Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Morocco's prime minister-designate Aziz Akhannouch, delivers a speech in which he announced a coalition deal for a new…
يطرح تساؤل مشروع حول قسط أخنوش ونصيب حزبه من الحصيلة الكارثية والفاشلة التي رعتها ونفذتها الحكومات السابقة

عبد الرحيم التوراني -  كما كان منتظرا، انتهت يوم الأربعاء الأخير، (13 أكتوبر الحالي)، جلسات مناقشة البرنامج الحكومي الذي قدمه رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش إلى البرلمان، بالمصادقة على البرنامج بأغلبية الأصوات. ليفسح المجال أمام الحكومة الجديدة لمباشرة أعمالها وممارسة صلاحياتها الدستورية.

وقد سمحت وسائل التواصل الاجتماعي بانتشار مسودة البرنامج الحكومي قبل مناقشته والتصويت عليه. ورغم ذلك فإن الاهتمام بتفاصيله ومناقشته لم تتعد فئات قليلة من النخبة المسيسة، وبعض مهنيي الصحافة والإعلام.

يقول موظف في القطاع الخاص بالدار البيضاء، إنه لا يجد فرقا جديرا بالاهتمام بين البرامج الحكومية المتوالية، "تتغير وجوه وأسماء رؤساء الحكومة والوزراء، لكن جميعهم يستمرون في مضغ لغة الخشب ذاتها. بجمل وعبارات مرصوفة، لا تقوى على تجاوز التراكيب الإنشائية الجامدة والوعود الفضفاضة".

في المنحى نفسه تقول أستاذة من الرباط، إنها تشعر وكأنه سبق لها الاستماع إلى برنامج حكومة عزيز أخنوش بعمومياته في حياة أخرى، قبل أعوام انقضت.

بالنسبة لكثير من المهتمين، اللعبة تتكرر، ولا مجال لتجديد مضمون قانونها وممارستها ومآلاتها. وأن منهجية التدبير الحكومي متواصلة ولا تختلف إلا في تفاصيل بسيطة وجزئيات شكلية.

مع كل حكومة جديدة، يتطلع المغاربة إلى ما يمكن أن تحققه من أجل تحسين ظروفهم وأحوالهم المعيشية. لكن مع تراكم خيباتهم يبدو أنهم كفوا عن استدرار الأمل لينخرطوا في مهاوي اليأس ومكابدة الخذلان. هكذا يلقى بالمواطنين المعنيين على هامش مخططات التنمية، في برامج يُزعم أنها أعدت من أجل راحتهم وإسعادهم. لكن يتضح أنه لا يتم إدماجهم في فرص الانخراط العملي والحقيقي في التنمية، لتمارس عليهم سياسات عمومية غير واضحة بالقدر الكافي في توجهاتها، ويعتري تنفيذها الاختلال والتأجيل والبيروقراطية المقيتة، وبالتالي تتبخر وتضيع الطموحات المنشودة.

لقد كسبت حكومة أخنوش بسهولة ثقة البرلمان، كيف لا، وهي تمتلك أغلبية مريحة، لكن من أين لها اكتساب ثقة المواطنين، ومن أين ستضمن صدقيتها لدى المؤسسات والجهات الدولية، التي تدرك أن الانتخابات التي أفرزت تشكيلتها لم تكن نزيهة حقا، بل اعترتها "خشونة" التلاعب بالإرادة الشعبية؟

كيف ستعمل حكومة أخنوش من أجل الدفع باتجاه تخليق الحياة العامة، ومحاربة الفساد والرشوة، ومكافحة اقتصاد الريع والامتيازات والإثراء غير المشروع، وما الذي يحول دون مبادرتها لتصفية الجو السياسي وتحقيق الانفراج المرغوب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي من الصحفيين، ورفع المضايقات عن المدافعين عن حقوق الإنسان؟

إجهاض الانتقال الديمقراطي

قبل وصول حكومتي التكنوقراطي إدريس جطو (2002)، والاستقلالي عباس الفاسي (2007)، انشغل النظام أكثر بالتوجس من صعود المد الإسلامي، فأعد العدة لكبح زحفهم "المقدس"، بإنشاء حزب "ليبرالي حداثي" لمواجهة إخوان "العدالة والتنمية"، فقام الحزب الجديد تحت اسم "الأصالة والمعاصرة"، بنفس الأسلوب الذي أنشئت به من قبل أحزاب أخرى لا زالت أغلبها في الساحة، وعرفت تاريخيا بالأحزاب "الإدارية والمخزنية".

