Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الإسلام والعلمانية.. آفاق التحول

13 أكتوبر 2021

بقلم: محمد المحمود

 

يقول المفكر الأميركي الكبير، صموئيل هنتنغتون، "في العالم المعاصر، الدين هو قوة رئيسية، وربما القوة الرئيسية التي تُحرّك وتُعبئ الشعوب" (صدام الحضارات، ص 144). صحيح أن هنتنغتون قال هذا في سياق التأكيد على الهوية الدينية للحضارات، وصولا إلى حتمية الصراع/ الصدام بين الحضارات، ولكن هذا التوظيف الذرائعي لا ينفي رسوخ هذه الحقيقة في الواقع، هذه الحقيقة التي أكّدها ـ كما أكّدها غيره ـ بكثير من الشواهد الوقائعية التي إن استطعنا مجادلته في بعضها؛ فلن نستطيع إلا الإقرار له في أغلبها؛ على شيءٍ من الاختلاف في حدود التوصيف والـتأويل.

أيضا، يُحاول المفكر الفرنسي/ مارسيل غوشيه ـ من خلال تحليله للظاهرة الدينية في المجتمعات البدائية ـ أن يعيد أصل الدولة (وبالتالي، أصل السياسة عموما) إلى جذر الدين، الذي بدأ ـ كما يقول ـ على شكل "دَيْن المعنى"، أي دَيْن البشر للعالم الآخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة. وهذه الفكرة (= دَيْن المعنى) تُتِيح ـ حسب غوشيه ـ إدراك طبيعة السلطة وماهية الاجتماع، من خلال ثلاثة مبادئ: مبدأ "الخارجية"، ومبدأ "المغايرة"، ومبدأ "الانفصال"، إذ هذه المبادئ هي التي تُشكّل أسس الواقعة الدينية، بقدر ما هي التي ما تُشكّل "شرط إمكان السلطة/ الدولة"(في أصل العنف والدولة، بيار كلاستر ومارسيل غوشيه، ص154).

إذن، ثمة ارتباط أصيل وحيوي بين الجذر السياسي والجذر الديني. وهو ارتباط ليس مبتوت الصلة عن كل التطورات اللاحقة، بما فيها تطور التصور العلماني للعلاقة بين الدين والدولة، أو بين الدين والسياسة، أو بين رجال الدين ورجال السياسة، أو بين الديني والمدني عموما. والسبب في استمرارية هذا التواصل/ الاتصال، وحيويته رغم خفوته أحيانا، يرجع إلى كون هذا الاتصال لم ينشأ عن إرادة واعية، كما لم ينشأ عن إضافة لاحقة على طبيعة الاجتماع الإنساني، بل نشأ مُحَايِثاً له، ومُتَفاعِلا معه، من أدنى مستويات هذا الاجتماع (الأدنى: الفردي ـ الفردي؛ بخياراته الروحانية)، وإلى أعلاها: السياسة في تجلياتها الصريحة التي تُدِير عناصر السلطة/ القوة (الناعمة والخشنة) داخل المجتمع وخارجه، على سبيل الإخضاع القسري أو التطويع الثقافي (ومنه التطويع الديني).

أعرف أن هناك من يقول بإمكانية "مجتمع بلا دين"، وأن ابن خلدون رأى أن حياة البشر قد توجد بلا شرع. لكن، كل هذا يقع في دائرة الاحتمال النظري، بينما الواقعة الاجتماعية لازمت (وفي رأي دوركايم: أنتجت بالضرورة) الظاهرة الدينية، وتفاعلت ـ جدليا ـ معها؛ لإيجاد المُفَارِق الذي يُمْكِنه أن يحكم الواقعَ الاجتماعي بقوة البُنَى الرّمزية، التي تتحوّل ـ في مسار تطوري ـ إلى بُنَى واقعية، قد تقطع مع أصلها الرمزي، وقد تُبْقِي على قليلٍ أو كثيرٍ من صُور التفاعل والاتصال.

