Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Morocco's prime minister-designate Aziz Akhannouch, delivers a speech in which he announced a coalition deal for a new…
يطرح تساؤل مشروع حول قسط أخنوش ونصيب حزبه من الحصيلة الكارثية والفاشلة التي رعتها ونفذتها الحكومات السابقة

عبد الرحيم التوراني -  كما كان منتظرا، انتهت يوم الأربعاء الأخير، (13 أكتوبر الحالي)، جلسات مناقشة البرنامج الحكومي الذي قدمه رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش إلى البرلمان، بالمصادقة على البرنامج بأغلبية الأصوات. ليفسح المجال أمام الحكومة الجديدة لمباشرة أعمالها وممارسة صلاحياتها الدستورية.

وقد سمحت وسائل التواصل الاجتماعي بانتشار مسودة البرنامج الحكومي قبل مناقشته والتصويت عليه. ورغم ذلك فإن الاهتمام بتفاصيله ومناقشته لم تتعد فئات قليلة من النخبة المسيسة، وبعض مهنيي الصحافة والإعلام.

يقول موظف في القطاع الخاص بالدار البيضاء، إنه لا يجد فرقا جديرا بالاهتمام بين البرامج الحكومية المتوالية، "تتغير وجوه وأسماء رؤساء الحكومة والوزراء، لكن جميعهم يستمرون في مضغ لغة الخشب ذاتها. بجمل وعبارات مرصوفة، لا تقوى على تجاوز التراكيب الإنشائية الجامدة والوعود الفضفاضة".

في المنحى نفسه تقول أستاذة من الرباط، إنها تشعر وكأنه سبق لها الاستماع إلى برنامج حكومة عزيز أخنوش بعمومياته في حياة أخرى، قبل أعوام انقضت.

بالنسبة لكثير من المهتمين، اللعبة تتكرر، ولا مجال لتجديد مضمون قانونها وممارستها ومآلاتها. وأن منهجية التدبير الحكومي متواصلة ولا تختلف إلا في تفاصيل بسيطة وجزئيات شكلية.

مع كل حكومة جديدة، يتطلع المغاربة إلى ما يمكن أن تحققه من أجل تحسين ظروفهم وأحوالهم المعيشية. لكن مع تراكم خيباتهم يبدو أنهم كفوا عن استدرار الأمل لينخرطوا في مهاوي اليأس ومكابدة الخذلان. هكذا يلقى بالمواطنين المعنيين على هامش مخططات التنمية، في برامج يُزعم أنها أعدت من أجل راحتهم وإسعادهم. لكن يتضح أنه لا يتم إدماجهم في فرص الانخراط العملي والحقيقي في التنمية، لتمارس عليهم سياسات عمومية غير واضحة بالقدر الكافي في توجهاتها، ويعتري تنفيذها الاختلال والتأجيل والبيروقراطية المقيتة، وبالتالي تتبخر وتضيع الطموحات المنشودة.

لقد كسبت حكومة أخنوش بسهولة ثقة البرلمان، كيف لا، وهي تمتلك أغلبية مريحة، لكن من أين لها اكتساب ثقة المواطنين، ومن أين ستضمن صدقيتها لدى المؤسسات والجهات الدولية، التي تدرك أن الانتخابات التي أفرزت تشكيلتها لم تكن نزيهة حقا، بل اعترتها "خشونة" التلاعب بالإرادة الشعبية؟

كيف ستعمل حكومة أخنوش من أجل الدفع باتجاه تخليق الحياة العامة، ومحاربة الفساد والرشوة، ومكافحة اقتصاد الريع والامتيازات والإثراء غير المشروع، وما الذي يحول دون مبادرتها لتصفية الجو السياسي وتحقيق الانفراج المرغوب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي من الصحفيين، ورفع المضايقات عن المدافعين عن حقوق الإنسان؟

إجهاض الانتقال الديمقراطي

قبل وصول حكومتي التكنوقراطي إدريس جطو (2002)، والاستقلالي عباس الفاسي (2007)، انشغل النظام أكثر بالتوجس من صعود المد الإسلامي، فأعد العدة لكبح زحفهم "المقدس"، بإنشاء حزب "ليبرالي حداثي" لمواجهة إخوان "العدالة والتنمية"، فقام الحزب الجديد تحت اسم "الأصالة والمعاصرة"، بنفس الأسلوب الذي أنشئت به من قبل أحزاب أخرى لا زالت أغلبها في الساحة، وعرفت تاريخيا بالأحزاب "الإدارية والمخزنية".

