Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

المرأة التي لا زالت بقراطيسها

06 أكتوبر 2021

بقلم: ابتهال الخطيب

 

قبل أيام كنت أشاهد فيلما أميركيا كوميديا رومانسيا يحكي عن طبيعة علاقات الحب ومعادلات القوى فيها. أخذني الفيلم، رغم فكاهيته وسطحية طرحه، إلى التفكير في طبيعة العلاقات بين الشركاء في مجتمعاتنا المحافظة ودرجة حقيقتها وتعريف مفهوم الإخلاص الذي يحكمها.

بلا شك، توجد علاقات حب في مجتمعاتنا المحافظة قد تتطور إلى علاقات جسدية قبل الزواج بما يخالف الأعراف والدين ومفاهيم السمعة والشرف في هذه المجتمعات، إلا أن هذا النوع من العلاقات يبقى منبوذاً محتقراً طي الكتمان، حيث لا يمكن لأي ثنائي الإفصاح عن هذا التمدد في العلاقة، والذي عادة ما تحمل معظم تبعاته المرأة، بما أنها الموصوم الأوضح والخاسر الأكبر في رحلة التمدد تلك.

تسعى بعض النساء لترميم "خسائر" هذه العلاقات جراحياً، في حين تعيش أخريات مع "عار" الفعل مكتوماً في صدورهن وصولاً إلى أخريات يكذبن ليقنعن الرجل في العلاقة أن شرفه محفوظ، وأنهن "بقراطيسهن" جديدات بعد، لم يصبحن قيد "الاستعمال".

هذه الفكرة الملتوية تشكل العمود الأول الذي تقام عليه معظم العلاقات في المجتمعات المحافظة، حيث تتأسس العلاقة على أساس أن شرف الرجل ينحصر في جسد أنثاه، كلما كان هذا الجسد "أجدد" كلما لمع وبرق شرف الرجل.

هذه الفكرة بدورها تؤسس لتاريخ طويل من الكذب بين الرجال والنساء في مجتمعاتنا، وهي تحديداً ما تُعَرِّف معنى كلمة "خيانة" في وعينا. في علاقات الرجال والنساء الغربية، لا يتمثل مقياس الصدق والإخلاص في العلاقة من جانب المرأة في "درجة" عذريتها أو عدد ونوعية العلاقات التي عاشتها، إنما المقياس يتمثل في وقوع الاختيار، في إعلانها لعلاقتها بشريكها وما يتبع ذلك من قرار الإخلاص له.

هنا، لا تنحصر الفكرة في فرض عاداتي أو تقاليدي أو عقائدي "لنقاوة الجسد"، إنما هو فرض أخلاقي ومبدئي "لنقاوة المبدأ" حيث يخلص الطرفان، جسدياً ومشاعرياً، اتباعاً لمبدأ الصدق والإخلاص النفسي البعيدين في تقييمهما عن "حالة" الجسد "الاستهلاكية".

الخيانة الغربية مختلفة التعريف والفهم، حيث تنحسر عنها فكرة العار وتلويث الشرف و"تلبس" الجسد "بالجريمة"، لتعرفها فكرة أخطر وأعمق ألا وهي فكرة غياب الأمان والخروج عن عقد روحاني بين نفسين وقلبين وليس فقط بين جسدين.

بلا شك الخيانة الجسدية لها بعدها المادي المؤلم، إلا أن هذا البعد هو المسيطر في المجتمعات المحافظة، أما في المجتمعات الغربية التي يعلم فيها الرجل بأنه ربما ليس الأول في حياة شريكته وأن لها تجارب قد توازي تجاربه، يأخذ البعد المادي موقعا خلفيا لألم الخيانة النفسية والتغييب القسري للشعور بالأمان والتفرد والتوحد في علاقة الارتباط تلك.

بمعنى، لا تصبح المشكلة الأساسية للرجل أن آخراً مس جسد زوجته وبالتالي شرفه، ذلك أنه يعلم بتجاربها السابقة ولا يعيبها عليها، وإنما أن زوجته غدرت بمشاعره وبثقته.

قليل ما تستطيع المرأة في مجتمعاتنا أن تعلن، كما تفعل المرأة الغربية بكل فخر وسعادة، عن ارتباطها بصديقها المقرب. هي جملة كثير ما نسمعها في الأفلامI am married to my best friend أو أنا متزوجة من صديقي الصدوق.

