Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

A Moroccan man casts his ballot on September 8, 2021 in Rabat as Moroccans vote in parliamentary and local elections. (Photo by…
التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي

عبد الرحيم التوراني - في خضم الانتخابات التي جرت في 8 سبتمبر 2021، عرفت أسعار العديد من المواد الأساسية في المغرب ارتفاعا ملحوظا، مس القدرة الشرائية للمواطنين. ويعتقد البعض أنه جرى استغلال الانتخابات كغطاء لتمرير تلك الزيادات التي ترهق كاهل الأسر المغربية، وتفاقِم أوضاعها المادية المتأثرة سلباً بتداعيات الجائحة.

كما أن أول قمع لحرية التظاهر السلمي في ظل الأغلبية الجديدة، جرى السبت الماضي (25 سبتمبر 2021) لما استعملت الشرطة القوة لمنع وقفة احتجاج سلمية أمام مبنى البرلمان، دعت إليها الجمعية المغربية لحماية المال العام، تنديدا بعودة المفسدين إلى المجالس المنتخبة، وللتعبير عن رفض منحة مالية لوزراء الحكومة المغادرة. مما يطرح أسئلة وعلامات استفهام حول ملامح المرحلة السياسية المقبلة في المغرب. 

التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي. ولا يعني هذا عدم عناية المغاربة بالقضايا المتصلة براهنهم ومستقبلهم، بقدر ما هو انعكاس لمدى حجم العزوف السياسي المترسخ منذ عقود لدى أغلب الفئات والطبقات الاجتماعية، خصوصا منها فئات الشباب.

 يقول شاب من مدينة طنجة (شمال) في العقد الثالث من عمره: "لست معنيا بَتاتًا بمثل هذه الأسئلة. لا أمل لدي في أن تتغير أحوالنا نحو الأحسن بمجرد انتقال التسيير من حكومة كان يقودها حزب يوصف بكونه "حزبا إسلاميا" إلى حكومة تقودها جماعة يقال عنها إنها من "ليبرالية". لسنا مشغولين بالبحث عن الفرق لأنه غير موجود أصلا". 

ويواصل الشاب، وهو جامعي مجاز عاطل، قائلا بمرارة: "لا جديد يذكر.. الناس منشغلة بهمومها اليومية بعيدا عن صراعات أهل السياسة والأحزاب، تكافح بصعوبة من أجل تأمين لقمة العيش."

القصر والمعارضة
مع صعود الأغلبية الجديدة، لا بأس بلمحة سريعة حول أحزابها الثلاثة.
حزب التجمع الوطني للأحرار، وأمر بتأسيسه الملك الحسن الثاني بعد انتخابات 1977، وعين على رأسه صهره الوزير الأول حينها أحمد عصمان. كانت الغاية من إنشاء هذا الحزب مواجهة المعارضة اليسارية التاريخية، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. أما رئيس الحكومة المعين الحالي، رجل الأعمال عزيز أخنوش، فجيء به في سنة 2016 من خارج شخصيات حزب عصمان، بعد أن سبق له الترشح في انتخابات سابقة مع حزب الحركة الشعبية. وتحول إلى تقنوقراطي من دون انتماء حزبي لضرورة استمراره وزيرا في الحكومة. ومنذ عقد ونصف وهو وزير للفلاحة والصيد البحري والعالم القروي والمياه والغابات.

وحزب التجمع الوطني للأحرار عضو في الأغلبية السابقة التي قادها حزب العدالة والتنمية "البيجيدي". إضافة إلى مشاركة أخنوش في حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، مثل "الأحرار" في الحكومة السابقة كل من محمد بنشعبون: وزيرا للاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، ومولاي حفيظ العلمي: وزيرا للصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الأخضر والرقمي، ونادية فتاح العلوي: وزيرة للسياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي. 

 في سنة 1980، اعترض نواب الاتحاد الاشتراكي (15 نائبا) على تمديد فترة البرلمان وقدموا استقالاتهم احتجاجا، فقرر الحسن الثاني تعيين رئيس التجمع الوطني للأحرار أحمد عصمان في مهمة المعارضة، مؤكدا أن المعارضة شأن ضروري للحكومات، و"إذا لم توجد المعارضة علينا إنشاؤها". لكن ما لبث أن تراجع الاتحاديون تحت التهديد وخضوعهم لابتزاز وزير الداخلية إدريس البصري. ليعود "عصمان المعارض" إلى موقع حزبه الذي أريد له أن يكون ممثلا لمصالح الباطرونا والأعيان وكبار الموظفين. 

صانعو الخرائط
منذ بداية سنوات الاستقلال شرع النظام في تفريخ أحزاب وصفت دائما بـ الأحزاب "الإدارية"، وبـ "المخزنية". وتم تسييرها بالريموت كونترول من طرف مستشار الحسن الثاني أحمد رضا غديرة والجنرال محمد أوفقير، وبعدهما وزير الداخلية إدريس البصري، هذا الأخير أبدع على مدى أكثر من عقدين في صنع خرائط سياسية لا تعبر عن حقيقة المشهد السياسي في المغرب. واستمر الأمر في العهد الجديد بخلق حزب الأصالة والمعاصرة "البام" بنفس "الوصفة الكيميائية" إياها التي اخترعها غديرة وأوفقير وطورها البصري. 

