Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

A Moroccan protester lifts a placard in Arabic which reads "my body my freedom" during a demonstration in the city of Rabat on…

سناء العاجي - نحاول أن نتخيل أنفسنا أمام مجموعة من المدافعين عن الحداثة وحقوق الإنسان والحريات الفردية والمساواة. بسبب مطلب معين تواجه به هذه المجموعة الدولة، سترفع شعار: "حجابي... عفتي".

لنحاول أن نتخيل أنفسنا على صفحة إحدى الشابات المنتميات لهذا التيار والمدافعات الشرسات عن المساواة وحقوق النساء، ونكتشف أنها كتبت في تعريف نفسها: "أميرة في بيت زوجي".

ببساطة، سنعتبر حينها أن هؤلاء الأشخاص لا يشبهون أنفسهم ولا الشعارات التي يدافعون عنها، وأنهم يستغلون هذه الشعارات أو القيم لأسباب أخرى، أو أنهم ربما مستعدون للتخلي عنها في أي مناسبة أتيحت لهم للتفاوض أو من أجل تحقيق مآرب أخرى.

هذا بالذات ما حدث مع عدد من التيارات المحافظة و/أو المناهضة لقيم الحريات الفردية، والتي تعتبر هذه الحريات فسادا وانحلالا... والتي خرجت فجأة، في المغرب، ترفع شعار "جسدي... حريتي".

لا تخافوا، هؤلاء لم يقتنعوا أخيرا بالحق في امتلاك الجسد كقيمة مطلقة. مشكلتهم فقط مع التلقيح ضد كوفيد 19. هذا التلقيح ذكّرهم، فجأة، بالحريات الفردية.

نحن هنا أمام مغالطة أولية تكذب في مفهوم الحرية الفردية نفسه. ببساطة، هذا المفهوم يتعلق باختيارات لا تمس أرنبة أنف الآخر. بمعنى أن الاختيارات الدينية والجنسية والعاطفية للفرد تدخل ضمن الحريات الفردية لأنها لا تؤثر على سلوك واختيارات الآخر. 

ببساطة، يمكنك ألا تصوم في رمضان، لكن هذا لن يفرض على جارك نفس الاختيار. هذا الجار سيستطيع أن يصوم ويصلي التراويح ويذهب فجرا للمسجد. يمكنك أن تمتنعي عن شرب المواد الكحولية، لكن الحريات الفردية ستضمن لزميلك أن يشربها، على ألّا يسبب أذى للآخرين عبر السياقة في حالة سكر مثلا. يمكنك أن تعيش اختياراتك الجنسية المثلية أو الغيرية بحرية، وبإمكان أختك أن تفعل نفس الشيء إذا كان ذلك قرارها (نعم نعم... لأن الحريات لا تتعلق بجسدك فقط بل بأجساد الجميع)، لكن ابن خالتك يستطيع أن يختار العكس وأن يقرر الامتناع عن كل علاقة جنسية خارج الزواج.

هذا هو مفهوم الحريات الفردية... وهو قطعا يتنافى مع موضوع التلقيح. لماذا؟ لأنك حين ترفض تلقيح نفسك، وتريد رغم ذلك أن تذهب للمسجد أو الكنيسة وللمستشفى ومكتب البريد والمقهى الذي يوجد قرب مقر عملك... فأنت تهدد حياة الآخرين الذي قد يهددون بدورهم حيوات غيرهم. 

الدراسات العلمية اليوم أثبت أن الأشخاص الملقحين قد يصابون بالفيروس (الرجاء، عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، أن توصلا هذه المعلومة لجيرانكم وزملائكم وحارس الأمن وابنة خالة سائق سيارة الأجرة، الذين مازالوا يتساءلون باستنكار: "أعرف شخصا أخذ جرعتين من التلقيح لكنه أصيب بالفيروس"). لكن التلقيح يقلل من الأعراض الخطيرة ومن مدى قدرة الفيروس على الانتقال من شخص A إلى شخص B بالتالي، فرفض التلقيح ليس حرية شخصية بقدر ما هو اختيار لن يؤثر فقط على صحتك وحياتك، بل أيضا على حيوات الآخرين. فأين الحرية الفردية إذا؟ 

الحكومة الألمانية، مثلا، أعلنت مع بداية نوفمبر عن الارتفاع المهول لحالات الإصابات بين الأشخاص غير الملقحين: 20 ألف حالة جديدة خلال 24 ساعة مع ارتفاع الحالات التي تستدعي الانتقال للمستشفى بنسبة 40٪ و15٪ في الإنعاش. نفس الدراسة في ألمانيا أثبت أن 40٪ من الأشخاص البالغين من العمر 70 سنة وما فوق يفقدون مناعة اللقاح بعد مرور ستة أشهر على الجرعة الثانية، مما يستدعي بالفعل جرعة تذكير ثالثة لاستعادة المناعة التي يوفرها اللقاح.

باختصار، لنعد لتعريف الحرية الفردية: الأخيرة تعني أن تقوم باختيار شخصي لا يؤثر على اختيارات الآخرين. حين يختار شخص التلقيح، فهو يحمي نفسه ويحمي غيره. حين يختار نفس الشخص عدم التلقيح، فهو لا يختار لنفسه فقط، بل لكل من قد يصادفه في بيته أو في عمله أو في الشارع والفضاءات العامة. فأين الحرية الفردية هنا؟ 

ثم، صدقا، على من كانوا يعادون كل مطالب الحريات الفردية أن يخجلوا من أنفسهم قليلا وهم يرفعون اليوم شعارات: "جسدي... حريتي!".

