Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مؤيدو حزب العدالة والتنمية في المغرب (أرشيفية)
مؤيدو حزب العدالة والتنمية في المغرب (أرشيفية)

عبد الرحيم التوراني - كشفت نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت في المغرب بتاريخ 8 سبتمبر 2021، عن جملة من الأعطاب البليغة داخل التنظيمات الحزبية، وضمنها الأحزاب الثلاثة المكونة حاليا للتحالف الحكومي. إذ تبين أن امتلاك أطر حزبية لدى هذه الأخيرة مجرد زعم وادعاء غير صحيحين، فقد تم الاعتماد على شخصيات تكنوقراطية جرى صبغها بألوان حزبية. فالوزراء المحسوبين على حزب الاستقلال مثلا، ليس من بينهم استقلالي سوى الأمين العام (نزار بركة)، الأمر الذي خلف غضبا لدى أطر حزب الاستقلال المرشحة للوزارة.

أما لدى بقية الأحزاب، فقد ارتفعت أصوات من القواعد بضرورة عزل القيادات، كما حدث في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفي الاتحاد الدستوري، وفي حزب الحركة الشعبية. ومعلوم أن الحزبين الأخيرين يعدان من الأحزاب الموالية للقصر، التي اعتادت التواجد في الحكومة، وبعدما فرضت عليها اليوم أوزار المعارضة اختبأت في ما يسمى بـ"المساندة النقدية" للحكومة.

نفس التململ ضد القيادات عرفته أحزاب اليسار الاشتراكي الموحد، والطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والمؤتمر الوطني الاتحادي. وهي الأحزاب الثلاثة التي كانت تشكل "تحالف اليسار الديمقراطي" الذي انفرط عقده ليلة الانتخابات، فلم تحصل سوى على مقعدين، مكررة بذلك نتيجتها في انتخابات 2016.

كسور وكدمات 

لكن الأنظار تتجه الآن أكثر صوب حزب العدالة والتنمية "البيجيدي"، بسبب الهزيمة الكبرى التي مني بها في الانتخابات الأخيرة، بعد قيادته للتحالف الحكومي لمدة عشر سنوات كاملة، في ولايتين متتاليتين. هزيمة تجاوز صداها المغرب ليتردد عبر أرجاء المعمور. إذ أن أشد المتشائمين داخل حزب "البيجيدي" لم يكن ينتظر تلك النتيجة النكراء.

لقد تفرج العالم على سقوط هائل من موقع شاهق، من  125 نائبا إلى 13. واضح أن من دفع "البيجيدي" باتجاه هذا المهوى السحيق رسم كي لا تكون السقطة مؤدية إلى الموت بالارتطام على الأرض. ورتَّب كي لا تؤدي إلى القتل والهلاك التام، بل تخلف بعض الكسور والكدمات التي يصعب شفاؤها، بل قد تتحول إلى عاهات مستديمة. فـ"البيجدي" لما تأسس في تسعينيات القرن الماضي ببيت "رجل النظام" عبد الكريم الخطيب، تم خلقه كي يبقى ويستمر.

لهذا لم يستجب القصر لمطلب "الاستئصاليين" بحل حزب "المصباح"، إثر الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في 16 مايو 2003، بتحميل "البيجدي" المسؤولية المعنوية لتلك الهجمات الارهابية، بل إنه أتيحت للحزب إمكانيات أكثر للاندماج في العملية السياسية. ولما احتاج النظام لخدمات "البيجدي" كان التنظيم جاهزا وأبلى البلاء "الحسن" في إجهاض انتفاضة 20 فبراير المنبثقة عن ثورات الربيع العربي 2011. 

"بوتين - ميدفيديف" مغربيان

مثل باقي الأحزاب المعطوبة في معركة الانتخابات، التي أعلنت عن تنظيم مؤتمراتها قبل نهاية العام الحالي، يستعد حزب العدالة والتنمية لعقد مؤتمره الوطني العام في شهر ديسمبر المقبل. وقد انطلقت التحليلات والتوقعات في الحديث حول ما إذا كان "البيجدي" سيعمل على "لعق جراحاته" ولملمة صفوفه للنهوض من جديد، ومن سيكون الأمين العام الجديد لهذا الحزب ذو المرجعية الإسلامية، الذي شكّل في العقد الأخير قوة كبيرة داخل المشهد السياسي المغربي؟ وكيف بإمكان "البيجيدي" مواصلة تحمل مسؤوليته "في خدمة الوطن من موقعه الجديد"؟

منذ تأسيسه باسم العدالة والتنمية، حوالي ربع قرن، تناوب على قيادة حزب العدالة والتنمية شخصان، هما الطبيب النفسي سعد الدين العثماني والمدرس عبد الإله بنكيران. ومع الاحتمال القوي لعودة الأخير لقيادة دفة الحزب من جديد، يجد المتتبع كأنه بصدد التفرج على لعبة "تبادل المقاعد"، أو إزاء نسخة مغربية شبيهة بلعبة الثنائي الروسي "بوتين - ميدفيديف". 

