Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مؤيدو حزب العدالة والتنمية في المغرب (أرشيفية)
مؤيدو حزب العدالة والتنمية في المغرب (أرشيفية)

عبد الرحيم التوراني - كشفت نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت في المغرب بتاريخ 8 سبتمبر 2021، عن جملة من الأعطاب البليغة داخل التنظيمات الحزبية، وضمنها الأحزاب الثلاثة المكونة حاليا للتحالف الحكومي. إذ تبين أن امتلاك أطر حزبية لدى هذه الأخيرة مجرد زعم وادعاء غير صحيحين، فقد تم الاعتماد على شخصيات تكنوقراطية جرى صبغها بألوان حزبية. فالوزراء المحسوبين على حزب الاستقلال مثلا، ليس من بينهم استقلالي سوى الأمين العام (نزار بركة)، الأمر الذي خلف غضبا لدى أطر حزب الاستقلال المرشحة للوزارة.

أما لدى بقية الأحزاب، فقد ارتفعت أصوات من القواعد بضرورة عزل القيادات، كما حدث في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفي الاتحاد الدستوري، وفي حزب الحركة الشعبية. ومعلوم أن الحزبين الأخيرين يعدان من الأحزاب الموالية للقصر، التي اعتادت التواجد في الحكومة، وبعدما فرضت عليها اليوم أوزار المعارضة اختبأت في ما يسمى بـ"المساندة النقدية" للحكومة.

نفس التململ ضد القيادات عرفته أحزاب اليسار الاشتراكي الموحد، والطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والمؤتمر الوطني الاتحادي. وهي الأحزاب الثلاثة التي كانت تشكل "تحالف اليسار الديمقراطي" الذي انفرط عقده ليلة الانتخابات، فلم تحصل سوى على مقعدين، مكررة بذلك نتيجتها في انتخابات 2016.

كسور وكدمات 

لكن الأنظار تتجه الآن أكثر صوب حزب العدالة والتنمية "البيجيدي"، بسبب الهزيمة الكبرى التي مني بها في الانتخابات الأخيرة، بعد قيادته للتحالف الحكومي لمدة عشر سنوات كاملة، في ولايتين متتاليتين. هزيمة تجاوز صداها المغرب ليتردد عبر أرجاء المعمور. إذ أن أشد المتشائمين داخل حزب "البيجيدي" لم يكن ينتظر تلك النتيجة النكراء.

لقد تفرج العالم على سقوط هائل من موقع شاهق، من  125 نائبا إلى 13. واضح أن من دفع "البيجيدي" باتجاه هذا المهوى السحيق رسم كي لا تكون السقطة مؤدية إلى الموت بالارتطام على الأرض. ورتَّب كي لا تؤدي إلى القتل والهلاك التام، بل تخلف بعض الكسور والكدمات التي يصعب شفاؤها، بل قد تتحول إلى عاهات مستديمة. فـ"البيجدي" لما تأسس في تسعينيات القرن الماضي ببيت "رجل النظام" عبد الكريم الخطيب، تم خلقه كي يبقى ويستمر.

لهذا لم يستجب القصر لمطلب "الاستئصاليين" بحل حزب "المصباح"، إثر الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في 16 مايو 2003، بتحميل "البيجدي" المسؤولية المعنوية لتلك الهجمات الارهابية، بل إنه أتيحت للحزب إمكانيات أكثر للاندماج في العملية السياسية. ولما احتاج النظام لخدمات "البيجدي" كان التنظيم جاهزا وأبلى البلاء "الحسن" في إجهاض انتفاضة 20 فبراير المنبثقة عن ثورات الربيع العربي 2011. 

"بوتين - ميدفيديف" مغربيان

مثل باقي الأحزاب المعطوبة في معركة الانتخابات، التي أعلنت عن تنظيم مؤتمراتها قبل نهاية العام الحالي، يستعد حزب العدالة والتنمية لعقد مؤتمره الوطني العام في شهر ديسمبر المقبل. وقد انطلقت التحليلات والتوقعات في الحديث حول ما إذا كان "البيجدي" سيعمل على "لعق جراحاته" ولملمة صفوفه للنهوض من جديد، ومن سيكون الأمين العام الجديد لهذا الحزب ذو المرجعية الإسلامية، الذي شكّل في العقد الأخير قوة كبيرة داخل المشهد السياسي المغربي؟ وكيف بإمكان "البيجيدي" مواصلة تحمل مسؤوليته "في خدمة الوطن من موقعه الجديد"؟

منذ تأسيسه باسم العدالة والتنمية، حوالي ربع قرن، تناوب على قيادة حزب العدالة والتنمية شخصان، هما الطبيب النفسي سعد الدين العثماني والمدرس عبد الإله بنكيران. ومع الاحتمال القوي لعودة الأخير لقيادة دفة الحزب من جديد، يجد المتتبع كأنه بصدد التفرج على لعبة "تبادل المقاعد"، أو إزاء نسخة مغربية شبيهة بلعبة الثنائي الروسي "بوتين - ميدفيديف". 

