Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Girl,Typing,On,A,Typewriter

كوليت بهنا - فوجئت قبل أيام بصديقة مقيمة في إسبانيا تبارك لي بعيد الكاتبات النساء!!! أبديت استغرابي من الأمر، حيث لم يسبق لي أن علمت بوجود احتفالية عالمية كهذه، كما أنني بحثت مطولاً ولم أعثر على ما يفيدني في الأمر.

إلا أنها عادت وزودتني بالترجمات الصادرة عن منظمة النساء الإسبانية التي توضح أنها احتفالية حديثة العهد، بدأ تفعيلها عام 2016 وتقام في يوم الاثنين الأقرب إلى الخامس عشر من أكتوبر، أي عيد سانتا تيريزا التي كتبت قصة حياتها في القرن التاسع عشر.

تتلخص المبادرة الاحتفالية الإسبانية التي دعت إليها المكتبة الوطنية، بالعمل لأجل استعادة إرث الكاتبات وإبراز عملهن في الأدب ومكافحة التمييز الذي عانين منه عبر التاريخ. كما تسعى إلى البحث الدؤوب للكشف عن أسماء الكاتبات المجهولات اللواتي لم يكن لديهن مساحة ولا مكانة أو تم إقصاؤهن من تاريخ الأدب الذي يحكمه النظام الأبوي. أضف إلى العمل لإعادة النظر في النظام التعليمي الذي كان ناقلاً لهذه التفاوتات في جميع مجالات المعرفة، ومسؤولية المجتمع والمثقفين أنفسهم في إبقاء أصوات النساء الكاتبات مخفية.

مبادرة أعادت لي كلماتها المؤثرة سيلا من الذكريات والتداعيات المتعلقة بالتمييز ضد المرأة  بشكل عام، والتمييز ضد الكاتبات بشكل خاص. وهي ممارسات ظالمة اختبرتها معظم الكاتبات العربيات على الصعيد الشخصي، أو تجارب قاسية واجهتها العديد من الكاتبات الزميلات في فضاء الأدب أو أي نتاج كتابي تصدره النساء. حيث يمكن للمرء بنظرة سريعة في فضاء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بصفتيهما أحدث منافذ التعبير، الاطلاع على حجم ردود الفعل الذكورية المناهضة لما تكتبه المرأة بشكل عام.

تكفر أي امرأة كاتبة تكتب أو تناقش في الأمور الدينية، وتتعرض لأبشع الإهانات الشخصية حين تكتب عن الجسد أو تقارب المواضيع الجنسية ولو من باب السرد الروائي المتخيل. وفي الوقت الذي تطالب به أن تتحرر كتاباتها من التابوهات، لا تقع بين أنياب المجتمع فقط، بل تلوكها ألسنة المثقفين ورجال النقد والأدب الذكور والنساء على حد سواء، وينسب كل ما تكتبه إلى تجاربها الشخصية ولياليها الحمراء، في شخصنة فاقعة لنتاجها تصمها وتصنفها في خانة الشبهات الأخلاقية، وتجلب لها الغمز واللمز والابتسامات الخبيثة كلما مر ذكرها.

في تقدمها الحديث زمنياً لخوض غمار الكتابة عن الشأن السياسي أو تحليله، ما زالت محدودة الأفق وقاصرة آلاف السنوات الضوئية عن مقاربة الفكر السياسي صعب التفكيك والفهم الخاص المناط بالفكر الذكوري حصرياً وأزلياً.

افتتاحيات الصحف التي قد توكل إليها أحياناً، غير كفؤة في تقييمها مهما اجتهدت، بل مضحكة وساذجة وخرقاء. وبشكل عام يتم النظر إلى أي شكل من الكتابات التي تنتجها النساء على أنها غير ذات قيمة مضافة، قاصرة وتحتاج إلى مزيد من التمرين والخبرات الزمنية.

في الحديث عن أهمية الخبرات الزمنية، لا بد من التوقف عند تاريخ بدء دخول المرأة عوالم التعليم أو العمل أو الكتابة أو حتى المشاركة المجتمعية. والحديث هنا يخص المرأة العربية التي لا يتجاوز عمر بدء انعتاقها التدريجي مائة عام أو أقل. وهو زمن يعتبر خجولاً قياساً بالخبرات الذكورية طويلة الأمد.