في سنة 2016، أُلْزِم عبد الإله بنكيران على التقاعد وترْكِ رئاسة الحكومة والأمانة العامة للحزب، وقتها راجت أخبار عن احتمال تأسيس بنكيران لحزب جديد. لكن ذلك لم يحصل، أو لأنه لم يتلق إشارة الضوء الأخضر من أصحاب الحل والعقد في البلاد. تلا ذلك استفادته من تقاعد مجزٍ وغير مسبوق على الإطلاق (تسعة آلاف دولار شهريا). ظن البعض أن بنكيران سيتفرغ للتعبد والتدين، أو لمشاريعه التجاريه وتسيير المؤسسات التعليمية التي يملكها، أو أنه سيختلي لتدوين مذكراته.

إلا أن نفوذ بنكيران لم ينته بإبعاده عن رئاسة الحكومة، إذ ما لبث أن عاد إلى الواجهة بسرعة، ولم يركن ويبتعد عن الخوض في شؤون السياسة، بل ظل حاضرا في لجة الصراع الحزبي والسياسي العام، حريصا على مخاطبة الشارع المغربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وظل بيته بحي الليمون بالعاصمة مقصدا للمختلفين من "البيجدي"، ومزارا يتردد عليه من يحتاج منهم للمشورة والفتوى. وقد تدخل بنكيران أكثر من مرة وأدلى بدلوه في الموقف من مسألة التعليم باللغة الفرنسية، وغضب لما صوت إخوانه في البرلمان مع مؤيدي "الفرنسة".

وتدخل في الموقف من إباحة الحكومة لزراعة القنب الهندي، وخرج ببيان عبر فيه عن موقفه المناهض، مجمدا عضويته في المجلس الوطني لـ"البيجيدي". لكنه بادر للدفاع عن توقيع سعد الدين العثماني لوثيقة التطبيع مع إسرائيل. وقبل يومين من موعد الاقتراع في الانتخابات الأخيرة خرج بنكيران "خروجا اضطراريا"، كما قال، ليهاجم الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش، ناعتا إياه بعدم الأهلية لتولي المسؤولية الكبرى لافتقاره لـ"الكاريزما"، محذرا من تنصيبه على رأس الحكومة المقبلة.

 وفور إعلان نتائج ثامن سبتمبر 2021، تحدث عبد الإله بنكيران عن "وضعه الاعتباري كأمين عام سابق للحزب"، وحمَّل مسؤولية الخسارة لسعد الدين العثماني.

غرام وانتقام

لطالما تحدثت المجالس والتحليلات على أن عبد الإله بنكيران أصبح على هامش اللعبة، وأن خرجاته مجرد تنطعات جريح. لكنه اليوم يفند هاته المزاعم ويتهيأ للدخول بنفس متجدد في معترك الصراع السياسي. وهو ما يحبذه العديد من المنتمين والمتعاطفين مع "البيجيدي"، الذين يعتقدون أنهم لن يجدوا أفضل من بنكيران لإعادة تقويم الحزب ووضعه من جديد على سكة الانتصارات والنتائج الإيجابية، وأن بنكيران هو الأجدر بتولي الإشراف على تدبير المرحلة المقبلة للحفاظ على مستقبل العدالة والتنمية.

هل نحن بصدد لحظة تشفٍّ وانتقام لبنكيران ضد غريمه الحزبي العثماني، هذا الأخير الذي "خانه" وقبل أداء دور البديل، وكان بنكيران يأمل ألا يجد كومندو "البلوكاج" بديلا عنه، وأن لا مناص من التعامل معه. 

