Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

من مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة
ملك المغرب والحكومة الجديدة

عبد الرحيم التوراني - بعد شهر على انتخابات مجلس النواب والمجالس المحلية والجهوية، تم يوم الخميس 7 أكتوبر 2021 التنصيب الملكي لأعضاء الحكومة المغربية بمدينة فاس (وسط البلاد). 

وكان يوم 5 أكتوبر 2021 قد شهد اكتمال عملية انتخاب البرلمان المغربي بغرفتيه، بإعلان النتائج الرسمية لانتخابات مجلس المستشارين (الغرفة الثانية) من طرف "الناخبين الكبار" أعضاء المجالس المحلية والجهات، والغرف المهنية والنقابات، ورجال الأعمال. ليتم افتتاح البرلمان الجديد يوم أمس الجمعة، بخطاب ملكي جرى عن بعد لضرورات احترازية ضد وباء كورونا.   

رأس واحدة وإطلالة من نافذتين

جاءت النتائج النهائية لانتخابات أعضاء الغرفة الثانية، مماثلة لنتائج انتخاب مجلس النواب في الثامن من سبتمبر الأخير، إذ هيمن حزب التجمع الوطني للأحرار، بفوزه بـ27 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا، هي مجموع مقاعد المجلس. وتلاه حزب الأصالة والمعاصرة بـ19 مقعدًا، وحزب الاستقلال بـ17 مقعدًا. وهذا هو الترتيب ذاته الذي حصل في انتخاب مجلس النواب والذي توقعه أغلب المراقبين، بتكرار سيناريو تصدر التحالف الحكومي المكون من الأحزاب الأولى المذكورة، إذ لن يحتاج هذا التحالف الثلاثي لأي تحالفات تكميلية لتمرير مشاريع القوانين المقبلة.

باقي النتائج أتت كالتالي: حصل حزب الحركة الشعبية على 12 مقعدا، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 8 مقاعد، وحزب العدالة والتنمية "البيجيدي" 3 مقاعد. ونال حزب الاتحاد الدستوري مقعدين. وتراجعت بشكل كبير نقابة الاتحاد الوطني للشغل المغربي التي يسيرها الحزب الإسلامي (مقعدان). في حين حصلت المركزية العمالية الاتحاد المغربي للشغل  على 8 مقاعد، تلتها نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب التابعة لحزب الاستقلال، بـ 6 مقاعد.

أما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل فنالت 3 مقاعد. وحصلت الفيدرالية الديمقراطية للشغل التابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على مقعد واحد. وهو ما سمح للأمين العام للاتحاد المغربي للشغل الميلودي مخارق بالتفاخر بأن نقابته هي "الأكثر تمثيلية للطبقة العاملة المغربية". وللإشارة فإن مخارق دعا المنضوين تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل في انتخابات المجالس المحلية والبرلمان إلى التصويت بكثافة على لوائح حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب "الباطرونا" رجال الأعمال. في حين حرصت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على الدعوة إلى التصويت على مرشحي فيدرالية اليسار الديمقراطي.

أما الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب، التي تدافع عن مصالح "الباطرونا"، ويعد عزيز أخنوش من منتسبيها المؤثرين، فقد حافظت على جميع المقاعد الثمانية المخصصة لفئة أرباب العمل.

صدقة انتخابية للإسلاميين

من تداعيات انتخابات الغرفة الثانية، إعلان الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية رفضها للنتائج. وجاء في بيان القيادة أن الحزب "غير معني" بتلك المقاعد الثلاثة، ووصفها بـ"الممنوحة والمخالفة لقواعد العملية الانتخابية ولقيم السياسة التي آمن بها حزب العدالة والتنمية ودافع عنها". وهو ما أيده الأمين العام السابق للحزب عبد الإله بنكيران، حيث نقل عنه مصدر حزبي "تأسفه وتألمه مما حصل" في العملية الانتخابية. وروت برلمانية سابقة عن "البيجيدي" في تدوينة لها عن بنكيران قوله إن ما يجري "غير مفهوم". إذ كيف يحصل "البيجيدي" على أصوات مضاعفة لما حصل عليه قبل شهر في انتخابات المجالس المحلية والجهوية ومجلس النواب؟ 

وحسب المصدر ذاته، فإن المقاعد الثلاثة هي بمثابة "حسنة انتخابية". إذ لم يعقد الحزب تحالفات مع أحزاب أخرى بهذا الشأن. علما أن "البيجيدي" لم يتجاوز جراحاته بعد هزيمة 8 سبتمبر، التي سماها بنكيران بـ"النكسة". لذلك لم يقم الحزب بأي حملة انتخابية لضمان تواجده بالغرفة الثانية. فمن أي مصدر نزلت الأصوات التي "سقطت" على "البيجيدي"؟