لكن اندلاع ثورات الربيع العربي ووصول لهيبها إلى المغرب، بعثر الأوراق وأجل مشروع حكومة يرأسها فؤاد علي الهمة مؤسس "حزب الأصالة والمعاصرة"، (المستشار الملكي حاليا). هكذا جرى الاستنجاد بحزب العدالة والتنمية، فتمت الاستعانة بلافتته الإسلامية ككتيبة إطفاء يقودها عبد الإله بنكيران، الذي بعدما راقه الكرسي الوثير واستكان لأضواء السلطة وجاذبيتها، واعتقد أن خدماته غير المشروطة للنظام وانبطاحه لقوى التحكم سيسمح له بالاستمرار في ولاية ثانية بفوز حزب العدالة والتنمية بالرتبة الأولى في انتخابات 2016. لكن تم خلعه وتنصيب بديله سعد الدين العثماني الذي تعهد بمواصلة "إصلاحات بنكيران" الاقتصادية والاجتماعية.

وقتها، في معرض كلامه عن برنامجه الحكومي أعرب العثماني عن تفاؤله مفتخرا:  "إن حزبه "لن تكون له إلا النجاحات المستمرة حالا ومستقبلا". لكن الوقائع والأحداث ستكذبه، عندما تعرض حزب "المصباح" في الانتخابات الأخيرة لنكسة كبرى ورجة قوية غير مسبوقة، يبدو أنه لن يشفى منها سريعا، ولا يعرف كيف سيتخلص "إخوان المغرب" من الإدانة الشعبية التي وشمت على جبينهم مسؤولية إجهاض "الربيع المغربي"، وإخلاف موعد المغاربة مع التاريخ، بعدما حانت لحظة الانتقال نحو الديموقراطية الحقيقية.

 الاختلاف حول الدبلجة

بعد جائحة كورونا  حصل التراجع عن عدة مكتسبات، خاصة منها المتصلة بحقوق الإنسان، واكب ذلك أن العياء دب في أوصال "حركة 20 فبراير"، فعاد المخزن لاستلام الأمور بقوة من جديد بيده. رغم أن جميع الأحزاب ورؤساء الحكومات التي توالت على الشأن العام لم يبدر منهم أدنى تفكير في "الخروج عن النص".

وبمراجعة سريعة لبرامج الحكومات السابقة سنلمس أنها برنامج الواحد المتعدد، برامج ذات لغة واحدة، أما المختلف عليه فهو الدبلجة إلى لغة "الماركتينغ" السياسي المنسجمة مع السياق والحاليات.

قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة نجح رجل الأعمال عزيز أخنوش في المهمة التي أوكلت إليه، وهي إزاحة عبد الإله بنكيران من المشهد الحكومي والحؤول دون تمكينه من ولاية ثانية في 2016، ولتحقيق هذه الغاية استعان الملياردير بـ"أحابيل" السياسي إدريس لشكر، في صنع ما عرف ب"البلوكاج". من هنا أتى وصف "البلطجي السياسي" الذي وجهه بنكيران مؤخرا إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.

ومنذ تعيينه على رأس التجمع الوطني للأحرار بتاريخ 29 أكتوبر 2016، سعى عزيز أخنوش للظهور بمظهر الزعيم المتمرس، واجتهد في الاقتباس من أداء الخطباء السياسيين، ومن عامية عبد الإله بنكيران الشعبوية. إلا أنه لم يوفق دائما، بل ارتكب أخطاء وزلات لسان، هوجم بسببها على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أهدر أخنوش الملايير من الدراهم في الدعاية، وفي مقدمتها الدعاية الرقمية، على الفيس بوك والوتساب أساسا.

إلا أن حزب التجمع الوطني للأحرار وحليفه في الحكومة حزب الأصالة والمعاصرة، يفتقران للامتداد الشعبي وللسند الجماهيري، رغم حصول أخنوش على دعم الميلودي مخارق الأمين العام للمركزية العمالية الاتحاد المغربي للشغل، في صفقة كتبت سطورها بليل.

 المشروع الأخنوشي

بعد إعلان الملك محمد السادس عن فشل النموذج التنموي الذي تنهجه البلاد منذ عقود، قام القصر بتشكيل لجنة خبراء أشرفت على إعداد تقرير استراتيجي، باركه العاهل وصفقت له باقي الأحزاب والهيئات السياسية التي كانت حتى الأمس القريب تشيد وتنوه وتطبِّل لنموذج تبين أنه لا يصلح.

وللتذكير، فإن أغلب الأحزاب المشاركة في الانتخابات الأخيرة تنافست حول أهليتها لتطبيق وتنزيل "البرنامج التنموي الجديد"، وعلى رأسها الأحزاب الثلاثة المكونة للفريق الحكومي الحالي برئاسة أخنوش.

لقد تواجد حزب التجمع الوطني للأحرار في أغلب الحكومات المغربية السابقة، وكان مشاركا أساسيا في التجربة الحكومية المحسوبة على الإسلاميين، وتولى بها حقائب وزارية رئيسية وجد هامة، مثل وزارات الاقتصاد والمالية، والصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، والسياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، إضافة إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات التي بقي أخنوش على رأسها ما يقرب من عقد ونصف.