لهذا، مهما تعلمنت المجتمعات، ومهما كتبت خططَ التشريع السياسي على المستويين: التنظيمي/ المؤسساتي والإداري، فإن الفاعل البشري ليس كائنا محايدا بالكامل، ليس مُفرّغا من أي محتوى ثقافي/ رمزي، ولا من أي تحيّز وجداني. فالبشر ـ حتى في أكثر المؤسسات تَعَلْمنا ـ يحضرون بخلفياتهم الثقافية والأخلاقية، وبطبائع أعراقهم أيضا، فيما هم يُحَاوِلون المُوَاءَمة بين كل ذلك وبين القوانين التنظيمية/ المؤسساتية التي تُحَدِّد في النهاية مستوى الاختراق الممكن للمبدأ العلماني, المبدأ ذي الطابع الحيادي، النسبي؛ بطبيعة الحال.

يعني هذا أن "العلمانية" مُمْكنة، وغير مُمْكنة؛ في آن. العلمانية، من حيث هي فصل الدين عن الدولة (ومسألة أن الفصل الذي هو فصل رجال الدين عن الدولة؛ قضية شائكة، وخاصة في الإسلام؛ لعدم وجود حد فاصل واضح بين: رجل الدين ورجل الدنيا)، غير ممكنة على سبيل الفصل التام، وغير متعذّرة على سبيل تقنين وترشيد التواصل، و ترسيم الحدود بين المجالات.

الحالمون بالوصل؛ هم كالحالمين بالفصل؛ في تجاوزهم منطق الواقع إلى منطق الأحلام. بل في تصوري أن الحالمين بالفصل التام أقل معقولية من الحالمين بالوصل التام. ودعاة الفصل الطوباوي هم أكثر إضرارا بالعلمانية ذاتها من أولئك الذين يُهاجِمونها ويُشَيْطِنُونها، بل ويُكَفّرونها في سياق الخطاب الجماهيري؛ لأن هؤلاء الحالمين بالفصل التام، ينقلونها ـ في النهاية ـ من دائرة الممكن إلى دائرة المستحيل، ومن سياق أن تحظى بمشروعية ثقافية عمومية، إلى سياق تمثّلها كأداة مشبوهة يُرَاد لها تجريف أشد الهويات خصوصية وأشدها علاقة بعمليات إنتاج المعنى. 

لقد تشوهت العلمانية في العالم العربي على يد المناضلين في سبيلها ابتداء. يقول المفكر اللبناني/ وجيه كوثراني: "ما ينبغي الالتفات إليه من زاوية أخرى هو أن صورة العلمانية التي قدّمها العديد من الكتاب القوميين كانت معادية فعلا للإسلام. هذه الصورة حملها خطابٌ عقدي ونضالي يكاد يحلّ محلَّ العقيدة الدينية، كَمُسَلَّمة قَبْليّة، أو كاقتناع ميثولوجي. وبالمقابل كان الخطاب الإسلامي غالبا ما يسترجع هذه الصورة وينطلق منها في سجاله مع القومية العلمانية. فكأن خطابي الطرفين غذّيا بعضهما، فاستثمر الواحد الآخرَ لتبرير صراعه في حركة تناقض ثنائية لا تنتهي"(الذاكرة والتاريخ، ص190).

ومع أن المفكر المغربي/ عبد الإله بلقزيز يؤكد أن "مقولة الدولة الدينية لا تتمتع في تجربة الإسلام: إسلام الأصول، وإسلام ما بعد الخلافة الراشدة، بأي شكل من أشكال الشرعية"، لأن "الفارق عظيم بين الدولة الدينية ـ على مثال ما كان في أوروبا العصر الوسيط ـ وبين دولة لا تجد من سبيل إلى إقرار شرعيتها إلا باستخدام الدين"؛ إلا أنه يُقرّر "أن شعار العلمنة لا يبرر شرعيته ـ لدى المنادين به ـ إلا افتراض أصحابه أن نظام الدولة محكوم بنظام الدين أو مرجعيّته؛ وهذا مما نخالفهم الرأي فيه" (الإسلام والسياسة، ص48و50و51).