هل هي فرصة لرد الاعتبار لبنكيران الذي أُهين بإبعاده وجرى "الانقلاب" على حكومته قبل تشكيلها سنة 2016؟ 
هل لدى بنكيران رغبة انتقامية ضد "العثماني ومن معه" من مناصريه في "البيجدي"، ومعظمهم ممن استفادوا من نصيب "الكعكة المخزنية" في الحكومة والمجالس الاستشارية والمحلية والجهوية، الذين لم يكن بإمكانهم الاستفادة منها لو لم يقم بنكيران بفتحه الأبواب أول مرة؟  

أم أن عودة بنكيران غير المستبعدة، ستكون مرحلية ومؤقتة "من أجل فتح آفاق جديدة للحزب"؟، كما يذهب إلى ذلك البعض.

الحاجة لبنكيران

في السابق اشتكى بنكيران من "التماسيح والعفاريت" التي قال إنها عرقلت عمله على رأس الحكومة، وربما المطلوب منه اليوم العودة لمواجهة تلك المخلوقات بعد أن خرجت للعلن وأمسكت بمقاليد الشأن العام، وأن يتحول إلى عفريت خارق لإنقاذ "البيجيدي" أولا، بمهاراته السياسية، وأساسا لإعادة التوازن لمعارضة تتسم حاليا بالضعف والتشتت، من أجل المساهمة في عملية ضبط التوازن السياسي الذي يضمنه الملك.   

حتى الآن لم يتقدم أي أحد من داخل "البيجيدي" بورقة نقدية أو مشروع مراجعة فكرية وسياسية لقراءة أبعاد المرحلة وتداعيات حدث الانكسار الكارثي والآفاق المحتملة. ولم نتابع غير لصق الاتهام بالخصوم السياسيين، وبالتشكيك في نزاهة الانتخابات وعدم حياد السلطات "التي تلاعبت بمحاضر الاقتراع"، كل ذلك من دون المبادرة بطرح سياسي جديد ومختلف. بل أن طغيان مسألة تغيير القيادة واختيار الأمين العام الجديد، غطت على كل "أطروحة" وخطة لاستعادة المبادرة أو برنامج لإنقاذ الحزب.

لا ريب أن بنكيران سيستفيد من دعم النظام للتوفيق في مهمته الجديدة. يستشف هذا من الورود التي بدأت تلقى عليه من الإعلام الرسمي الموالي، ومن ثلة من "المحللين السياسيين" المعروفين بالتطبيل أكثر من التحليل، فبعدما كانوا بالأمس القريب متخصصين في الهجوم على بنكيران وشيطنته مع حزبه، انتقلوا الآن إلى تدبيج ما يشبه "قصائد" المديح وكلمات الإطراء في شخص بنكيران، وصاروا يقدمونه كسياسي محنك، يحظى بقدرات تواصلية هائلة "ستسهل من مهمته في إعادة ترميم حزبه". وأن تجربته القيادية "أبانت عن حجم القبول الذي يحظى به سواء داخل حزبه، أو في المجتمع". وأن لا أحد غيره يملك "إمكانية تذويب الخلافات وسط العدالة والتنمية". ما يطرح ضرورة الحاجة للزعيم بنكيران من أجل تحصين وجود "البيجيدي" في الساحة السياسية، وتفاديا لأي اندثار أو تصدع داخلي محتمل في صفوفه.

المرشد الأعلى

مرة صرح سليمان العمراني، نائب الأمين العام لـ"البيجيدي"، إن "عبد الإله بنكيران بدون خلاف كان زعيما وسيبقى زعيما". هكذا يتحول بنكيران إلى قائد سياسي ومرشد أعلى في ذات الوقت، رغم وجود "حركة التوحيد والإصلاح"، الجناح الدعوي للحزب، وكان يقوده أحمد الريسوني الذي خلف يوسف القرضاوي في رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، رغم نفي "البيجيدي" ارتباطاته بحركة الإخوان المسلمين. 

وسواء نجح بنكيران أو أخفق في "المهمة غير المستحيلة"، فإننا بصدد مرحلة جديدة من تاريخ العدالة والتنمية، مرحلة لا تتصل بالمشهد السياسي المغربي فقط، بل لها تأثيرها في الأفق العربي والامتداد الإسلامي. مما يضع "البيجيدي" عند منعرج صعب يحتم  عليه إعادة النظر في مشروعه السياسي والمرجعي. 

