Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

ملك المغرب محمد السادس زار الوزير الأول الأسبق عبدالرحمن اليوسفي قبيل وفاته
ملك المغرب محمد السادس زار الوزير الأول الأسبق عبدالرحمن اليوسفي قبيل وفاته

عبد الرحيم التوراني

في نهاية الأسبوع الأخير شهدت جهات مغربية عديدة، تظاهرات شعبية واسعة وانتفاضات حاشدة ملأت شوارع وساحات أهم المدن. تظاهرات سلمية انطلقت في البداية احتجاجا على قرار جواز التلقيح من أجل إسقاط إلزاميته للتنقل بين المدن وولوج المؤسسات الإدارية والفضاءات العامة. لكن المحتجين ووجهوا بالتدخل العنيف لقوى الأمن، وسيقت أعداد منهم إلى مخافر الشرطة والدرك. وقد تجددت الدعوة للاحتجاج أيضا يوم الأربعاء الماضي (4 نوفمبر 2021).

لم تكن أبرز أحزاب المعارضة والنقابات الكبرى وراء الدعوة لهذه الاحتجاجات الغاضبة، التي تحولت من رفض قرار جواز التلقيح، إلى الاحتجاج ضد الحكومة والدولة، وضد رفع أسعار المواد الأساسية وقمع الحريات، وتعبيرا عن رفض سياسة التفقير والبطالة والتجهيل المتبعة منذ عقود.

يحصل هذا بعد أسابيع قليلة مضت على تنصيب الحكومة الجديدة برئاسة رجل الأعمال عزيز أخنوش، ما يطرح بجد سؤال مصداقية ونزاهة الانتخابات الأخيرة 8 سبتمبر التي منحت الصدارة لأحزاب "التجمع الوطني للأحرار" و"الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال".

أين راحت الكتائب الإلكترونية وجحافل "العياشة" الشبيحة الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس قبل فترة قليلة إبان الحملة الانتخابية، هللت خلالها لأحزاب السلطة وللوائحها وشعاراتها؟

مضمون سؤال استنكاري لم يأت من معارض من دعاة مقاطعة الانتخابات، بل صدر عن واحد من أشهر "المحللين السياسيين" المعروفين بولائهم المطلق للسلطات. ما يجعل المرء أمام الفكرة القائلة بـ"موت السياسة" في المغرب.

ووفق مراقب سياسي، لقد تمكن النظام من القضاء على السياسة، ليجري حصرها في مفهومها الميكيافيلي بأنها "فن الإبقاء على السلطة، وتوحيدها في قبضة الحكام، بصرف النظر عن الوسيلة التي تحقق ذلك".

إشعار كاذب

في غمرة انتشائه بمشاركته في الحكومة المغربية، وتحوله من مناضل معارض وسجين سياسي سابق وهدفا لمحاولة اغتيال سنة 1973، إلى وزير في حكومة الاشتراكي، عبد الرحمن اليوسفي، المعروفة باسم "حكومة التناوب التوافقي" (1998-2002)، ثم وزير دولة بدون حقيبة في الحكومة التي تلتها برئاسة التكنوقراطي إدريس جطو (2002- 2007)، كتب محمد اليازغي مقالا نشر بأسفل الصفحة الأولى ليومية "الاتحاد الاشتراكي"، حمل عنوان: "مات المخزن". من يومها أصبح اسم محمد اليازغي مقرونا بهذا المقال القصير، وبشكل تعسفي مختصرا لسيرته النضالية.

كان من بين مقاصد الناعي، محاولة تبرير إذعان حزب "الاتحاد الاشتراكي"، بعد أن أمضى قرابة أربعة عقود في المعارضة المنهجية للنظام التقليدي الموروث المتحكم منذ قرون تحت راية "المخزن"، وتم نسيان قسم اليمين الاتحادي: "بيننا وبين القصر جثة المهدي"، في إشارة لاغتيال الزعيم المهدي بن بركة في 1965، الذي أضيف له اغتيال المحامي عمر بنجلون في 1975. ويبدو أن القسم الاتحادي استبدله اليوسفي بقسم آخر سري على المصحف بين يدي الحسن الثاني، وإن لم يكشف أبدا عن عباراته فقد عرف الناس لاحقا فحواه. 

