابية طالت حزب التجمع الوطني للأحرار المتصدر الأول للانتخابات، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي حل ثانيا. ولم تخل ساحة أحزاب أخرى من الاتهام. وقد أدانت فيدرالية اليسار الديمقراطي عمليات "تواطؤ السلطات في العديد من الدوائر الانتخابية واستمرار نفس الممارسات الفاسدة في تكوين مكاتب الجماعات والمقاطعات، وصلت حد ممارسات مافيوزية خلال تدبير هذه المحطة".

وعود أخنوش
لا يعول أن تؤثر نتائج الطعون الانتخابية المعروضة أمام القضاء في صورة المشهد. كما لا يتابع المواطنون حساب إنفاق التمويل الانتخابي، علما أن أخنوش صرف ميزانية بالملايير في حملته الانتخابية التي انطلقت أشهرا قبل الوقت القانوني.

وإن كان الناخبون لا يترقبون من الصاعدين الجدد الوفاء بوعودهم التي  تكاد تتطابق، حيث تنافست الأحزاب في التباري على تقديمها لاستقطاب الناخبين، إلا أن عزيز أخنوش تميز عن الجميع بوعود عينية محددة بأرقام، منها ما يتصل بتوفير الضمان الاجتماعي لكل العاملين من خلال تعميم التغطية الصحية، مع استفادة كبار العمر من سن 65 وما فوق، من مبلغ شهري في حدود ألف درهم (حوالي 113 دولار). وإحداث 4 مراكز استشفائية جامعية جديدة. وخلق مليون منصب شغل مباشر من أجل إنعاش الاقتصاد المتأثر بجائحة كورونا. ثم الرفع من أجور المدرسين إلى 7500 درهم (850 دولار) كراتب شهري. ومنح للتلاميذ من العائلات المعوزة.

ربما سيتلكأ أخنوش، وقد يطلب بعض الوقت للوفاء بوعوده، في انتظار تنزيل "البرنامج التنموي الجديد" الذي اقترحه الملك. لكن ماذا يمكن أن يستشف مما قاله حليفه عبد اللطيف وهبي (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، الذي سارع بعد تشكيل الأغلبية الجديدة، إلى التصريح لقناة ألمانية بأن الحكومة لا تمنح "الصدقات" للمواطنين، بل "سنحفزهم على العمل، ونخلق مناصب شغل، ونخلق مجالات للاستثمار...".

ما سيكرس فقدان الثقة الشعبية، ويعمق أكثر فكرة ذم السياسة وأهلها، وبأن الانتخابات في المغرب لا تعبر عن الإرادة الشعبية. وما يؤشر إلى استمرار تأزم الأوضاع. 

لقد ظل عبد الرحمان اليوسفي في رئاسته لحكومة التناوب (1998- 2002) يشكو مما وصفه بـ "جيوب مقاومة التغيير". وبعده شكا رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران (2011- 2016) ممن أطلق عليهم "العفاريت والتماسيح". وجاء سعد الدين العثماني فبلع لسانه ولم يتذكر التماسيح إلا ساعة اندحار حزبه إلى الهاوية.

فممن سيشكو غدا رئيس الحكومة الجديد عزيز أخنوش، وهناك من يتهم محسوبين على القصر كونهم "جيوب المقاومة والتغيير"، وأن حزب "البام" هو المعني بوصف "التماسيح والعفاريت". ممن سيشكو وقد آلت الحكومة اليوم إلى أحزاب القصر، وضمنها حزب الأصالة والمعاصرة.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).