Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

منظر عام من مدينة الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمغرب
قرار وزاري بنقل تنظيم معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب إلى العاصمة الرباط أثار استياء سكان المدينة

عبد الرحيم التوراني

بعد حملة "رفض جواز اللقاح"، خلال الأسبوعين الفارطين، وخروج مظاهرات احتجاجية في أكثر من منطقة مغربية، التقت آراء شعبية مختلفة على أن جهات معلومة في الأجهزة الحكومية تعمل على تلهية المواطنين واستغفالهم بتنفيذ خطة تضليلية، والغاية تمرير قرارات قد تكون أكثر إرهاقا لكاهل الطبقات الشعبية وأشد تضييقا.

لم يمض وقت حتى ارتفعت أصوات ضد قرار وزاري بنقل تنظيم معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب إلى العاصمة الرباط. وهو الاحتجاج الذي جاء من مجموعات متفرقة وأفراد من ساكنة العاصمة الاقتصادية، لكن التعبير عن هذا الموقف انحصر في مواقع التواصل الاجتماعي.

قال المحتجون إن مدينتهم ليس لها من التظاهرات الثقافية الكبرى إلا المعرض الدولي للكتاب، فكيف تخططون لتصبح عن جدارة حاضرة الإسمنت والصخب والتلوث، ومدينة بلا روح؟

وأتى تبرير وزارة الشؤون الثقافية أن الدافع هو حدث استضافة العاصمة المغربية فعاليات "عاصمة الثقافة الإفريقية".

السؤال الحارق

كانت مراكش هي من ستحتضن الحدث الإفريقي قبل قرار نقله إلى العاصمة. يومها لم تبدر من أهل المدينة الحمراء ونخبتها الثقافية ردة فعل تذكر، باستثناء "أسف وحزن" الفنان التشكيلي ماحي بينبين، رئيس اللجنة المنظمة للتظاهرة، الذي كتب في تدوينة أنه قرار "غير مفهوم الأسباب". بعكس قرار نقل معرض الكتاب الذي خلف رفضا عاليا من لدن ساكنة العاصمة الاقتصادية، ترددت أصداؤه في "القارة الزرقاء". ووجدها آخرون فرصة سانحة لرفع مستوى الجدال بالتساؤل عن دور المثقف في المجتمع، وما على فئة المثقفين التزامه بشأن هذه الواقعة من واجب الوقوف مع المطالبين بالإبقاء على المكان التاريخي لمعرض الكتاب بالدار البيضاء، رغم التراجع المضطرد الذي عرفه في مستواه وتنظيمه، وضعف الإقبال على اقتناء الكتب في ظل الثورة الرقمية وغياب القارئ المثقف، واكتظاظ أروقة المعرض بأطنان المطبوعات الصفراء، حتى يظن الزائر نفسه في جولة بتظاهرة للكتاب الديني. ما يفرض إعادة النظر في مضمون المعرض ومآله البئيس قبل التفكير في "تهريبه" لهذه الجهة أو تلك.

رواد نموذجيون

ارتبطت الحركة الوطنية والتقدمية في المغرب منذ منطلقها بمؤسسيها وروادها المثقفين، ممن كانوا يمتلكون سعة المعرفة والاطلاع، من علال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني وعبد الله إبراهيم، إلى المهدي بنبركة وعمر بنجلون وعلي يعتة وعزيز بلال وأبراهام السرفاتي وشمعون ليفي، مرورا بأسماء عديدة لا يتسع المجال هنا لحصرها، تركت بصماتها وأثرها على تطورات الوضع السياسي والفكري والثقافي في البلاد. 

نذكر أن المفكر الكبير عبد الله العروي عمل في شبابه إلى جانب زعيم اليسار المهدي بن بركة، وساهم معه في صياغة وثيقة "الاختيار الثوري". وظل محافظا على صلاته بالاتحاديين، فتقدم للانتخابات البرلمانية ضمن لوائح الاتحاد الاشتراكي بالدار البيضاء في انتخابات يونيو - حزيران 1977، لكن الحسن الثاني لم يكن يرغب في رؤية أمثال العروي بمجلس النواب. إلا أن أجهزة وزير الداخلية إدريس البصري ظلت تضايق العروي، وعرقلت حصوله على جواز السفر في بداية الثمانينيات. وربما لا تحتفظ ذاكرة الكثيرين بمشاركة عبد الله العروي في برنامج تلفزيوني، وهو يكيل المديح لعهد الحسن الثاني في الذكرى 25 لتوليه العرش (1986)، لكن مؤلفا جماعيا نشر بتلك المناسبة المذكورة، تضمن نصا استثنائيا لعبد الله العروي ملئيا بعبارات الإشادة بالنظام، نص حرص العروي على عدم تضمينه أي كتاب من إصداراته اللاحقة. 