وللتذكير، فإن حزب العدالة والتنمية رشح ثلاثة أعضاء فقط لانتخابات مجلس المستشارين، قصد "المشاركة من أجل المشاركة"، يقينا منه أن "770 صوتا" مجموع ما حصل عليه في انتخابات المجالس المحلية، غير كافٍ لنيل مقعد واحد، فإذا بوزارة الداخلية تصنع المفاجأة و"تنعم بالفوز" على جميع المرشحين الثلاثة من "البيجدي". لذلك لم يتردد أعضاء بارزون من "البيجيدي" في وصف المقاعد الثلاثة بـ"المشبوهة والمريبة"، مطالبين برفضها، متهمين من نعتوهم بـ "الدولة العميقة" بترتيب تلك النتيجة التي يتبرأ منها حزبهم.

قتل السياسة والتراجع عن الإصلاحات

"إنهم يدفعون في اتجاه مزيد من قتل السياسة وفقدان الثقة في السياسيين" يصرح آخر. 
وكأنها فرصة سنحت لحزب العدالة والتنمية واستغلها لالتقاط أنفاسه من أجل استعادة ثقة قواعده الساخطة، بعدما احتد غضبها إثر تراجع الأمانة العامة عن الاستقالة الاحتجاجية ضد "مجزرة" 8 سبتمبر 2021، وزعم الأمين العام سعد الدين العثماني بكونها "استقالة سياسية وليست استقالة تنظيمية" (!) 

ضمن هذا السياق تساءل المؤرخ والناشط الحقوقي المعطي منجب قائلا: "لا أدري لماذا قيادة "البيجيدي" خايفة وترتعد إلى هذا الحد، أين هو النضال في سبيل الله والحق؟ لم لا ينشرون كتابا أبيض يقول الحقيقة في ما وقع يوم 8 شتنبر وما وقع يوم 5 أكتوبر؟"

لكن لا يعول كثيرا على حزب خرج من تحت عباءة المخزن، و"تخلى عن المطالب  الشعبية. لا، بل مس بمكتسباتها وحارب تطلعاتها، وساهم بقسطه في الفساد السياسي"، وكان تلميذا منضبطا للقرارات المملاة عليه من "فوق".
 لذلك سينتظر قادة "البيجيدي" ووزراؤه السابقون "التفاتة كريمة" ومكافاءات من المخزن، على شكل مناصب عامة وسفارات، في انتظار الحاجة لاستخدام ورقة الإسلاميين المعتدلين، كما حصل بعد وصول لهيب حرائق ثورات الربيع العربي (2011). ولن يتطور الاستياء والغضب الانفعالي داخل قواعد حزب "البيجيدي"، بل سرعان ما ستستقيم الأمور لتعود سريعا إلى مدارجها، ويواصل القوم عد الأيام والأسابيع والشهور والأعوام "إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها".

لا ذرائع ولا أعذار

من جانب آخر، يطرح البعض شكوكا في أن يكون هناك ملتمس سري غير معلن في مشروع "البرنامج التنموي الجديد" الذي اقترحه وصادق عليه الملك. توصية بضرورة بسط يد الحكومة على البرلمان بغرفتيه للمساعدة على تنفيذ المشاريع والاستراتيجيات، تسهيلا لتنزيل البرنامج الملكي بهدوء ومن "دون تشويش". وهذا لم تتمتع به أي حكومة سابقة. لذلك لن يتذرع عزيز أخنوش مستقبلا بأية حجة، من قبيل "جيوب مقاومة التغيير" (اليوسفي)، أو "التماسيح والعفاريت" (بنكيران). فمنذ اليوم ليست هناك حواجز أمام تاجر المحروقات، بعد فوزه بأغلبية حكومية مريحة ومنسجمة وقوية، وبعد سيطرته على مقاعد مجلس النواب والجهات والمدن الكبرى وتأييد أكبر المركزيات العمالية... فلا ذرائع ولا أعذار. 

وحسب متتبعين آخرين للوضع السياسي في المغرب، ربما يدخل الأمر في سياق تطورات أخطر، مثل ما ذهب إليه المحلل السياسي أبو بكر الجامعي، الذي سارع إلى استنتاج أن هناك إرادة رجعية أقوى داخل النظام، وأن "المخزن الجديد لم يعد متشبثا بفكرة الإصلاح"، محذرا من كون "المصائب التي تطبخ اليوم ستوصلنا إلى الحائط"، أي إلى نفق مظلم لا ضوء في نهايته.