لم يأبه اليازغي بشرح أسباب هذا "الموت الفجائي". ولأنه خبير في التنظيم الحزبي، وليس سياسيا منظرا، فإن لا أحد انتظر منه تقديم ما يعزز أطروحته ويدعمها بحقائق مستندة على أسس سوسيولوجية وأنثروبولوجية علمية ورصينة. 

لذلك انبرى كثيرون لوصف رأي اليازغي بالساذج وغير العلمي. والأقرب إلى الصواب أن اليازغي لما كان ينمق كلماته حول "موت المخزن"، كان في حقيقة الأمر بصدد تغطية جريمة قتل تسلسلي أنهت سيرة حزب اسمه الاتحاد الوطني - الاشتراكي للقوات الشعبية، وأذابت أوصاله في صهريج التهميش والنسيان من ذاكرة النضال الشعبي.

سيناريو مرعب

في التسعينيات من القرن الماضي، لجأ الملك الحسن الثاني في آخر أيامه إلى تجربة "التناوب التوافقي" مع عبد الرحمن اليوسفي، وكانت الغاية ضمان "الانتقال السلس" للعرش من ملك إلى ولي عهده. 

وبعد أقل من سنة ونصف على إنشاء حكومة التناوب، ارتفعت ذات نهار صيفي في أرجاء البلاط الملكي صيحة "مات الملك عاش الملك". جملة مكثفة لا تفصل بين النقيضين الموت والحياة. عبارة موجزة وذهبية من تراث الملكيات الأوروبية، وترجمتها الحرفية من اللغة الفرنسية: "الملك مات، العمر المديد للملك".

لاحقا، سيكتشف المعارض القديم عبد الرحمن اليوسفي، بعد الانقلاب على استمراره في منصبه وزيرا أول، والحؤول دون استكمال تجربته الرائدة في "التناوب التوافقي"، أنه تم استغفاله، إن لم يكن استغلاله، حين وثق بقواعد اللعبة السياسية، فإذا به يهمش على رفوف أمجاد الماضي والتاريخ، وهي رفوف لا مكان له في أركان العهد الجديد. 

كانت أول ردة فعل لليوسفي هي الاحتجاج على "الخروج عن المنهجية الديمقراطية"، بإعفائه من مهمة التكليف بالحكومة الجديدة التي كان يتهيأ لتشكيلها، خصوصا وقد تصدر حزبه الاتحاد الاشتراكي المرتبة الأولى في انتخابات 2002. ولما خذله رفاقه بتشبثهم بكراسي الحكومة، وعلى رأس هؤلاء محمد اليازغي، كتب اليوسفي استقالته واعتزل السياسة، نازحا إلى الديار الفرنسية، حيث كانت زوجته اليونانية تملك عقارا بمدينة "كان" المشهورة بمهرجانها السينمائي العالمي. 

جلس اليوسفي يلتقط أنفاسه ويستريح قليلا من التعب، مستعيدا سيناريو الإنهاك الصعب الذي أصابه، وتعرض له حزبه بشكل أكبر كفيلم رعب هيتشكوكي، وكيف تمت"المقامرة" بالرصيد التاريخي والشعبي الذي راكمه الاتحاديون عبر عقود على  طاولة "المخزن". 

ربما استعاد اليوسفي  المثل العامي المحذر من "أمواج البحر ولهيب النار وأمان المخزن"، والقول العامي القديم "ولد المخزن يتيم"، ولكن هيهات حيث لا ينفع الندم. لم يبق لدى اليوسفي وقتها سوى تدوين تجربته الحكومية، وهو التقييم الذي قدم بعض خلاصاته الأولية على شكل مداخلة في ندوة ببلجيكا سنة 2003، مداخلة اشتهرت في الأدبيات السياسية المغربية الحديثة باسم "محاضرة بروكسل"، كوثيقة تعد نقدا بالواضح والمرموز للعهد الجديد. 