في سنة 2016، أُلْزِم عبد الإله بنكيران على التقاعد وترْكِ رئاسة الحكومة والأمانة العامة للحزب، وقتها راجت أخبار عن احتمال تأسيس بنكيران لحزب جديد. لكن ذلك لم يحصل، أو لأنه لم يتلق إشارة الضوء الأخضر من أصحاب الحل والعقد في البلاد. تلا ذلك استفادته من تقاعد مجزٍ وغير مسبوق على الإطلاق (تسعة آلاف دولار شهريا). ظن البعض أن بنكيران سيتفرغ للتعبد والتدين، أو لمشاريعه التجاريه وتسيير المؤسسات التعليمية التي يملكها، أو أنه سيختلي لتدوين مذكراته.

إلا أن نفوذ بنكيران لم ينته بإبعاده عن رئاسة الحكومة، إذ ما لبث أن عاد إلى الواجهة بسرعة، ولم يركن ويبتعد عن الخوض في شؤون السياسة، بل ظل حاضرا في لجة الصراع الحزبي والسياسي العام، حريصا على مخاطبة الشارع المغربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وظل بيته بحي الليمون بالعاصمة مقصدا للمختلفين من "البيجدي"، ومزارا يتردد عليه من يحتاج منهم للمشورة والفتوى. وقد تدخل بنكيران أكثر من مرة وأدلى بدلوه في الموقف من مسألة التعليم باللغة الفرنسية، وغضب لما صوت إخوانه في البرلمان مع مؤيدي "الفرنسة".

وتدخل في الموقف من إباحة الحكومة لزراعة القنب الهندي، وخرج ببيان عبر فيه عن موقفه المناهض، مجمدا عضويته في المجلس الوطني لـ"البيجيدي". لكنه بادر للدفاع عن توقيع سعد الدين العثماني لوثيقة التطبيع مع إسرائيل. وقبل يومين من موعد الاقتراع في الانتخابات الأخيرة خرج بنكيران "خروجا اضطراريا"، كما قال، ليهاجم الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش، ناعتا إياه بعدم الأهلية لتولي المسؤولية الكبرى لافتقاره لـ"الكاريزما"، محذرا من تنصيبه على رأس الحكومة المقبلة.

 وفور إعلان نتائج ثامن سبتمبر 2021، تحدث عبد الإله بنكيران عن "وضعه الاعتباري كأمين عام سابق للحزب"، وحمَّل مسؤولية الخسارة لسعد الدين العثماني.

غرام وانتقام

لطالما تحدثت المجالس والتحليلات على أن عبد الإله بنكيران أصبح على هامش اللعبة، وأن خرجاته مجرد تنطعات جريح. لكنه اليوم يفند هاته المزاعم ويتهيأ للدخول بنفس متجدد في معترك الصراع السياسي. وهو ما يحبذه العديد من المنتمين والمتعاطفين مع "البيجيدي"، الذين يعتقدون أنهم لن يجدوا أفضل من بنكيران لإعادة تقويم الحزب ووضعه من جديد على سكة الانتصارات والنتائج الإيجابية، وأن بنكيران هو الأجدر بتولي الإشراف على تدبير المرحلة المقبلة للحفاظ على مستقبل العدالة والتنمية.

هل نحن بصدد لحظة تشفٍّ وانتقام لبنكيران ضد غريمه الحزبي العثماني، هذا الأخير الذي "خانه" وقبل أداء دور البديل، وكان بنكيران يأمل ألا يجد كومندو "البلوكاج" بديلا عنه، وأن لا مناص من التعامل معه. 

هل هي فرصة لرد الاعتبار لبنكيران الذي أُهين بإبعاده وجرى "الانقلاب" على حكومته قبل تشكيلها سنة 2016؟ 
هل لدى بنكيران رغبة انتقامية ضد "العثماني ومن معه" من مناصريه في "البيجدي"، ومعظمهم ممن استفادوا من نصيب "الكعكة المخزنية" في الحكومة والمجالس الاستشارية والمحلية والجهوية، الذين لم يكن بإمكانهم الاستفادة منها لو لم يقم بنكيران بفتحه الأبواب أول مرة؟  

أم أن عودة بنكيران غير المستبعدة، ستكون مرحلية ومؤقتة "من أجل فتح آفاق جديدة للحزب"؟، كما يذهب إلى ذلك البعض.