فمن أسباب صعود "البيجيدي" استفادته القصوى من تراجع اليسار وفشل اليمين الليبرالي، واستغلاله للخطاب الديني في الإقناع والاستقطاب في الأوساط الفقيرة أساسا. أما اليوم بعد أن تعرت سوأة "البيجدي" أمام جماهيره الحاضنة، يُخشى كثيرا من تصاعد نسب العزوف السياسي ومن الأفق المعتم؟ إذ ليس لدى بنكيران سوى ورقة الولاء المطلق للمؤسسة الملكية، الورقة التي صنعت منه "ملكيا أكثر من الملك"، وهو القائل أن (كلمة "لا" لا تقال لجلالة الملك). لكن الملك لا يثق في الإسلاميين بل يضعهم في موقع المنافس المهدد. وتلك هي المعضلة.

هل سينجح بنكيران في مهمته ودوره الجديد؟ وهل ستسهل مهمته بعد الاندحار الكارثي لـ"البيجيدي"؟ هل سيمسك بنكيران هذه المرة بالتماسيح والعفاريت من موقع المعارضة العنيدة، بعيدا عن "غرغري أو لا تغرغي" التي اقتبسها ذات يوم من الخليفة عمر بن الخطاب، لما كان الزعيم الإسلامي لم يذق بعد من ملذات الحكومة والسلطة ومن التقاعد الأكثر من مريح؟


-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت
رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت

حسين عبد الحسين

على مدى الأشهر الماضية، اشتكى رجل الدين العراقي مقتدى الصدر من سلسلة من المواضيع وطلب حظرها جميعها، كان أولها اعتراضه المتكرر على المثلية الجنسية وإصراره على معاقبتها في العراق والعالم، وثانيها معارضته لأي حوار عراقي مع أي إسرائيلي أو عضو في الماسونية، وثالثها امتعاضه لقيام سويدي بإحراق نسخة من المصحف في ستوكهولم، وآخرها مطالبته السعودية بالإيعاز لشبكة "أم بي سي" بعدم بث مسلسل رمضاني من المقرر أن يتناول حياة الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان.

مقتدى مولود في بغداد وتفتحت عيناه على عراق لجدرانه آذان، يخشى الأخ وشاية أخيه. عراق يسوده العنف والغضب وتكرار العراقيين لكلمتي "أبسطه"، أي أضربه، و"أضربه طلقة" أي أطلق عليه النار.

عراق عشائري قروسطوي، لا حقوق فيه للمرأة ولا للطفل ولا مساواة، بل هرمية قاسية يردد فيه من هم في القاع عبارة "نعم سيدي" عشرات المرات في اليوم، ويهللون للحاكم، صدام كان أو خامنئي أو مقتدى.

في الأسابيع التي تلت انهيار النظام، مررت على مدرسة لانتظر أولاد أقربائي. لفتتني عدد الرسومات التي كانت تتناول صدام، واحدة فيها صدام رياضي، وأخرى صدام المحارب، وثالثة صدام يقرأ. استللت كامرتي ورحت أصور، إذ، في لحظات، خرجت علي سيدة في منتصف العمر وعرّفت عن نفسها أنها المديرة.

قالت لي بثقة: ممنوع التصوير. كان النظام انهار قبل أيام والناس تنهب الوزارات والمحال التجارية. أجبتها: بأمر ممن؟ فكّرت المديرة وشعرت أني محقّ. التصوير كان ممنوعا في زمن صدام، ولكن في غيابه، لأي شخص الحرية بالتصوير أينما كان. تراجعت المديرة وأومأت لي بالمضي بالتصوير براحتي.

يوم اقتلع الأميركيون صدام، منحوا العراقيين الحرية، فكانوا كمن أطلق سماك من شباك الصياد وأعادوهم للبحر. لكن أجيال العراقيين نسيت السباحة، فغرقت في الحرية، ولم تعرف كي تستمع بها، أو كيف تحترم حق الآخرين بالاستمتاع بها.

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت، هذه المرة ارتدت زي أناس يتحدثون باسم رب العالمين بدال من الحديث باسم الأمة العربية المجيدة، على غرار ما كان يفعل صدام.

بعد 20 عاما على اقتلاع أميركا لصدام، ما تزال ثقافة العراقيين عنفية قاسية لا مكان للحرية فيها. الأقوى يحكمون حسب القانون العشائري وبعض تقاليد الإسلام، وعلى كل الناس أن تعبد الإله نفسه، وتصلي بالطريقة نفسها، وتلتزم العادات والتقاليد نفسها. من يخرج عن هذه التقاليد لأن دينه يخالفها، مثل االمسيحيين أو الصابئة، يتم التعامل معهم على أنهم أقلية غير مرئية، لا حقوق لهم إلا بعض الحقوق الرمزية على شكل مقعد أو أكثر في مجلس النواب، وربما وزير وزارة لا قيمة لها، مثل حقوق الإنسان، أو وكالة وزارة بالأكثر.

