Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

فتاة عراقية تشارك في تظاهرة شعبية وتحمل لافتة كتب عليها "الخائفون لا يصنعون الحرية".
فتاة عراقية تشارك في تظاهرة شعبية وتحمل لافتة كتب عليها "الخائفون لا يصنعون الحرية".

محمد المحمود

كثيرا ما يتشبع الإنسان العربي بما ليس فيه؛ في حاضره وماضيه. إنه يفخر كثيرا، ويحب أن يقول ـ يقول؛ لا يفعل ! ـ في الفخر بما لا يستع له رَحْبُ الفضاء أحيانا، يحب أن يُحْمَد بما لم يَفعل؛ وكأنه يطابَق ـ توهما وإيهاما ـ بين القول والفعل، بين الادعاء والحقيقة، إلى أن يصل درجة يتوهم فيها أن ما قاله؛ قد فعله حقا، وأن ما زعمها صفة: مدح/ فخر؛ قد حازها أزلا وأبدا؛ فهي ـ وفق ما يدعي/ يزعم ـ طبيعته الخالدة؛ ثم يبني تصوراته وتقريراته وقراراته على هذا الأساس من الادعاء المجاني!

من هنا، يجب الحذر من أخذ كلامه عن ذاته على محمل الجد، إذ هو ـ وخاصة في سياق تقريره الفضائل الذاتية ـ يدخل في عملية لا شعورية من "التعويض عن المفقود"، عملية ترميم للتصدعات التي تطال حقيقته في الواقع، ترميم بِطِلاءٍ من الدعاوى العريضة التي تتضخم بحجم الإحراجات التي تصنعها تلك التصدعات الغائرة في نفس حائرة، في نفس تائهة، في نفس فاقدة لانتظام المعنى المتضمن في اتساق حركة التاريخ، أو ـ على نحو أدق ـ في التصور المُنَسِّق لعملية الوعي بالتاريخ.

على أي حال، ما نحن بصدده اليوم هو الزعم العربي/ زعم الإنسان العربي أنه ابن الحرية وسليلها الأنقى، زعمه أنه "عاشق الحرية" الأصيل، و"التواق إلى عوالمها" من فجر تاريخه الأول، وإلى اليوم. ويستدل على ذلك، لا بحركة الصعلكة الأولى فحسب، بل ـ أيضا، وأساسا ـ بالفوضى التي لازمت تاريخه منذ حاول كتابة سطوره الأولى في الواقع وإلى اليوم، على اعتبار أن تلك الفوضى وامتداداتها في تاريخه وجغرافياته تشَكل دليل تمرد حرياتي، ناتج عن اعتباره "الحرية" قيمة تتجاوز قيمة الشروط الموضوعية الناظمة للحياة في حَدّها المادي الخالص.

لكن، ليست الحرية هي الفوضى، ولا نمط من الفوضى، والفوضى ليست هي الحرية بحال. الفوضى هي عدوان على الحرية أصلا، هي تقويض لشرطها الضروري في الواقع. ومجتمعات الفوضى التي تغيب عنها شروط الضمانة القانونية؛ هي مجتمعات بلا حرية، إذ الفوضى تعني تلاشي الحدود الفردية المضمونة التي يستطيع أن يمارس الفرد فيها حريته، والتي بدونها يصبح مشرعا على العدوان في كل آن، ومن كل أحد.

الحرية ليست حالة عدم، أي ليست فراغا سلبيا، ليست هي "الحالة الطبيعية" الأولى، المتحققة أو المفترضة، بل هي حالة بناء تراكمي، حالة إيجابية تعني الفعل المُتجاوِز لـ"حالة الطبيعية"، ولحالة  الفوضى. "إن الحرية حق مكتسب بالجهد، وليست منة إلهية، أو منحة من الطبيعية" (الديمقراطية وتحديات الحداثة، إيليا حريق، ص192). 

إذن، الحرية ليست اختيار العالم الفوضوي العبثي، ليست تحللا من القوانين والأنظمة المضافة إلى "حالة الطبيعية"؛ ليكون الإنسان أقدر على تمثل الحرية والامتثال لها. إنها الاختيار الحر، ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ الاختيار المسؤول الذي يقدم ـ عن وعي وعن إرادة، وعن وعي كامل بهذه الإرادة ـ كل الأثمان اللازمة التي هي شرط الحرية الأولي، كما هي/ الأثمان شرطها الضروري المحايث على مدى الوعي بها ـ إرادة وتمثلا ـ.  