رغم ذلك، تمكنت العديد من الأسماء النسائية، وخلال هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبياً، من مواجهة التحديات وأثبتن حضوراً ملفتاً في جميع مجالات الحياة، ومجالات الكتابة والمعرفة بشكل خاص.

لكنها مهما أنتجت وفعلت، ما زالت أسيرة نظام أبوي لم يتحرر من رسوخ معتقداته التي تبيح له الوصاية عليها شخصياً وعلى ماتنتجه. ففي عالم الأدب، ما زالت تعامل من العديد من النقاد الذكور معاملة فوقية أو عاطفية خاصة فيما لو تصادف أنها كاتبة وشابة وجميلة.

حيث ستلقى بعض دعمهم ودفاعهم المستميت عن إنتاجها مع إمكانية تصحيح الكتابة لها والتدخل السري في نصها أحياناً، كما تكال لها المدائح المجانية، دون تقييم نقدي حقيقي لنتاجها. مع عكس مسار هذه السلوكيات تماماً فيما لو تصادف أنها كاتبة جيدة لكنها غير جميلة أو لا تتمتع بمواصفات أنثوية بارزة لسوء الحظ.

لا تعفى بعض الكاتبات النساء -الجميلات بشكل خاص- من مسؤولية ما تقدم والمشاركة في نتائجه المدمرة على عالم الأدب وحياتهن الشخصية. إذ مازالت بعضهن، لغايات الشهرة وتسريع خطاهن والظهور المتسرع تحت الأضواء، يلجأن إلى مثل بعض هؤلاء النقاد الذكور أو الاحتماء بعباءة اسم كاتب مشهور.

في المحصلة يراكمن إنتاجاً مزوراً، ويؤكدن أنهن بدورهن لم يتحررن من هذه الوصاية الذكورية التي يدعين أنها تمارس ضدهن.

الكثير من المراجع الأدبية والنقدية التي تتصدى لها بعض الباحثات من النساء المختصات أو من المختصين الذكور تتقصد أحياناً تغييب وإغفال وإسقاط العديد من أسماء الكاتبات الجيدات، تحت ذرائع عدم المعرفة بأسمائهن أو الاطلاع على نتاجهن أو سقوط أسمائهن سهواً. ليتبين في معظم الأوقات، أنها مجرد ذرائع واهية، وأن فعل التغييب حدث  بقصدية مطلقة لدوافع الغيرة والشخصنة أو الشللية أو بعض الأحقاد الشخصية القدمة بينهم وبين الكاتبات المميزات.

يطول الحديث عن هذا الأمر، لكنه متخم بالمرارات التي تعانيها النساء الكاتبات في جميع المجالات، العربيات بينهن بشكل خاص. وفي كل مرة تناقش به هذه القضايا، يعاد طرح الإشكالية الدائمة التي تشبه إشكالية تحديد جنس الملائكة، أي عن الأدب النسائي  والأدب الذكوري والفوارق بينهما. وهي معضلة نقدية لم تعثر على جواب ثابت لها، لكن المنطق النقدي العقلاني يفترض أن معايير الجودة والتفرد والابتكار والموهبة هي الفيصل والحَكَم، أياً يكن جنس صاحبته أو صاحبه.

في العودة إلى سياق المبادرة الإسبانية المشتهاة التي تحتفي بالكاتبات النساء، جاء في مقدمة نص المبادرة أن :"عادة ما يُفرز صوت المرأة نَفَسَاً مُجهِداً وإدراكاً دائماً أن الحياة يجب أن تتطلب منهن أكثر مما تتطلبه من الرجال".

هذا هو جوهر الصراع الذي تخوضه المرأة في حياتها بالمجمل، وفي خوضها الخاص لغمار الكتابة بشكل أساسي، وهو درب طويل وشائك للغاية، لكنه شيق ومغرٍ ويستحق السعي لأجل الاستمرار في إعلاء صوت النساء وخلق التوازن الحقيقي لمعنى الحياة التي ستبقى عرجاء حين تستمر في القيام على ركيزة واحدة وتُغيّب الأخرى.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

حسن منيمنة

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).