الحاجة لبنكيران

في السابق اشتكى بنكيران من "التماسيح والعفاريت" التي قال إنها عرقلت عمله على رأس الحكومة، وربما المطلوب منه اليوم العودة لمواجهة تلك المخلوقات بعد أن خرجت للعلن وأمسكت بمقاليد الشأن العام، وأن يتحول إلى عفريت خارق لإنقاذ "البيجيدي" أولا، بمهاراته السياسية، وأساسا لإعادة التوازن لمعارضة تتسم حاليا بالضعف والتشتت، من أجل المساهمة في عملية ضبط التوازن السياسي الذي يضمنه الملك.   

حتى الآن لم يتقدم أي أحد من داخل "البيجيدي" بورقة نقدية أو مشروع مراجعة فكرية وسياسية لقراءة أبعاد المرحلة وتداعيات حدث الانكسار الكارثي والآفاق المحتملة. ولم نتابع غير لصق الاتهام بالخصوم السياسيين، وبالتشكيك في نزاهة الانتخابات وعدم حياد السلطات "التي تلاعبت بمحاضر الاقتراع"، كل ذلك من دون المبادرة بطرح سياسي جديد ومختلف. بل أن طغيان مسألة تغيير القيادة واختيار الأمين العام الجديد، غطت على كل "أطروحة" وخطة لاستعادة المبادرة أو برنامج لإنقاذ الحزب.

لا ريب أن بنكيران سيستفيد من دعم النظام للتوفيق في مهمته الجديدة. يستشف هذا من الورود التي بدأت تلقى عليه من الإعلام الرسمي الموالي، ومن ثلة من "المحللين السياسيين" المعروفين بالتطبيل أكثر من التحليل، فبعدما كانوا بالأمس القريب متخصصين في الهجوم على بنكيران وشيطنته مع حزبه، انتقلوا الآن إلى تدبيج ما يشبه "قصائد" المديح وكلمات الإطراء في شخص بنكيران، وصاروا يقدمونه كسياسي محنك، يحظى بقدرات تواصلية هائلة "ستسهل من مهمته في إعادة ترميم حزبه". وأن تجربته القيادية "أبانت عن حجم القبول الذي يحظى به سواء داخل حزبه، أو في المجتمع". وأن لا أحد غيره يملك "إمكانية تذويب الخلافات وسط العدالة والتنمية". ما يطرح ضرورة الحاجة للزعيم بنكيران من أجل تحصين وجود "البيجيدي" في الساحة السياسية، وتفاديا لأي اندثار أو تصدع داخلي محتمل في صفوفه.

المرشد الأعلى

مرة صرح سليمان العمراني، نائب الأمين العام لـ"البيجيدي"، إن "عبد الإله بنكيران بدون خلاف كان زعيما وسيبقى زعيما". هكذا يتحول بنكيران إلى قائد سياسي ومرشد أعلى في ذات الوقت، رغم وجود "حركة التوحيد والإصلاح"، الجناح الدعوي للحزب، وكان يقوده أحمد الريسوني الذي خلف يوسف القرضاوي في رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، رغم نفي "البيجيدي" ارتباطاته بحركة الإخوان المسلمين. 

وسواء نجح بنكيران أو أخفق في "المهمة غير المستحيلة"، فإننا بصدد مرحلة جديدة من تاريخ العدالة والتنمية، مرحلة لا تتصل بالمشهد السياسي المغربي فقط، بل لها تأثيرها في الأفق العربي والامتداد الإسلامي. مما يضع "البيجيدي" عند منعرج صعب يحتم  عليه إعادة النظر في مشروعه السياسي والمرجعي. 

فمن أسباب صعود "البيجيدي" استفادته القصوى من تراجع اليسار وفشل اليمين الليبرالي، واستغلاله للخطاب الديني في الإقناع والاستقطاب في الأوساط الفقيرة أساسا. أما اليوم بعد أن تعرت سوأة "البيجدي" أمام جماهيره الحاضنة، يُخشى كثيرا من تصاعد نسب العزوف السياسي ومن الأفق المعتم؟ إذ ليس لدى بنكيران سوى ورقة الولاء المطلق للمؤسسة الملكية، الورقة التي صنعت منه "ملكيا أكثر من الملك"، وهو القائل أن (كلمة "لا" لا تقال لجلالة الملك). لكن الملك لا يثق في الإسلاميين بل يضعهم في موقع المنافس المهدد. وتلك هي المعضلة.

هل سينجح بنكيران في مهمته ودوره الجديد؟ وهل ستسهل مهمته بعد الاندحار الكارثي لـ"البيجيدي"؟ هل سيمسك بنكيران هذه المرة بالتماسيح والعفاريت من موقع المعارضة العنيدة، بعيدا عن "غرغري أو لا تغرغي" التي اقتبسها ذات يوم من الخليفة عمر بن الخطاب، لما كان الزعيم الإسلامي لم يذق بعد من ملذات الحكومة والسلطة ومن التقاعد الأكثر من مريح؟


-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).