في سنة 2013 سينتفض صاحب "الإيديولوجية العربية المعاصرة"، الكتاب الممنوع لسنوات والذي كان من "أناجيل اليسار" المغربي والعربي، ليدافع بقوة عن اللغة العربية بعد دعوة واحد من زمرة النظام بتعويضها باستعمال اللهجة الدارجة.

وكان عابد الجابري من أقطاب اليسار، وعضوا بارزا في قيادة الاتحاد الوطني - الاشتراكي، أمضى سنوات طويلة وهو يكتب الافتتاحيات ويصيغ الأدبيات الاتحادية، بصفته المسؤول عن إعلام الحزب، قبل أن يقدم استقالته في مستهل الثمانينيات ويلوذ ببيته في حي بولو بالدار البيضاء، متفرغا للبحث والتأليف، وليتحول إلى المفكر محمد عابد الجابري المعروف صاحب أطروحة "نقد العقل العربي".

والفيلسوف محمد سبيلا الذي لم يزده الإقصاء من صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بسبب وشاية حاقدة اتهمته بالعمالة للبوليس السياسي، سوى التزاما وصمودا بمواقفه تجاه المجتمع. 

والأمثلة عديدة وكثيرة عن المثقفين المغاربة الملتزمين، ومعظمهم من صفوف اليسار. كانوا حاضرين في معمعان النضال الشعبي، يقودون النقابات ومنظمات المجتمع المدني، ومنها اتحاد الكتاب وجمعية الاقتصاديين المغاربة واتحاد المهندسين وهيئات المحامين وغيرها من الجمعيات المهنية.

ومع نكوص اليسار، فتح المجال على مصراعيه لهيمنة فئات جديدة وافدة من الإسلاميين، أو من المدعومين من السلطة المخزنية، أو من أنصاف المثقفين، للسيطرة على تلك المنظمات والهيئات الجماهيرية، وفي المقدمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، أما اتحاد كتاب المغرب فيصارع الاحتضار بعد أن تعطل دوره الطلائعي، وغابت مساهمات أعضائه التنويرية، لينقلب إلى قضية شجار حول "سجل ملكية" متنازع عليها، وملفا متقادما يجرجر في أروقة المحاكم، وفي النهاية تحول لصفحة وفيات فيسبوكية ليس إلا، حيث لم يعد لمثل اتحاد الكتاب من دور في عصر انتشار المعلوميات وشبكات التواصل. وتلك حكاية أخرى.

فصاحة المقهورين

السؤال عن غياب المثقف أضحى من محصلات المشهد الكوني الراهن، والمغرب كغيره من  الأقطار العربية والعالمثالثية معني بهذا السؤال الحارق. إذ لم نشهد في الأعوام الأخيرة خروج مثقفين مغاربة بارزين لتبني قضايا الجمهور، والمشاركة في الاحتجاج مع المواطنين ضد الغلاء ورفع الأسعار مثلا، أو ضد ضرب الحريات. وإن حصل تأييد وتضامن فلا يتعدى تدوينة خجولة، أو توقيع عرائض وبيانات تنشر في الصحف والمواقع وبلا تأثير ملموس، ليعود المثقف إلى صمته وحياده، مؤكدا بسلوكه السلبي فرضية نهاية دور النخبة في تحريك الشارع وفي تغيير المجتمعات، كما كان يعول عليها في الماضي. حتى أصبح المشهد كما أوجزه الشاعر اللبناني شوقي بزيع ممهورا بـ"فصاحة الجموع المقهورة وغياب المثقفين".