لكن يمكن أيضا اعتبارها بمعنى آخر ردا على "الأخ اللدود"، ولم تكن مرت أشهر على مقالته حول "موت المخزن"، وبأن اليازغي مخزني أكثر من المخزن.

فالذي حصل بعد تجربة "حكومة التناوب" هو انقسام جديد في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي واندحاره لمراتب الأحزاب الإدارية الصغرى والمهمشة وغير المؤثرة، مقابل اشتداد قوة المخزن وتجدد سطوته. 

 سيسترضي النظام الشيخ الغاضب ويطيب خاطره، بعد طرده وتهميشه، بإطلاق شارع  باسمه "شارع عبد الرحمن اليوسفي" بمدينة طنجة مسقط رأسه، في مراسيم احتفالية ترأسها الملك محمد السادس وحضرها عبد الرحمن اليوسفي وهو في غاية التأثر والسعادة والامتنان. بل إن العاهل المغربي كرر زيارة والده الراحل لليوسفي بالمستشفى، وسيزيد عليها بطبعه قبلة ملكية على جبين المعارض القديم الذي جرب سنوات المنفى و"الاختيار الثوري" لقلب النظام، قبل عودته إلى الدار البيضاء واستفادته من عفو ملكي سنة 1980، ثم تعاونه مع القصر لتفادي "السكتة القلبية" التي تهدد وضع البلاد، حسب الملك الحسن الثاني. 

ويمكن قراءة تلك القبلة الملكية، الرمزية وغير المسبوقة، التي حظي به اليوسفي وهو في آخر العمر، غارقا في بياض سرير مستشفى الشيخ خليفة بن زايد بالدار البيضاء، كتبييض لصفحة المخزن، ونصرا ناصعا على مناوئيه وأعدائه التاريخيين، على اختلافهم من مدنيين وعسكريين، صعودا إلى تمرد حكام قبائل "السيبة" الذين أنهت عصيانهم قوات الحماية الفرنسية. كما يمكن قراءتها كتأكيد تبرئة للعهد الجديد من أوزار الماضي الرهيب وتجاوزاته.

المخزن هو أنت!

وفي سياق أحكام البراءة، يذهب بعض المحللين إلى تبرئة المخزن من مظالمه الاستبدادية، بالقول إن المخزن يسري في دماء جموع الرعايا المتماهين مع المخزن سلوكيا وعلائقيا وثقافيا، وأن مصدر "المخزن" هم المغاربة أولا، إذ يوجد داخل عقل كل مغربي "مخزني صغير"، لذلك فإن جذور الاستبداد المتحكم تمتد عميقا في عروق المغربي، ومن تلك الدماء تسقى دوحة المخزن العظمى وتستمد قوتها ومتانة جذعها وأغصانها مع الفروع، مع الاخضرار الدائم لأوراقها اليانعة.

ويطيب لآخرين الاستشهاد بما كان ينظمه طلبة أقدم جامعة في العالم "جامعة القرويين" في مدينة فاس، من احتفالات سنوية يبايعون فيها رمزيا "سلطان الطلبة"، وبأن المغاربة لا يزالون يطلقون على العريس الجديد لقب "مولاي السلطان"، بل إن أفراح المغاربة مهما تباينت أحوالهم الاجتماعية، بمن فيهم المنتمين للطبقات الدنيا والفقيرة يستلهمون أطوار أعراسهم من طقوس أعراس واحتفالات المخزن. ولا ملاذ لتخليص الشعب من الشعب. لتأتي الخلاصة هكذا: المغاربة بعيدون عن التحديث الفعلي والحقيقي، ولا يستحقون الديمقراطية وحقوق الإنسان. حكم يسري على الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، حتى أصبح هناك مشهد حزبي مخزني صاف، تتنافس فيه الألوان الحزبية على مدى ولائها للنظام المخزني، وقد نجحت السلطات في استقطاب معارضين، وجلبت يساريين عتاة وسجناء سياسيين سابقين للسير في ركاب المخزن، صاروا يروجون أن المخزن أكثر حداثة وتقدما وديمقراطية من المجتمع ومن الأحزاب، مستدلين على ذلك بخطابات الملك.