في 2009 أشرف الوزير المنتدب سابقا في الداخلية، فؤاد عالي الهمة، المستشار الحالي للملك، على تأسيس حزب "البام"، وتم استقطاب عناصر يسارية ومعتقلين سياسيين سابقين لتلوين الحزب بمزيج من أضواء الحداثة واليسارية والليبرالية. وأوكلت إليه مهمة أداء دور المعارضة في مواجهة حزب "البيجيدي". لكن اللعب ظل مكشوفا أمام الأنظار، إذ لم يدخل "البام" المعترك بأسلوب وخطة مغايرة، خصوصا بعد هيمنة شخصيات الإقطاع والأعيان ومن الوصوليين على الحزب. 

أما حزب الاستقلال فقد تأسس في فترة الكفاح ضد الاستعمار. وبعد بضعة سنوات على الاستقلال عرف الحزب الانشقاق بقيادة الزعيم المهدي بنبركة، ودخل الحزب تدريجيا تحت عباءة النظام  كممثل لمصالح الطبقة الأرستراقطية. وبعد حوالي أربعة عقود تبعه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. حيث ظل النظام يلاحق كل معارضة حقيقية جذرية. إذ المعارضة - حسب الحسن الثاني - يجب أن تكون لسياسة الحكومة وليس لنظام الحكم. 

في سياق المصالحة بين النظام والمعارضة التاريخية، استدعي الحسن الثاني قبل وفاته بخمسة عشر شهرا، المعارض عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لتشكيل حكومة "التناوب التوافقي"، وألزمه بالقسم على المصحف. وإن لم يكشف رسميا عن مضمون القسم السري، فقد تردد أنه يتعلق بتأمين الانتقال السلس للحكم من الملك لولي عهده. لكن عند أول انتخابات شهدها العهد الجديد في 2002، ألقي باليوسفي خارج الحكومة، وجيء بالتقنوقراطي إدريس جطو، ما عرف بــ"الخروج عن المنهجية الديمقراطية"، رغم تبوؤ حزب الاتحاد الاشتراكي للرتبة الأولى انتخابيا، التي تضمن دستوريا لليوسفي الاستمرار في رئاسة الحكومة. 

حلاوة المنهجية الديمقراطية 
بعد ظهور "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، تم الاستنجاد بحزب إسلامي، ساهمت أجهزة المخابرات في صنعه عبر رجل القصر الدكتور عبد الكريم الخطيب. قيل يومها إن "البيجيدي" قام بدور كتيبة الإطفاء. ولم يكن من الممكن التخلص من حزب "البيجيدي" سريعا، لكن "الفيتو الملكي" أشهر بقوة ضد استمرار أمينه العام عبد الإله بنكيران على رأس الحكومة بعد انتخابات 2016. وتزعم عزيز أخنوش "البلوكاج" الذي أطاح ببنكيران. وبعد ولايتين سيذوق "البيجيدي" من نفس الكأس التي تجرعها اليوسفي. لكن هذه المرة تم تذويب قطعتين من سكر "المنهجية الديمقراطية" في الكأس التي قدمت إليه بلغة صناديق الاقتراع، في انتخابات يشكك العديد من المراقبين في نزاهتها. هكذا طرد "إسلاميو القصر" شر طردة.

إن من الخطأ الاعتقاد بأن "البيجيدي" عاقبه الناخبون لأنه كان ينفذ خلال قيادته للحكومة برنامجا إسلاميا، والحقيقة التي اتضحت أمام الجميع أنه كغيره من الأحزاب الأخرى، وقد رمت به رياح "ثورات الربيع العربي" ليتصدر المشهد عام 2011، وليقود الإئتلاف الحكومي لعقد كامل.

لقد كان حزب "البيجيدي" خاضعا وممتثلا لتوصيات "حكومة الظل". ووقع العثماني وثيقة التطبيع مع إسرائيل. وأجهز سلفه بنكيران على قانون التقاعد، ومس صندوق المقاصة، ولم يتردد بالتصريح  أمام البرلمان أنه آن رفع الدولة يدها لتتراجع عن مجانية الصحة والتعليم. وغيرها من الإجراءات الموصى بها من صندوق النقد الدولي. جرأة غير مسبوقة  لم تقدر أية حكومة سابقه على اقترافها.

بورصة الرشاوى
كل هذه الوقائع والمعطيات زادت وستزيد من نسبة أعداد المقاطعين للانتخابات، وتهز الثقة أكثر في مصداقيتها.