لذلك يطرح تساؤل مشروع حول قسط أخنوش ونصيب حزبه من الحصيلة الكارثية والفاشلة التي رعتها ونفذتها الحكومات السابقة، والتي انعكست نتائجها سلبا على الفئات الشعبية وأضرت بأحوالها اليومية.

وليس غريبا أن تواجه حكومة أخنوش، قبل أن تستوي فوق مقاعدها، باحتجاجات شعبية من قطاعات عدة ومختلفة. وتتوصل بعدد من المذكرات المطلبية ورسائل التنبيه والتحذير، من منظمات نقابية وهيئات حقوقية انبرت للقيام بمعارضة الحكومة من خارج البرلمان، خاصة وأن ارتفاعا ملحوظا في أسعار المواد المعيشية الأساسية واكب وصول الحكومة الجديدة.

كما أن "المشروع الأخنوشي" أعلن عن نفسه قبل أن يعلن شكيب بنموسى عن نتائج اللجنة الاستشارية الملكية التي ترأسها ليقدم بين يدي الملك مشروع "النموذج التنموي الجديد" الذي صاغته لجنته (25 ماي 2021). إذ أن أخنوش استبق بنموسى بأزيد من سنة، حين قدم تصوراته ل"الإنقاذ" عبر مقال حمل توقيعه ونشر نصه بالفرنسية بيومية "أوجوردوي لوماروك" (14 أبريل 2020)، الصادرة عن المجموعة الإعلامية "بريس كاراكتير" التابعة للهولدينغ الاقتصادي "أكوا" لصاحبه عزيز أخنوش.

جاء المقال المشار إليه بمثابة تمهيد لخطة وبرنامج سياسي اقتصادي واجتماعي، يعكس وجهة نظر المقاولات المغربية والباطرونا. لذلك فإن البرنامج الحكومي ليس سوى توسيع لفكرة أخنوش التي جاء بها المقال المذكور، الذي طرح مساندة توجه الرفع من مستوى المديونية وتحمل المخاطر، ضاربا مثل "الاقتصادات الكبرى التي اختارت السماح لنفسها بتجاوزات كبيرة للمستويات المعتادة من عجز ميزانياتها، وأنه لا سبيل إلا الرفع من المديونية".

واضح أنه تصور لا يتناقض مع برنامج حكومة حزب العدالة والتنمية إلا في التطبيق والوسيلة والخطاب. وكأن أخنوش يستعير التعبير العامي "كبَّرْها تصغر"، للسير في اتجاه تعميق سياسة الليبرالية المتوحشة، دون الالتفات إلى مطالب الفئات والطبقات الاجتماعية وهيئاتها التمثيلية والنقابية. ما يرشح لحالة الاصطدام. وقد عبر عن هذا بقوله المبطن "خلونا نخدمو" (دعونا نعمل).

وليس مستغربا أن لا يأتي أخنوش بممارسة غير تلك التي يتقنها كرجل أعمال وصاحب مقاولات كبرى، وكشخص مقرب من أعلى سلطة في البلاد. إلا أن العمل الحكومي ليس هو تسيير الشركات، وإدارة المقاولات لا تنفع في مواجهة الشارع الذي عاد من جديد للتحرك والاحتجاج اليومي.

بضاعة سريعة التلف

ليس من باب الترف العدمي على الإطلاق، القول بأن التغيير الحقيقي لا يزال سرابا، أو القول بأنه ليست هناك إرادة هزم مواقع ورموز الفساد، وإنهاء المحسوبية والرشوة وإهدار المال العام، والانتصار للعدالة الاجتماعية والمجالية ولحقوق الإنسان والحريات، ووضع القطيعة مع ديمقراطية الواجهة والسلطوية والتحكم. هي حقائق ومكتسبات لا تبدو في الأفق المغربي القريب، رغم ما تشي به الأوضاع من تأزم واندحار.

لذلك، "يجب أن نشرع في تقديم الأجوبة وبدون تأخير، لأن الأمر يتعلق بالمستقبل القريب لبلادنا. ولهذه الغاية يجب إحداث فضاءات للنقاش والحوار، ومنصات مثل هاته من أجل تمكين الجميع من إيصال صوته والتعبير عن ما يخالجه".

هذا الكلمات المحصورة بين مزدوجتين، ليس مقتطفا من خطاب "تشويشي عدمي معارض"، بل هي كلمات موثقة لفاعل اقتصادي دخل غمار السياسة، ويصنف ثاني أغنى شخص في المغرب خارج العائلة الملكية، اسمه عزيز أخنوش. قالها قبل صعوده إلى رئاسة الحكومة. فهل سيتذكرها ويفي بتنفيذ مضمونها اليوم؟

أم أن الوعود بضاعة سريعة التلف. أو كما قال رجل الدولة والسياسي البروسي - الألماني أوتو فون بسمارك، في نهاية القرن التاسع عشر، أن "الكذب يكثر عادة قبل الانتخابات، وخلال الحرب، وبعد الصيد."


-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).