سيد الخداع

أدى حزب الاتحاد الاشتراكي دوره المطلوب منه في إنقاذ البلاد من "السكتة القلبية"، وتمت إزاحته بواسطة "الخروج عن المنهجية الديمقراطية". 

وجيء بحزب العدالة والتنمية لتجنيب البلاد الفوضى المهددة بوصول ثورات الربيع العربي، ممثلة في "حركة 20 فبراير"، وتحمل الإسلاميون تبعات إجهاض حلم الملكية البرلمانية، وبعد أداء مهمتهم بنجاح أتى وقت إبعادهم بواسطة "ديمقراطية الصناديق". 

وفي كلا التجربتين الاشتراكية والإسلامية لم يسمح لأي منهما سوى برئاسة تحالف مبلقن من عدة أحزاب متباينة، ولم يكن بإمكان أي منهما تقديم برنامج يعتمد على مرجعيته، بل إن العدالة والتنمية رغم تطبيقه لتعليمات حكومة الظل ورضوخه لضغوط القصر، تعرض وهو يمسك بشؤون تسيير الحكومة، لهجومات ممنهجة من الأجهزة، عكستها بوضوح الصحف والمواقع المحسوبة على تلك الجهات. ما يذكر بطقوس البروتوكول المخزني القديم الذي ظل العمل به إلى حدود ما قبل سنوات الاستقلال، حين كان يقف رجل مخزني بجانب السلطان ويضغط على رأس المنحني المتقدم لتقديم الولاء، أي أن المعني يقوم بتقبيل إجباري ليد جلالته، وليس فضلا منه أو طواعية. اختفى الحارس المخزني الجهم (الذي ظل يمثله في عهد الحسن الثاني وزير التشريفات والأوسمة الجنرال المرعب مولاي عبد الحفيظ العلوي)، لكن قساوة الحركة المهينة استمرت بوسائل وبأساليب متجددة.

ما يحصل حاليا هو مزيد من انعدام الثقة في السياسيين، يعلي من ارتفاع نسبة العزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية، إذ يحتقر أغلب العامة السياسة ويعتبرونا وسيلة انتهازية يلجأ إليها لصوص المال العام، ومن يفتشون عن التربح والاغتناء السهل بالفهلوة والاحتيال والخطب الكلامية.

هذا ما يسمى بـ"قتل السياسة". وهو وضع لا يسمح سوى بتغول وهيمنة النظام واحتكاره لكل السلطات في مختلف المجالات، بأسماء وصفات شتى تفضي كلها في النهاية إلى قبضته المسيطرة بلا حدود. ويبقى مشروع الانتقال الديمقراطي والتحديث وتحقيق مجتمع العدل والمساواة والكرامة مؤجلا لأجل غير مسمى. 

وتتوالى النخب وتمضي وتحتضر على أعتاب النظام، ويبقى "المخزن" ويحيا ويتجدد، ليستمر مفهوم السياسة حسب بينجامين دزرائيلي، رئيس وزراء بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر، بأنها "فنّ حكم البشر عن طريق خداعهم".

إلا أن الخداع قاتل، مثل فيروس كورونا الموصوف بـ"سيد الخداع"، حيث في المراحل المبكرة من الإصابة يخدع الفيروس الجسم بعد انتشاره في الرئتين والممرات الهوائية، ومع ذلك يعتقد جهاز المناعة لدى صاحبه أن كل شيء على ما يرام ويعمل بشكل جيد، لدرجة لا يعرف معها المصاب أنه مريض.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).