في شرقنا المحافظ يمنع خفر وحياء المرأة المتوقعين منها إعلانها عن معرفتها بشريكها، دع عنك عن علاقة حقيقية ربطتها به قبل العقد الرسمي. معظم النساء في عالمنا المحافظ يدخلن علاقة الزواج ورأس مالهن جسد "جديد" محتفظ بكامل "شرفه"، في حين لا يشكل هذا الجسد وزناً حقيقياً في تقييم العلاقة الغربية، ذلك أن مفهومي الشرف والإخلاص في العلاقة لا يرتبطان بالعذرية ولا بعدد التجارب، إنما يرتبطان بمفاهيم تلي تشكل العلاقة ولا تسبقها، درجة الإخلاص في هذه العلاقة والإصرار على الاكتفاء بها.

كلنا بشر نخطئ ونصيب، وعليه لا تنحصر مفاهيم الإخلاص والخيانة في شعوب بعينها، كما لا ينحصر الصح والخطأ السلوكيين في ثقافة بعينها. لذلك، أنا لست هنا أدعي أن الثقافة الغربية العلاقاتية هي الأصح، ولست أقول بأن مفاهيم الشرف المحافظة كلها خطأ، مع تحفظي أصلاً على كلمتي "صح وخطأ" الساذجتين، وبكل تأكيد لست من دعاة التحرر العلاقاتي بصيغته الغربية، ذلك أنه تحرر مبني على قيم أخلاقية واجتماعية مختلفة تماماً عن القيم الشرقية الأخلاقية والاجتماعية التي لابد من احترام خصوصيتها وتفردها.

إنما أقول إن الثقافة الغربية العلاقاتية هي الأكثر صدقاً، لأنها الأكثر وضوحاً والأكثر عدلاً بين الرجال والنساء، وأن مفاهيم الشرف المحافظة المحكومة بالسمعة ورأي الناس، هي الأكثر دفعاً للمواربة وإخفاء الحقائق.

حين يرتبط ثنائي غربي، يفترض الجميع أنهما يعرفان بعضهما جيداً وأن ارتباطهما لا علاقة له بمفاهيم الشرف الغائمة الذكورية الأصل، وحين يرتبط ثنائي عربي، يفترض الجميع مقاييس مختلفة تماماً للعلاقة، أهمها مفهوم نقاء المرأة، المتمثل في انعدام أو محدودية تجاربها، اللذين سيعرفان درجة "شرفها"، وبالتالي درجة الاحترام التي سينالها الرجل المالك الجديد لهذا الجسد.

حين يرتبط ثنائي غربي، نعلم أنهما مرا بتجاربهما وأن ما يربطهما الآن هو، في الغالب المتوقع، رابط نفسي وروحاني ومحبة خالصة كلها تتعدى مفهوم "نقاء الجسد" الذكوري القديم، وحين يرتبط ثنائي شرقي محافظ، نعلم أن قيمة المرأة في المعادلة التي نناظرها هي في قلة أو انعدام خبراتها، وأن قيمة الرجل في ذات المعادلة لربما هي في تعدد موارد خبراته، وأن هذه المعادلة هي التي ستحكم لبقية الحياة، حيث يفترض أنه على المرأة أن تحافظ على "شرف زوجها" المنحصر في جسدها تحت أي وكل ظرف، وأنه للرجل أن يزل "ويلعب" لانعدام أي أثر على الشرف لهذا الزلل واللعب الذكوريين.

هذه معادلة لا يقيمها إلا الكذب ومن كلا الطرفين، لتغيب في النهاية مفاهيم الإخلاص والصدق اللذين يفترض أنهما هدف المفاهيم المحافظة الصارمة، حيث يتم استبدالهما بمناورات وأكاذيب للمحافظة على صورة خارجية غير واقعية.

في الرد على فكرة المقال، سيقول البعض إن نسب الطلاق في الغرب أعلى منها في الشرق، وإن ذلك مؤشر على نجاح العلاقات المحافِظة.. ملعوبة وقديمة. إنما تستمر الكثير من العلاقات في المجتمعات المحافظة لأسباب أبعد ما تكون عن السعادة أو الرضا أو النجاح، وبمبادئ أبعد ما تكون عن الصدق والإخلاص. العبوا غيرها.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).