Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

أخلاق الدين وأخلاق الضمير

28 أكتوبر 2021

بقلم: سناء العاجي

 

في جلسة بين عدد من طلبة الكلية، جمعت بين شباب يساريين وإسلاميين وملحدين وطلبة بدون أي انتمائي سياسي أو إيديولوجي، سأل الشاب الإسلامي صديقه الملحد، بكل عفوية، وهو مقتنع بجدية سؤاله: "هل تنكح أمك؟".  

انفجرت إحدى الطالبات ضحكا وغضبا وهي تسأل صديقهم الإسلامي: "هل ما يمنعك من أن تنكح أمك هو الدين؟ هل غدا، إن تغير موقفك من الدين، ستنكح أمك؟" 

الحكاية حقيقية وليست حتى بالقديمة؛ وهي تترجم تصور عدد من المتدينين والإسلاميين للقيم وللأخلاق. بالنسبة لهم، الدين وحده يؤطر الأخلاق والسلوك ويمنع الفرد من الممارسات المشينة والسلبية؛ ولا وجود لأي إطار ممكن للأخلاقيات الإيجابية والسلوك المواطن خارج الدين والتدين. 

في تصور هؤلاء، وفي مرحلة أولى، الملحد والعلماني سواء لا فرق ببينهما؛ رغم أن العلماني قد يكون شخصا متدينا. لكن تصور الكثيرين عن العلمانية يجعلها في نفس مستوى الإلحاد، بل قد تكون عندهم مرادفا لمعاداة الدين.  

في مرحلة ثانية، بالنسبة لهؤلاء، إن كنت علمانيا أو لا دينيا أو ملحدا، فأنت بالتأكيد شخص بدون أخلاق ولا قيم، تمارس الجنس مع أمك وأختك وابنتك، قد تسرق وتخون الأمانة، تسكر وتغش وتعنف والديك.

إن كنتِ امرأة، فأنت بالتأكيد تمارسين الجنس مع جميع الرجال وربما مع الأطفال والحيوانات أيضا. تمارسين الجنس الجماعي وتشربين المواد الكحولية (لا يهم إن كنت ترغبين في شربها أم تفضلين عصير البرتقال. بالنسبة لهم، ما دمتِ علمانية أو ملحدة أو مدافعة عن قيم الحداثة والحريات الفردية، فأنت بالضرورة تشربين المواد الكحولية وتمارسين الجنس بدون أي رادع وتجهضين كل خمسة أيام دون إي إحساس بالذنب. ألست علمانية حداثية؟). 

للأمانة، وحين يتعلق الأمر بالنساء، فهذا تصور قد يشترك فيه الإسلاميون مع بعض الحداثيين. ضمن هؤلاء أيضا، قد نجد عينة تعتبر أن كل امرأة حداثية هي بالضرورة امرأة تمارس الجنس بدون أي ضوابط، ليس بناء على اختياراتها لكن متى ما أتيحت لها الفرصة لذلك.

كما أنها تشرب الكحول بالضرورة؛ رغم أن الكحول ليس رديفا للحداثة ولا الامتناع عنه رديف للتخونج، بل قد يكون مسألة ذوق لا غير. لا يدركون بشكل كاف أن الحداثية التي تحررت من ضغط المجتمع على جسدها، تتعامل معه باحترام كاف يجعلها تمارس الجنس مع شريك تختاره، وحين ترغب في ذلك... وهذا وازعها الأخلاقي الذي يؤطرها! لكن، للأسف، في التخلف المرتبط بأجساد النساء، قد يلتقي الكثير من الإسلاميين مع الكثير من الحداثيين (أو أشباههم؟). 

بالعودة لموضوعنا الأصل، سنتذكر أن أصدقاءنا الإسلاميين لا يستطيعون أن يتصوروا لك أي منظومة قيم، ما دمتَ، بالنسبة لهم، خارج منظومة القيم الوحيدة التي يعرفونها ويعترفون بها: الدين والتدين. 

للأسف، هناك منظومة من التصورات تجعل الكثير من الأشخاص لا يفصلون الدين عن الأخلاق، بل ويعتقدون أن الدين هو المحرك الوحيد للأخلاق: أن تكون متدينا، فأنت تخاف الله وتخاف جهنم، وبالتالي، فأنت لا ترتكب المعاصي. فهل الخوف من جهنم وحده يستطيع أن يؤطر سلوك الفرد؟ 

بالمقابل، فأن تكون علمانيا مدافعا عن فصل الدين عن الحياة العامة، أو ملحدا أو لا دينيا، فبالتالي لن يكون لك أي رادع. وكأن الخوف من عقاب الله وحده يستطيع أن يؤطر سلوك الفرد، وليس إيمانه بقيم المواطنة والعيش المشترك والسلوكيات الإيجابية. 

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).