لكن اندلاع ثورات الربيع العربي ووصول لهيبها إلى المغرب، بعثر الأوراق وأجل مشروع حكومة يرأسها فؤاد علي الهمة مؤسس "حزب الأصالة والمعاصرة"، (المستشار الملكي حاليا). هكذا جرى الاستنجاد بحزب العدالة والتنمية، فتمت الاستعانة بلافتته الإسلامية ككتيبة إطفاء يقودها عبد الإله بنكيران، الذي بعدما راقه الكرسي الوثير واستكان لأضواء السلطة وجاذبيتها، واعتقد أن خدماته غير المشروطة للنظام وانبطاحه لقوى التحكم سيسمح له بالاستمرار في ولاية ثانية بفوز حزب العدالة والتنمية بالرتبة الأولى في انتخابات 2016. لكن تم خلعه وتنصيب بديله سعد الدين العثماني الذي تعهد بمواصلة "إصلاحات بنكيران" الاقتصادية والاجتماعية.

وقتها، في معرض كلامه عن برنامجه الحكومي أعرب العثماني عن تفاؤله مفتخرا:  "إن حزبه "لن تكون له إلا النجاحات المستمرة حالا ومستقبلا". لكن الوقائع والأحداث ستكذبه، عندما تعرض حزب "المصباح" في الانتخابات الأخيرة لنكسة كبرى ورجة قوية غير مسبوقة، يبدو أنه لن يشفى منها سريعا، ولا يعرف كيف سيتخلص "إخوان المغرب" من الإدانة الشعبية التي وشمت على جبينهم مسؤولية إجهاض "الربيع المغربي"، وإخلاف موعد المغاربة مع التاريخ، بعدما حانت لحظة الانتقال نحو الديموقراطية الحقيقية.

 الاختلاف حول الدبلجة

بعد جائحة كورونا  حصل التراجع عن عدة مكتسبات، خاصة منها المتصلة بحقوق الإنسان، واكب ذلك أن العياء دب في أوصال "حركة 20 فبراير"، فعاد المخزن لاستلام الأمور بقوة من جديد بيده. رغم أن جميع الأحزاب ورؤساء الحكومات التي توالت على الشأن العام لم يبدر منهم أدنى تفكير في "الخروج عن النص".

وبمراجعة سريعة لبرامج الحكومات السابقة سنلمس أنها برنامج الواحد المتعدد، برامج ذات لغة واحدة، أما المختلف عليه فهو الدبلجة إلى لغة "الماركتينغ" السياسي المنسجمة مع السياق والحاليات.

قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة نجح رجل الأعمال عزيز أخنوش في المهمة التي أوكلت إليه، وهي إزاحة عبد الإله بنكيران من المشهد الحكومي والحؤول دون تمكينه من ولاية ثانية في 2016، ولتحقيق هذه الغاية استعان الملياردير بـ"أحابيل" السياسي إدريس لشكر، في صنع ما عرف ب"البلوكاج". من هنا أتى وصف "البلطجي السياسي" الذي وجهه بنكيران مؤخرا إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.

ومنذ تعيينه على رأس التجمع الوطني للأحرار بتاريخ 29 أكتوبر 2016، سعى عزيز أخنوش للظهور بمظهر الزعيم المتمرس، واجتهد في الاقتباس من أداء الخطباء السياسيين، ومن عامية عبد الإله بنكيران الشعبوية. إلا أنه لم يوفق دائما، بل ارتكب أخطاء وزلات لسان، هوجم بسببها على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أهدر أخنوش الملايير من الدراهم في الدعاية، وفي مقدمتها الدعاية الرقمية، على الفيس بوك والوتساب أساسا.

إلا أن حزب التجمع الوطني للأحرار وحليفه في الحكومة حزب الأصالة والمعاصرة، يفتقران للامتداد الشعبي وللسند الجماهيري، رغم حصول أخنوش على دعم الميلودي مخارق الأمين العام للمركزية العمالية الاتحاد المغربي للشغل، في صفقة كتبت سطورها بليل.

 المشروع الأخنوشي

بعد إعلان الملك محمد السادس عن فشل النموذج التنموي الذي تنهجه البلاد منذ عقود، قام القصر بتشكيل لجنة خبراء أشرفت على إعداد تقرير استراتيجي، باركه العاهل وصفقت له باقي الأحزاب والهيئات السياسية التي كانت حتى الأمس القريب تشيد وتنوه وتطبِّل لنموذج تبين أنه لا يصلح.

وللتذكير، فإن أغلب الأحزاب المشاركة في الانتخابات الأخيرة تنافست حول أهليتها لتطبيق وتنزيل "البرنامج التنموي الجديد"، وعلى رأسها الأحزاب الثلاثة المكونة للفريق الحكومي الحالي برئاسة أخنوش.

لقد تواجد حزب التجمع الوطني للأحرار في أغلب الحكومات المغربية السابقة، وكان مشاركا أساسيا في التجربة الحكومية المحسوبة على الإسلاميين، وتولى بها حقائب وزارية رئيسية وجد هامة، مثل وزارات الاقتصاد والمالية، والصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، والسياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، إضافة إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات التي بقي أخنوش على رأسها ما يقرب من عقد ونصف.