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

المنافقون
المنافقون

سناء العاجي الحنفي

حين نكون في حضرة شخص محافظ، بينما ندافع نحن عن قيم الحداثة والحريات العامة والفردية والحقوق والمساواة بين الجنسين وحرية المعتقد وغير ذلك من القيم التي تنتصر للفرد واختياراته، يكون من الطبيعي أن تختلف وجهات النظر والتصورات! 

المشكلة الكبرى هي حين نكون أمام أشخاص محافظين.. لكنهم مصرون على ادعاء الحداثة. أشخاص يجمعون في نصف جملة بين حقوق النساء وبين تحميلهن كامل المسؤولية في حالة التحرش أو العنف أو الحمل غير المرغوب فيه. يضعون في نفس الفقرة العلاقات الجنسية الرضائية من جانب، والاغتصاب أو الاعتداءات الجنسية على الأطفال من جانب آخر. 

أولئك الذين يصرون على أن نقاش حقوق المثليين والمتحولين جنسيا هو نقاش يؤسس له مخطط دولي سري، وليس فقط البحث عن حقوق فئة من المواطنين تسعى للعيش في سلام دون أن يكون توجهها الجنسي والحميمي مؤثرا في سلامتها وفي مواطنتها. 

أولئك الذين ينهون دائما عباراتهم بـ: "لكن": "أنا مع حقوق النساء، لكن...". "أنا مع حرية المعتقد، لكن...". "أنا مع الحريات الفردية، لكن...". 

أولئك الذين يدافعون عن الحق في الحياة حين يتعلق الأمر بحق النساء في اختيار الأمومة أو عدمها، فيقفون ضد التوقيف الإرادي للحمل... لكن عقيدتهم تتوجه، بضع أيام أو ساعات بعد ذلك، نحو "القصاص" ويرفضون بشكل قطعي مطلب إلغاء عقوبة الإعدام، لأن الحق في الحياة لا يرتبط عندهم إلا بأجساد النساء وحقهن في الحرية والاختيار. حتى "الحق في الحياة" لذلك الجنين، فهو لا يعنيهم إلا خلال التسعة أشهر التي يكون فيها في بطن أمه. بمجرد أن يخرج للوجود، يكونون أول من يصمه بالعار! 

أولئك الذين يصنفون أنفسهم مع حقوق النساء، "لكن تدريجيا"؛ ومع "المساواة" على أن تظل لهم الكلمة الأخيرة والقوامة والولاية القانونية على الأبناء.

أولئك الذين يبررون حرمان الأم من الحضانة بعد زواجها مجددا، بأن هناك حالات اغتصاب كان المجرم فيها زوج الأم. هل نحرم كل النساء من الحضانة بسبب بضع حالات جريمة اقترفت من طرف زوج أم، علما أن هناك حالات أخرى كثيرة، للأسف، اغتصب فيها أب أبناءَه وبناته؟ فهل نحرم بموجبها جميع الآباء من حضانة أبنائهم؟ وهل، حين تقسو زوجة أب على أبناء وبنات زوجها، سنعتبر جميع الآباء غير مؤمَّنين على أبنائهم وبناتهم؟ أم أنها في الحقيقة مجرد أعذار تبريرية لعقليات ذكورية تستكثر على النساء حقهن في إعادة بناء حياة جديدة بعد الطلاق وتفرض عليهن الاختيار بين أن يكن أمهات... وأن يكن نساء!

أولئك الذين يعتبرون أن الأولوية هي الدفاع عن الحريات الفردية للأشخاص الغيريين، وبعدها، نناقش حقوق المثليين. على أي أساس نبني هذه التراتبية في الحقوق بناء على تفاصيل حميمية؟ أم أنها تراتبية لا تخفي في الحقيقة إلا رفضا مبطنا للمثلية وللمثليين؟ 

أولئك الذين يقولون: العلاقات الجنسية الرضائية؟ نعم، لكن لا يجب استفزاز مشاعر الناس! فهل يطالب المدافعون عن حقوق المثليات والمثليين بحق ممارسة الجنس في الشارع مثلا؟ 

أولئك الذين يقولون: "لا تريد أن تصوم رمضان؟ من حقك... لكن في بيتك". فمن الذي قرر أن الفضاء العام مخصص حصريا للمؤمنين؟ 

أولئك الذين يعجبهم أن يكونوا مصنفين ضمن خانة الحداثيين والحقوقيين، لكنهم في الحقيقة لا يحملون من الحداثة إلا الشعارات. 

أولئك الذين يبررون إقبار نقاش المساواة في الإرث بكون الأمر مؤطرا بنص قرآني. يبخسون النقاش باعتبار "معظم الناس فقراء أصلا وليس لديهم ما يرثونه". وكأننا نناقش تركة يجب تقسيمها وليس مبدءا حقوقيا للمساواة بين الجنسين.

أحترم وأقدر المحافظين والإسلاميين الذين، على الأقل، لا يتظاهرون بتبني مواقف لا تشبههم. 

هم خصومك الفكريون الذين قد تختلف معهم وقد تستفزك خرجاتهم. لكنهم، على الأقل، يجعلونك تفكر في تطوير براهينك وحججك. الكارثة والخبث في من يتدثرون بشعارات الحداثة والمساواة، فتخونهم جملة أو موقف أو فكرة... وما أكثرهم!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).