ومن هنا، ولكونها إضافة إيجابية تشترط فعلا واعيا، ثم لِتَقاطع طرق الوعي بالواقع (الواقع مُتَضمِّنًا الواقعةَ الإنسانية ذاتها) الذي تتموضع فيه الحرية، ولتقاطع طرق الوعي بالحرية ذاتها؛ تصبح الحرية متعددة الأبعاد بالضرورة. وهي أبعاد يشترط بعضها بعضا، ولا تتحقق كـ"حرية" فاعلة بالذات ومن خلال الذات إلا بتعاضد وتساند هذه الأبعاد كلها. يقول المفكر العراقي الكبير/ عبد الجبار الرفاعي ـ كاشفا عن ملامح هذا الشرط الإيجابي، وتعدد أبعاده ـ: "الحرية أشق من العبودية؛ ذلك أنها: إرادة، وحضور، واستقلال، وشجاعة، ومسؤولية، وخيار إيماني، وموقف حيال الوجود. أن تكون حرا فهو يعني أنك تواجه العالم كله، وتتحمل كل شيء وحدك. العبودية: هشاشة، وغياب، واستقالة، وخضوع، وانقياد، وتفرج، وتبعية، ولا موقف، ولا أبالية، ولا مسؤولية. أن تكون عبدا يعني أنك لست مسؤولا عن أي شيء، حتى عن نفسك" (الدين والظمأ الأنطولوجي، ص16).

هنا، يصبح من الطبيعي أن تكون المجتمعات التي لم تقطع شوط التاريخ الأهم، عاجزة عن الوعي بالحرية، وبالتالي، عاجزة عن تمثّلها؛ إلا بفهم مغلوط ـ معاكس لحقيقتها ـ يتصورها: الحد الأقصى للفوضى؛ من حيث هو وعي/ فهم فوضوي. فالوعي هو ـ في النهاية ـ ابن الواقع. ما يعني أن الوعي بالحرية يبقى فرعا على الوعي بالواقع، هذا الواقع المشروط بتحولاته ذات البعد التراكمي، التي هي ـ في نهاية الأمر ـ شروط الوعي. 

وإذا عرفنا أن الحرية ـ في جوهرها، وفي تحقّقها الأصدق ـ هي حرية فردية، لا حرية جمعانية تأكل حرية أفرادها، ويبقى بعد ذلك الشعار ـ والشعار وحده ـ حرا؛ عرفنا أن الحرية الحقة هي الحرية الليبرالية ذات البعد الفرداني. فهذه الحرية الليبرالية الفردانية هي ابنة الواقع، واقع التطورات منذ بداية نشوء الرأسمالية، وصولا إلى الثورة البرجوازية التي أقرّ عبد الوهاب المسيري (وهو المفكر الضدي الذي يُشاغب نسق التقدم الغربي)، أنها هي التي جعلت الفرد مركزا لكل شيء؛ كما تجلى ذلك في آدابها الرومانسية، في الوقت الذي كانت فيه الثورة الصناعية (ابنة الرأسمالية) تخلق إمكانيات واقعية ضخمة لتحقيق حرية الفرد، وما نتج عن ذلك من ظهور المُدن الكبرى، أو المدينة بالمفهوم الحديث، أي المدينة التي ارتبط بها ظهور التفرّد (دراسات معرفية في الحداثة الغربية، عبد الوهاب المسيري، ص179 و180).

أين العرب من كل ذلك ؟ لا تطورات عميقة في الواقع، وبالتالي؛ لا وجود لوعي متطور مُحايِث. حتى المدن العربية الكبرى التي كان من المكن أن تُفْرِز حالةً برجوازية حقيقية تصنع مقدمات موضوعية  للتفرد الذي هو شرط الحرية، لم تكن مدنا بحق، بل كانت مجرد قرى متضخمة، أو قرى متجاورة، أو هي ثُكنات لـ"تجمعات ما قبل مدنية"، تؤكد هذا الـ"ما قبل مدني" في الوقت الذي تجهض فيه عناصر التشكل المدني. 

وإذا كان النصف الأول من القرن العشرين قد شهد طلائع لطبقة برجوازية عربية ناشئة على استحياء، وعلى قلق، وعلى اضطراب هوياتي ومادي/ واقعي، فإن الإيديولوجيات الشمولية (القوموية والإشتراكية والإسلاموية) تكفلت بالإجهاز على تلك الطلائع، وتحويل ـ ما رضي منها بالترويض ـ إلى مكونات أدبية ومادية لتحفيز التغول الشمولي الذي كانت العسكراتية عموده الفقري في مراكز التأثير العربي. 