لذلك يطرح تساؤل مشروع حول قسط أخنوش ونصيب حزبه من الحصيلة الكارثية والفاشلة التي رعتها ونفذتها الحكومات السابقة، والتي انعكست نتائجها سلبا على الفئات الشعبية وأضرت بأحوالها اليومية.

وليس غريبا أن تواجه حكومة أخنوش، قبل أن تستوي فوق مقاعدها، باحتجاجات شعبية من قطاعات عدة ومختلفة. وتتوصل بعدد من المذكرات المطلبية ورسائل التنبيه والتحذير، من منظمات نقابية وهيئات حقوقية انبرت للقيام بمعارضة الحكومة من خارج البرلمان، خاصة وأن ارتفاعا ملحوظا في أسعار المواد المعيشية الأساسية واكب وصول الحكومة الجديدة.

كما أن "المشروع الأخنوشي" أعلن عن نفسه قبل أن يعلن شكيب بنموسى عن نتائج اللجنة الاستشارية الملكية التي ترأسها ليقدم بين يدي الملك مشروع "النموذج التنموي الجديد" الذي صاغته لجنته (25 ماي 2021). إذ أن أخنوش استبق بنموسى بأزيد من سنة، حين قدم تصوراته ل"الإنقاذ" عبر مقال حمل توقيعه ونشر نصه بالفرنسية بيومية "أوجوردوي لوماروك" (14 أبريل 2020)، الصادرة عن المجموعة الإعلامية "بريس كاراكتير" التابعة للهولدينغ الاقتصادي "أكوا" لصاحبه عزيز أخنوش.

جاء المقال المشار إليه بمثابة تمهيد لخطة وبرنامج سياسي اقتصادي واجتماعي، يعكس وجهة نظر المقاولات المغربية والباطرونا. لذلك فإن البرنامج الحكومي ليس سوى توسيع لفكرة أخنوش التي جاء بها المقال المذكور، الذي طرح مساندة توجه الرفع من مستوى المديونية وتحمل المخاطر، ضاربا مثل "الاقتصادات الكبرى التي اختارت السماح لنفسها بتجاوزات كبيرة للمستويات المعتادة من عجز ميزانياتها، وأنه لا سبيل إلا الرفع من المديونية".

واضح أنه تصور لا يتناقض مع برنامج حكومة حزب العدالة والتنمية إلا في التطبيق والوسيلة والخطاب. وكأن أخنوش يستعير التعبير العامي "كبَّرْها تصغر"، للسير في اتجاه تعميق سياسة الليبرالية المتوحشة، دون الالتفات إلى مطالب الفئات والطبقات الاجتماعية وهيئاتها التمثيلية والنقابية. ما يرشح لحالة الاصطدام. وقد عبر عن هذا بقوله المبطن "خلونا نخدمو" (دعونا نعمل).

وليس مستغربا أن لا يأتي أخنوش بممارسة غير تلك التي يتقنها كرجل أعمال وصاحب مقاولات كبرى، وكشخص مقرب من أعلى سلطة في البلاد. إلا أن العمل الحكومي ليس هو تسيير الشركات، وإدارة المقاولات لا تنفع في مواجهة الشارع الذي عاد من جديد للتحرك والاحتجاج اليومي.

بضاعة سريعة التلف

ليس من باب الترف العدمي على الإطلاق، القول بأن التغيير الحقيقي لا يزال سرابا، أو القول بأنه ليست هناك إرادة هزم مواقع ورموز الفساد، وإنهاء المحسوبية والرشوة وإهدار المال العام، والانتصار للعدالة الاجتماعية والمجالية ولحقوق الإنسان والحريات، ووضع القطيعة مع ديمقراطية الواجهة والسلطوية والتحكم. هي حقائق ومكتسبات لا تبدو في الأفق المغربي القريب، رغم ما تشي به الأوضاع من تأزم واندحار.

لذلك، "يجب أن نشرع في تقديم الأجوبة وبدون تأخير، لأن الأمر يتعلق بالمستقبل القريب لبلادنا. ولهذه الغاية يجب إحداث فضاءات للنقاش والحوار، ومنصات مثل هاته من أجل تمكين الجميع من إيصال صوته والتعبير عن ما يخالجه".

هذا الكلمات المحصورة بين مزدوجتين، ليس مقتطفا من خطاب "تشويشي عدمي معارض"، بل هي كلمات موثقة لفاعل اقتصادي دخل غمار السياسة، ويصنف ثاني أغنى شخص في المغرب خارج العائلة الملكية، اسمه عزيز أخنوش. قالها قبل صعوده إلى رئاسة الحكومة. فهل سيتذكرها ويفي بتنفيذ مضمونها اليوم؟

أم أن الوعود بضاعة سريعة التلف. أو كما قال رجل الدولة والسياسي البروسي - الألماني أوتو فون بسمارك، في نهاية القرن التاسع عشر، أن "الكذب يكثر عادة قبل الانتخابات، وخلال الحرب، وبعد الصيد."


-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).