Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Muslim women offering prayers cast their shadows on a bus at a pilgrims camp on the outskirts of Ajmer, India, Thursday, June 9…

د. عماد بوظو - الفتوى في الإسلام مرسوم ديني يصدره عالم في الشريعة، معتمدا على الأدلة التي وجدها في القرآن والسنّة، وحسب هذا التعريف يمنح رجل الدين نفسه إمكانية الأمر والنهي والتوقيع عن الله في أمور جدلية مثل الحلال والحرام، والمستحب والمكروه.

وهناك مشكلة إضافية في الإسلام هي أن الفتاوى لا تقتصر على علاقة الإنسان بخالقه كما هو الحال عند أغلب الديانات الأخرى، بل تتعدى ذلك إلى كافة النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، فقد وسّع رجال الدين المسلمون من صلاحياتهم لتشمل كل مناحي الحياة باعتبار الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وباعتبار الشريعة الإسلامية كاملة لا تقبل التعديل ولا التبديل مهما طال الزمان، وما على المسلم سوى البحث في هذه الشريعة ليجد الإجابة على جميع تساؤلاته المتعلقة بأمور الدين والدنيا.

ونتيجة أهمية الفتوى ولأنها غير خاضعة لجغرافيا معينة، بل تشمل المسلمين في كل مكان، فقد كان المفروض أن ينحصر إصدارها على أشخاص محدّدين يملكون من المعرفة والفهم العميق للدين والإلمام الكامل باللغة العربية ما يمكنهم من إصدار الفتاوى.

ولكن العقود الأخيرة شهدت قيام مئات رجال الدين بإصدار الكثير من الفتاوى، منها ما كان يدعو للقتل، وأشهرها فتوى الخميني بقتل الكاتب سلمان رشدي، وعلى طريقتها صدرت عشرات الفتاوى من رجال دين سنّة بإهدار دم عدد من الشخصيات العامة في مختلف دول العالم، لأنهم رأوا أنهم هاجموا الدين الإسلامي في كتاب، أو مقال، أو تصريح، أو رسوم.

وقد نجم عن هذه الفتاوى عشرات العمليات الإرهابية التي أدت لمقتل الكثيرين، ولم تكن فتاوى القتل هذه سوى جزء بسيط من فتاوى التكفير التي انتشرت بشكل واسع خلال العقود الأخيرة.

كما تضمنت حمّى الإفتاء هذه فتاوى تتدخل في أدق تفاصيل الحياة مثل هل تجوز مشاهدة الراقصات في فيلم أو مسلسل، أو هل يجوز العمل بالأماكن السياحية التي تقدم الخمر، أو هل هناك حرمة لتحية المسلم للمسيحي، أو التودد إليه، أو تهنئته بأعياده، وما حكم وضع النقود بالبنوك أو بصناديق الاستثمار، أو هل يجوز تناول لقاح كورونا، إذا أستخدم أثناء تحضيره مكونات مأخوذة من الخنازير لصناعته أو حفظه، أو ما حكم نقل الأعضاء.

هذا بالإضافة إلى الاهتمام الاستثنائي الذي يوليه رجال الدين المسلمون للقضايا الجنسية، والذي أدى إلى إصدار فتاوى في هذا المجال تفوق مجموع  فتاوى قضايا الحياة الأخرى وبطريقة جعلت الكثير من المسلمين أسرى للتخيلات الجنسية مع خوف مرضي من انتشار "الفحشاء" بفعل مؤامرات مخطط لها في الغرب، بل إن الفقهاء المسلمين انقسموا حول بعض التفاصيل الجنسية وكأنها مواضيع بالغة الأهمية، مثل هل يجوز اعتلاء المرأة للرجل أثناء ممارسة الجنس، أم أنه يتناقض مع قوامة الرجل على المرأة، أو عدم جواز خلع الملابس أثناء العلاقة الجنسية بين الزوجين.

وفي نفس الفترة صدرت مجموعة من الفتاوى المضحكة، البعيدة عن العقل، والموجودة في كتب التراث، مثل إرضاع المرأة لزميلها في العمل حتى يسمح له بالخلوة الشرعية معها، بالإضافة إلى فتاوى تظهر هوسا بالجنس عند رجال الدين مثل عدم جواز جلوس الرجل على كرسي كانت تجلس عليه امرأة قبل دقائق، أو حرمة مصافحة المرأة إلا إذا كانت دميمة، أو حرمة نظر الشخص إلى أعضائه الجنسية خشية حدوث إثارة جنسية عنده، أو حرمة جلوس الأب وابنته بمفردهما، أو تحريم الإنترنت على المرأة دون وجود محرم بسبب خبث طويّتها! بالإضافة إلى عشرات الفتاوى التي تتناول تحريم إهداء الزهور وتعلّم اللغة الإنجليزية والتصفيق والتحية العسكرية ولعب كرة القدم.