معضلة استعادة الثقة 

لكن يبقى ما هو أكبر من الانسجام الحكومي والرغبة في تسريع الأداء التشريعي وتمرير القوانين. إنها إشكالية ضمان الثقة الشعبية في المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسات المنتخبة، إذ كيف السبيل لتصحيح الصورة السلبية التي تراكمت عبر سنوات لدى المواطنين حول السياسة والسياسيين، تمثلات تضع الوزراء والبرلمانيين في مرتبة موازية للصوص المال العام والمرتشين والشفويين والمحتمين بالحصانة من أجل قضاء مصالحهم الخاصة ليس غير. وهذا هو السبب الرئيسي للعزوف السياسي ولارتفاع نسبة مقاطعة الانتخابات، التي وصلت أرقاما أكبر بكثير مما يصرح به رسميا.

غداة الانتخابات الأخيرة، كانت أولى التصريحات التي أدلى بها عزيز أخنوش هي "أن  المغاربة صوتوا لأول مرة من أجل التغيير ومن أجل زخم جديد، وأنه من الصعب عليه أن يخون هذه الرغبة في التغيير". كما أكد أخنوش في حوار مع موقع "لوبنيون" الباريسي، أن التغيير "رهانٌ استراتيجي للمملكة المغربية بعد عقد من قيادة حزب العدالة والتنمية للعمل الحكومي". وأشار في الحوار نفسه إلى أن "المغاربة يحبون الأشخاص الذين يعملون والذين ينجحون، لأنهم يرونهم كنماذج للتقدم الاجتماعي.

إنهم لا يحبون الظلم والهجمات غير المبررة. وقد انعكس ذلك في صندوق الاقتراع". لكن شخصية رئيس الحكومة الجديد لم تكن حتى أشهر قليلة سابقة ليوم الاقتراع، من الشخصيات التي يجمع المغاربة على احترامها، بل إن أخنوش تعرض لحملات هجومية واسعة، وكان ضمن الشخصيات المتهمة بالهيمنة على اقتصاد البلاد والمستفيدة من الريع المخزني، والتي أشارت إليها مسيرات ولافتات "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، في إدانتها لمخاطر "الجمع بين المال والسلطة".

ومعلوم أن شركة "أفريقيا" لتوزيع المحروقات التي يملكها أخنوش، كانت من الشركات المتضررة الأولى من حركة المقاطعة الاقتصادية الشعبية غير المسبوقة لعدد من المنتجات في المغرب، المقاطعة الاقتصادية التي أحرجت الطبقة السياسية الحاكمة بشكل واضح. وهو ما أثار غضب عزيز أخنوش بشدة، فلم يتمالك نفسه وهدد في تجمع للجالية المغربية المقيمة في إيطاليا، بأنه "علينا إعادة تربية بعض المغاربة"، ما نجم عنه موجة استياء شعبي نقلته مواقع التواصل الاجتماعي. وتعامل حقوقيون مع التصريح المشار إليه، أنه يدخل في نطاق "التحريض على العنف والتعدي على القوانين والمؤسسات".

يضاف إلى هذا ما يتوقعه الملاحظون من ضعف مرتقب في أداء المعارضة البرلمانية المقبلة. وهو ربما ما اكتشفته الجهات المخططة، حين أوعزت إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر باقتراح (نشر على لسان ابنته) يدعو إلى تقليص عدد نواب الفرق البرلمانية، من 20 إلى 13 نائبا، ليتسنى لحزب العدالة والتنمية تشكيل فريق يمكنه من إسماع صوته ولعب دور في المعارضة. وهو  موقف لم يكن منتظرا من إدريس لشكر الذي هاجمه باستمرار زعيم "البيجيدي" عبد الإله بنكيران، بل نعته صراحة بـ"البلطجي السياسي". ولعله الدافع نفسه الذي أوحى لمهندسي الخريطة السياسية إهداء ثلاث مقاعد لـ"البيجيدي" في مجلس المستشارين، لا يستحقها سواء بالأرقام أو بالمسطرة .

فأي جديد يمكن أن تأتي به حكومة عزيز أخنوش؟ 

سؤال يطرح نفسه ويتردد على الألسنة بحدّة أشد، في انتظار أولى قرارات الحكومة الجديدة، قرارات من شأنها إعادة الاعتبار حقيقة للعمل السياسي، وفي مقدمتها إطلاق سراح معتقلي الرأي من الصحفيين والسجناء السياسيين. 
لننتظر.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).