مقتدى الصدر من أكثر ضحايا صدام في العراق. فقد أبيه وإخوته على أيدي النظام السابق. رحل صدام، لكن مقتدى بقي يعيش في العقلية نفسها: منع وحظر وبطش وتحذير وصراخ.

الظريف هنا هو أن معارضة مقتدى لمسلسل معاوية تشبه معارضة مسلمي العالم لرسوم الكاريكاتير عن النبي محمد واعتراضهم، مثل مقتدى، ضد السويدي الذي أحرق القرآن. منطق معارضة غالبية المسلمين لأي ما يعتقدونه مسيئا لرسولهم أو كتابهم هو نفس منطق معارضة مقتدى لمسلسل معاوية، وهو منطق لا يفهم معنى الحرية، ويعتقد أن ما هو مقدس لديه يجب أن يحوز على احترام الآخرين وأن إهانة مقدسه هو إهانة له، ما يعني أن هذه الإهانة محظورة لأن الحرية تشترط الاحترام، وهذا طبعا هذيان.

لا احترام في الحرية. الحرية مطلقة لا قيود لها، باستثناء التحريض على القتل. الناس تختلف في المعتقدات والمقدسات، ومعتقدات البعض هي إهانة تلقائية لمعتقدات الآخرين. مثلا، رأي المسلمين أن المسيح لم يكن ابن الله ولم يتعرض للصلب، ولم يقم من الموت، هو رأي يطعن في قلب العقيدة المسيحية، وهو اعتقاد يساوي قول المسيحيين أن محمدا لم يكن رسولا ولا نزل عليه وحي.

هذا التضارب في المعتقدات والمقدسات هو الذي دفع من صمموا الدول ومبدأ الحرية الى اعتبار أن كل واحد مسؤول عن اعتقاده هو وحده، وأن لا وصاية له أو للجماعة أو للمجتمع أو للدولة على معتقدات أو آراء أو أفعال الآخرين، حتى لو كانت أفعالهم مسيئة له. 

مقتدى الصدر والشيعة عموما يلعنون معاوية بن أبي سفيان لاعتقادهم أنه لم يقبل بخلافة علي، بل نازعه عليها وحاربه ما أدى لمقتله. بعد ذلك، انتزع معاوية زعامة المسلمين من الحسن ابن علي، مع أن الحسن هو الذي بايع معاوية. ثم عند موت معاوية، لم يعترف الحسين ابن علي بخلافة يزيد ابن معاوية، ما أدى إلى معركة كربلاء التي قتل فيها جيش يزيد الحسين وصحبه. 

الشيعة يكرهون معاوية وكل الأمويين ويلعنونهم، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب تمسك شيعة إيران اليوم بمسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان. أما السنة، فيعتبرون معاوية من الصحابة، ويعتبرون الخلفاء الأمويين أمراء المؤمنين الذين بايعهم المسلمون، ويعزّون خصوصا عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز.

هذا اختلاف رأي واضح، من يحبهم السنة يلعنهم الشيعة، وهو ما يعني أنه يحق لكل من الطرفين التعبير عن رأيه الذي لن يعجب الآخر، بدون الحاجة للصراخ والقمع والعنف. والموضوع نفسه ينطبق على علاقة المسلمين بالغربيين الذين يهينون رموز الإسلام ومقدساته. للناس آراء مختلفة وحسب ما ورد في القرآن "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا كان كتاب المسلمين يسمح بالكفر، فلماذا يعتقد المسلمون أن عليهم فرض رقابة ومنع التجاوز على معتقداتهم ومقدساتهم؟

فلتبث شبكة "أم بي سي" مسلسل معاوية، ولتبث الشبكات التابعة لإيران مسلسل السيد المسيح (الذي منعته الكنيسة في لبنان)، وليبث القبطي الأميركي فيلمه المسيء عن الرسول، وليرسم من يرسم الرسول ويحرق من يحرق القرآن، بل التوراة أو أي كتاب يحلو لهم. الحرية مطلقة، وإلغاء القيود يخفف من الكبت والغضب والحاجة لإهانة الآخر والتضارب معه.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).