ما ينفيه بلقزيز من علاقة الديني بالمدني في الإسلام على امتداد عصوره، هو نمط مُحدّد من العلاقة (= تجربة تاريخية في أوروبا العصر الوسيط)، لا ذات العلاقة من حيث المبدأ، ولا نِسْبيتها، بدليل أنه يعود بعد صفحتين من هذا؛ ليستغرب من استغراب العلمانيين العرب لاستثمار المُقدّس في السياسة، أي لاستعمال الديني في الحقل السياسي، لأن الديني ـ كما يؤكد ـ لم ينفصل ـ في سائر التجارب التاريخية ـ عن السياسي. (الإسلام والسياسة، ص53).

كل هذا يعني أن الدين حاضر في السياسة دائما، ولكن الاختلاف يقع في مستوى حضوره، وفي طبيعة هذا الحضور؛ توصيفا لما وقع، وتنظيرا لما يجب أن يقع. 

ثمة إجماع أو شبه إجماع على هذا الحضور؛ كحالة سياسة؛ قبل أن تكون حالة دينية. لكن، قد يكون الحضور مباشرا وصريحا، ومُتَمَفصلا في الأنظمة والقوانين. وقد يكون حضورا مباشرا؛ ولكنه غير صرْيح، أي كمبادئ عامة تنتظم الأنظمة والقوانين. وقد يكون حضورا غير مباشر وغير صريح؛ كمرجعية ثقافية/ حضارية تُحَدّد الخطوط العامة للخيارات الحاسمة المتعلقة بتدبير الشأن العام. والتحوّل العلماني في الدول الإسلامية يجب ـ في تصوري ـ أن يكون مُوَزّعا على هذه المستويات؛ على ألا تكون "طبيعة الحضور الديني" تستلزم ـ بالضرورة ـ إقرارَ نوع من التمييز القانوني بين المواطنين. 

هنا، نصل إلى مأزق إشكالي بين النظري والتطبيقي، أي: كيف يمكن السماح بمستويات من الحضور الديني في المدني، حتى على مستوى التقنين/ التشريع؛ دون أن تفقد هذه القوانين حيادها الموضوعي/ المدني ذي الطابع العلماني؟

لا مخرج من هذا المأزق إلا بالتأكيد على ضرورة التطور/ الإصلاح في الديني نفسه. فالدين (وهو مُتنوّع ومتعدّد مذهبيا، ومختلف فيه وعليه) الذي سيكون ـ شئنا أم أبينا ـ هو الخلفية الثقافية للمؤسسات المدنية، والذي سيحضر على نحو صريح أو مضمر في مجمل الخيارات الحاسمة، لا بد أن يدخل طورّ "الصلاح الديني الحقيقي"؛ ليكون ـ مع احتفاظه بهويته ـ ابن عصره. وشرط راهنيته/ شرط أن يكون ابن عصره، يقتضي أن يقطع ـ بحدود الممكن الإصلاحي ـ مع التحقّقات التاريخية التي شكلته وتشكّل بها، منذ ظهور الإسلام وإلى اليوم. فإذا كان الإسلام إبان ظهوره يتضافر فيه الديني مع السياسي في تفاعل جدلي خِصْب يستحيل معه ادعاء الفصل، فإن التأسيس للمدني، أو استعادة الديني اليوم، لا يعني ضرورة البقاء في حدود ذلك التضافر/ التفاعل الذي شكّل البدايات أو تشكّل بها، بل يعني إمكانية الخروج بصيغة أن الإسلام "ليس دينا ودولة"؛ حتى وإن كان قد بدأ "دينا ودولة"؛ لا بإلغاء هذه العلاقة من أساسها، ولكن بتكييفها وفق شرط الراهن الثقافي القائم على تحديد وتقنين المجالات ذات الطابع العمومي.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

حسن منيمنة

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).