والسبب الرئيسي لفوضى إصدار الفتاوى وجود عدد كبير من رجال الدين الذين منحوا أنفسهم حق إصدار الفتاوى وأوّلهم وأكثرهم أهمية "شيوخ السلطان" الذين رافقوا الإسلام منذ ظهور الممالك والإمارات الإسلامية الأولى، حين بحث الحكام عن رجال دين يضفون شرعية على سلطتهم ويسخّرون معلوماتهم الدينية لخدمتهم عبر ليّ أعناق النصوص لتناسب مصالح الحاكم.

ولم يقتصر دور هؤلاء على الفتوى، بل قام بعضهم باختراع أحاديث لتبرير مواقفهم مثل القول إنه يجب الصبر والسمع والطاعة للحاكم "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"!، والاكتفاء بمناصحتة والدعوة له بالخير، فلا يجب على المسلم أن ينازع أهل الأمر، أي الحكام.

والتاريخ الإسلامي كان دوما مليئا بأمثال هؤلاء، منهم من كان مكشوفا رخيصا ومنهم من كان أكثر دهاء، لكن أغلبهم لم يتمتع باحترام غالبية الشعب، وكان جمهورهم يقتصر على العوام.

وهذه الظاهرة مازالت مستمرة إلى اليوم وترافقت مع وجود عشرات الدول الإسلامية التي قام حكامها بتعيين رجال دين لتبرير قراراتهم والدفاع عن سياساتهم، مما أوجد عددا كبيرا من المراكز الدينية لكل منها مرجعيتها الخاصة وتوجهاتها التي كانت في كثير من الأحيان في حالة منافسة أو صراع مع مراكز إسلامية أخرى، تابعة لدول لها توجهات سياسية مختلفة.

وكانت أحزاب الإسلام السياسي السبب الثاني لانتشار هذه الفتاوى، لأن هذه الأحزاب تقوم بالأساس على فكرة أن الحاكمية لله وعلى تحكيم شرعه، وبالتالي ترى أن المرجعية الدينية هي الأساس في حياة المسلم فعملت لذلك على تشجيع اعتماد الفتوى الدينية كمرشد وحيد لحياة المسلم بديلا عن العلم.

وبما أن الإسلام السياسي في حالة خلاف دائم مع الأنظمة الحاكمة فقد أوجد مرجعياته الدينية الخاصة به، التي تختلف مع المراكز الدينية المرتبطة بالحكام وكانت مهمتها الرئيسية انتقاد الفتاوى التي تصدرها المراكز الدينية الرسمية، وتفنيدها والتشكيك في صحتها مما ضاعف من فوضى الفتاوى.

وهناك عامل ثالث لا يقل أهمية، وهو وجود أشخاص جعلوا من الدين مهنة لهم يعتاشون منها، ومن الممكن مشاهدة هؤلاء في مساجد جميع الدول الإسلامية وهم ينتظرون المشاركة في جنازة أو القيام بعقد قران مقابل ما يتيسّر من المال، وطبقة رجال الدين هذه يبلغ عددها مئات الآلاف إذا لم يكن أكثر، ومن هؤلاء من نجح ضمن محيطه رغم عدم وجود أي خلفية علمية له وأصبح بالتالي مرجعا يقوم بإصدار الفتاوى من أجل تحصيل المزيد من المال أو الشهرة.

وكان ظهور هؤلاء في الماضي يقتصر على تسجيلات الكاسيت التي تنتشر في وسائل المواصلات والمراكز التجارية، أما اليوم ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي واليوتيوب، فقد برز من رجال الدين نجوم ينافسون نجوم الفن والإعلام وحقق بعضهم عائدات مالية كبيرة اعتمادا على تحقيق أعلى المشاهدات، وهؤلاء هم سبب تسليط الضوء على فوضى الفتاوي الإسلامية حاليا.

ويبدو حتى الآن أن حمّى الفتاوى الدينية ستستمر على المدى المنظور، وستكون مادة للتندّر وستلحق المزيد من الضرر في المجتمعات الإسلامية حتّى يتوقّف الجهلاء عن إصدار الفتاوى بأمور لا يعرفون عنها شيئا، وإلى أن يتركوا الأمور الدنيوية للمختصين في العلوم والاقتصاد وعلم الاجتماع والطب، وحتى تتم محاسبة من يصدرون فتاوى تحض على الكراهية والعنف والقتل، وحتى يتوقف إخضاع الأمور الدينية للتجاذبات السياسية وإيجاد مرجعية دينية واحدة تحتكر إصدار الفتاوى، والأهم من كل ذلك إلى أن يعرف رجل الدين أهمية الفتوى والمسؤولية المترتّبة على إصدارها.

ويقدم البابا فرنسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية، التي تضم مليار ومئتي مليون مسيحي، مثالا لهؤلاء عندما سئل عن رأي الكنيسة في مجتمع المثليين فأجاب بكل تواضع "من أنا لأحكم"، لأنه يعرف انعكاسات ما يقوله، مع أن السؤال كان عن موقف الكنيسة وليس عن حكم الله، في حين لا يجد الكثير من رجال الدين المسلمين أي غضاضة بالادّعاء بأن ما يقولونه يعكس إرادة الله.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).