في الانتخابات الأخيرة حظيت عملية تشكيل مكاتب المجالس المحلية ببعض الاهتمام الشعبي، حيث تابع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الانتقال من الرشاوى الصغيرة للناخبين إلى رشاوى أضخم تتجاوز 100 ألف دولار لمن يمكن تسميتهم بـ "الناخبين الكبار".

في هذا الشأن حدثت فضائح بالجملة، لعل أخطرها الموت الغامض للنائب عبد الوهاب بلفقيه في مدينة كلميم (جنوب)، وعزته التحقيقات الأولية إلى "انتحار الهالك ببندقية صيد". وكالعادة حصلت عمليات "احتجاز" للمنتخَبين لضمان تصويتهم على المكاتب المسيرة للبلديات والأقاليم. وقد انتشر فيديو على اليوتيوب، ظهرت فيه شابة منتخَبة بمجلس الرباط، تحدثث فيه خائفة وهي تبكي عن مساومات تعرضت لها، وتكلمت عن تهديدها بالقتل إن لم تذعن للارتشاء الذي عرض عليها من طرف حسن لشكر، وهو نجل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.

وانتشرت تقارير إعلامية وفيديوهات وتسجيلات صوتية تخص فساد العملية الانتخابية بأكثر من جهة، إلا أن السلطات الأمنية والقضائية كما يبدو لحد اليوم أغلقت الآذان ولم تحرك ساكنا عن مجمل الخروقات القانونية التي شابت الحملة الانتخابية. 

كما أن أغلب الفضائح الانتخابية طالت حزب التجمع الوطني للأحرار المتصدر الأول للانتخابات، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي حل ثانيا. ولم تخل ساحة أحزاب أخرى من الاتهام. وقد أدانت فيدرالية اليسار الديمقراطي عمليات "تواطؤ السلطات في العديد من الدوائر الانتخابية واستمرار نفس الممارسات الفاسدة في تكوين مكاتب الجماعات والمقاطعات، وصلت حد ممارسات مافيوزية خلال تدبير هذه المحطة".

وعود أخنوش
لا يعول أن تؤثر نتائج الطعون الانتخابية المعروضة أمام القضاء في صورة المشهد. كما لا يتابع المواطنون حساب إنفاق التمويل الانتخابي، علما أن أخنوش صرف ميزانية بالملايير في حملته الانتخابية التي انطلقت أشهرا قبل الوقت القانوني.

وإن كان الناخبون لا يترقبون من الصاعدين الجدد الوفاء بوعودهم التي  تكاد تتطابق، حيث تنافست الأحزاب في التباري على تقديمها لاستقطاب الناخبين، إلا أن عزيز أخنوش تميز عن الجميع بوعود عينية محددة بأرقام، منها ما يتصل بتوفير الضمان الاجتماعي لكل العاملين من خلال تعميم التغطية الصحية، مع استفادة كبار العمر من سن 65 وما فوق، من مبلغ شهري في حدود ألف درهم (حوالي 113 دولار). وإحداث 4 مراكز استشفائية جامعية جديدة. وخلق مليون منصب شغل مباشر من أجل إنعاش الاقتصاد المتأثر بجائحة كورونا. ثم الرفع من أجور المدرسين إلى 7500 درهم (850 دولار) كراتب شهري. ومنح للتلاميذ من العائلات المعوزة.

ربما سيتلكأ أخنوش، وقد يطلب بعض الوقت للوفاء بوعوده، في انتظار تنزيل "البرنامج التنموي الجديد" الذي اقترحه الملك. لكن ماذا يمكن أن يستشف مما قاله حليفه عبد اللطيف وهبي (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، الذي سارع بعد تشكيل الأغلبية الجديدة، إلى التصريح لقناة ألمانية بأن الحكومة لا تمنح "الصدقات" للمواطنين، بل "سنحفزهم على العمل، ونخلق مناصب شغل، ونخلق مجالات للاستثمار...".

ما سيكرس فقدان الثقة الشعبية، ويعمق أكثر فكرة ذم السياسة وأهلها، وبأن الانتخابات في المغرب لا تعبر عن الإرادة الشعبية. وما يؤشر إلى استمرار تأزم الأوضاع. 

لقد ظل عبد الرحمان اليوسفي في رئاسته لحكومة التناوب (1998- 2002) يشكو مما وصفه بـ "جيوب مقاومة التغيير". وبعده شكا رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران (2011- 2016) ممن أطلق عليهم "العفاريت والتماسيح". وجاء سعد الدين العثماني فبلع لسانه ولم يتذكر التماسيح إلا ساعة اندحار حزبه إلى الهاوية.

فممن سيشكو غدا رئيس الحكومة الجديد عزيز أخنوش، وهناك من يتهم محسوبين على القصر كونهم "جيوب المقاومة والتغيير"، وأن حزب "البام" هو المعني بوصف "التماسيح والعفاريت". ممن سيشكو وقد آلت الحكومة اليوم إلى أحزاب القصر، وضمنها حزب الأصالة والمعاصرة.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).