وبالاستناد إلى دلالة "التلقي"، نجد أن التيارات الليبرالية بكل أطروحاتها منذ قرن ونصف لم تستطع التجمهر عربيا، لم تستطع غزو وعي الجماهير؛ فبقيت نخبوية معزولة، ومحل ارتياب وتوجس. بينما التيارات الشمولية (= القوموية والإشتراكية والإسلاموية) حظيت باستقبال جماهيري واسع، بل كاسح في كثير من الأحيان. ما يعني أنها ـ كجماهير عربية تعكس حقيقية المزاج العربي/ الروح العميق للإنسان العربي ـ غير معنية بسؤال الحرية أصلا وأصالة، بل على العكس، يبدو سؤال الحرية لها مقلقا ومريبا؛ عكس جواب الجمعانية والشمولية التي يبدو لها مريحا ومطمئنا وباعثا على الاستقرار الذي يعني ـ في وعي هذه الجماهير ـ تشكيل المستقبل على صورة معهودة/ مألوفة من الماضي التليد.  

عندما يقول جوستاف لوبون: لا يخلو استبداد الطبقات الاجتماعية من فائدة، فآراء الجماعة تمنح أكثر الناس استقرارا نفسيا ـ يمتلكون قدرا من الثبات. وعندما يؤكد ـ نصا ـ أن "من المفيد أن تكون الآراء العامة قليلة التسامح، إذ الخوف من انتقاد الآخرين هو أحد الأسس الأخلاقية المتينة" (الآراء والمعتقدات، ص57و190)، فإنه ـ من غير أن يقصد ـ يُعبّر عن جوهر التصور العربي لموقع الفرد من الجماعة، ولدور الجماعة في تكييف ـ وربما تقييد ـ حرية الفرد، بل ونفيها بالكامل إن لزم الأمر (ولزومه هنا هو وفق ما تعتقده الجماعة حقا أو أخلاقا لازمة الامتثال). ولا مشكلة ـ والحال كذلك عند لوبون، والوعي العربي المشابه ـ أن تصل درجة القسر الاجتماعي إلى التخويف أو الإرهاب لـ"الفرد" الذي يخرج عن سياق المُحَدِّد الأخلاقي الجمعاني. 

حتى عندما يطرح العربي نفسه كـ"حداثي" أو كـ"مستنير"؛ فهو ـ في الغالب ـ مستريب بالحرية لصالح المبدأ الشمولي الجمعاني المُتوارِي خلفَ أخلاقيات اجتماعية راسخة، أو خلف تصورات دينية مدموغة بكونها حقائق مطلقة، أو خلف شوفينية قومية: أممية أو قطرية، أو خلف ادعاءات مصلحية عامة...إلخ. وبقوة دفع هذه الاسترابة؛ تصبح مقولات الحرية مخترقة بحزمة من الاستثناءات حينا، وبتوجس متخيل/ متوقع، يحيل إلى فرضيات مستقبلية في أحايين أخرى. 

لاحظ ما يقوله الكاتب المصري/ صلاح سالم ـ المعلن عن نفسه ككاتب حداثي/ تنويري ـ محاكما النزعة الفردية بضرورة النهاية المفترضة: "فإذا ما تركنا النزعة الفردية تصل إلى ذروتها المطلقة سنكون بشكل أو بآخر أمام أنانية جديدة، ليست القديمة البدائية قليلة الحيلة، بل الحديثة المسلحة بكل عوامل القوة والدهاء القادرة على النيل من كل فرد آخر أو قيمة اجتماعية مستقرة"(جدل الدين والحداثة، ص276). وطبعا، هذا لسان الأغلبية الساحقة، وهكذا يستجيب العربي لنداء الحرية؛ حتى وهو يزعم أنه يُفَكِّر في سياق حداثي. 

إذن، العربي يعيش فوضى العقل، وما فوضى الواقع إلا انعكاس له، وانعكاس عليه. الفوضى مرحلة تاريخية سابقة للتنوير، وبدرجة أولى سابقة للحداثة. وبما أن الحرية محايثة لهما (= التنوير والحداثة)، وتمثلها الأكمل لاحق لتحققهما في الواقع كأرضية لإمكانيات، وبما أن العرب لم يدخلوا عصر التنوير بعد ـ فضلا عن عصر الحداثة ـ؛ فمن الطبيعي أنهم لم يدخلوا عصر الحرية بعد، بل وأنهم بَعيدون عن هذا العصر بقدر بعدهم وعجزهم عن الوصول إلى عصر تنوير عربي حقيقي.  

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).