لذلك أصبحت الانهزامية والسلبية توكل إلى النخبة المثقفة، بل ألصقت بها نعوت الانبطاح والركوب على ظهر الجماهير وقضاياها للوصول لقضاء مآرب مادية بالاصطفاف إلى جانب السلطة طمعا في فتاتها، إلى غير ذلك من عبارات التنقيص والاحتقار، التي تذكر بما كان يضمره الزعيم العمالي المحجوب بن الصديق للمثقفين من ازدراء، وقد عمّر الرجل طويلا على رأس المركزية النقابية الأولى (الاتحاد المغربي للشغل)، ولم يغادر المنصب إلا بقرار ملاك الموت. كان بن الصديق يوظف المثقفين اليساريين في سياسته النقابية، وبالمقابل يستصغر من قيمتهم أمام تعظيمه الكاذب للعمال، في الوقت الذي كان يمثل فيه المحجوب خير نموذج للنقابي الانتهازي المتسلق، بتعطيله لنضالات الطبقة العاملة، ليستقبل جزاء تحويله من عامل سككي بسيط إلى ملياردير من أغنياء البلد، بفضل نهجه لسياسة انتهازية صرفة، قام خلالها بشل طاقات الجماهير العمالية وتآمر عليها بإطلاقه للشعار المضلل: "سياسة الخبز".
أما مثقفو اليوم فصاروا أكثر مدعاة للشفقة، وهم يغيرون جلدهم كأفاعي حواة "ساحة جامع الفنا" بمراكش. يهرعون لخدمة السلطة، وهم جاهزون لتبرير المظالم ولتسويغ سياسة اضطهاد الطبقات الشعبية وشرعنة الاستبداد. فعندما عرضت فكرة إنشاء حركة سياسية من أحد أركان النظام، كانت في الأصل نواة لحزب إداري جديد ظهر لاحقا، هرولت نخبة من المثقفين السياسيين بباب صاحب الفكرة لتتحلق حول مائدته، متنافسة على تقديم أطروحات وصياغات مبتكرة تمتح من محبرة الأدبيات الديمقراطية ومن رصيدهم اليساري والحقوقي. ليشكلوا مشهدا بئيسا يقف فيه خدام مطيعون أو تلاميذ صغار بانتظار التفاتة الإطراء على اجتهادهم، ومعها الجزاء المادي والأعطيات طبعا. وقد انضموا للتهليل لآفاق العهد الجديد، مبشرين بالآمال والمباهج الموعودة كلها، مرتكزين في البدء على سردية رهاب الإسلاموفوبيا، وهجوم الظاهرة الإخوانية، ممثلة أساسا في حزب العدالة والتنمية، علما أنه حزب من صناعة مخزنية صافية عند المبتدأ والخبر. ورافق هذا التخويف المد الداعشي والتحاق شباب مغاربة بصفوف "الجهاد". من هنا أتت لافتة: "ضد أسلمة الدولة وضد أخونة المجتمع"، الشعار الذي أثبت زيفه لما أطل في "مسيرة ولد زروال"، في 18 سبتمبر 2016 بالدار البيضاء، التي حرك خيوطها حزب الأصالة والمعاصرة، فأعطى نتيجة مضادة أعادت إخوان بنكيران إلى الحكومة بعد أن كان قرار لفظهم جاهزا.

لا ريب أن تراجع المثقفين في المغرب، في عمومه وتفاصيله، هو من تراجع اليسار، وتراجع اليسار من استقالة المثقفين وتخاذلهم. فإلى حدود العقدين الأخيرين كانت غالبية مثقفي وأدباء المغرب منخرطة ومتعاطفة مع قوى وتنظيمات اليسار. ولما هرولت أحزاب اليسار إلى الاصطبل "المخزني" وتدجنت طوعا بالإغراء وكرها بالقمع، تخلت عنها الجماهير، وسبقتها النخب الملتزمة من فئة المثقفين. وساد اعتقاد خاطئ أن المواجهة تقع أساسا على كاهل التنظيمات السياسية بالأحرى، وليس على المثقف الواجب بقاؤه حرا ومستقلا بعيدا عن التحزب، وأن نموذج الفيلسوف جان بول سارتر والمفكر ميشيل فوكو الفرنسيين تم استنفاده ولا مجال لاستهلاك مفهوم بات منقرضا. لكن الحرية والاستقلالية لا تعني مطلقا صمت المثقف وإصابته بالخرس والصمم الكامل.

هدم الأسطورة

لقد قدم عدد من مثقفي اليسار ومناضليه في المغرب، وبعضهم أمضى سنوات طويلة في الاعتقال السياسي، نموذجا سلبيا وانتهازيا، جعل اليمين يبدو أحيانا يتمتع ببعض النزاهة وأكثر حياء أمام اللهطة والشراهة الوصولية، والاستعجال للتموقع وللاغتناء السريع على سلالم التزلف لقوى الظلم والاضهاد، بإنشاء خطاب تزييفي مرتبك لمواجهة الشارع، بعد أن كان الهدف من استقطابهم هو التأثير في الشارع، فباتوا يمثلون "فئة المثقّفين المأمورة ضمن الطبقة الآمرة"، كما كتب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.
أما بشأن المثقف ودوره في المجتمع، فيحار بعض المترددين هل ينضمون للمؤرخ شلومو ساند، ويقولون معه بـ"نهاية المثقف" باعتباره صوت الجماعة أو ضمير الأمة، والاصطفاف مع أصحاب المعاول لهدم الأساطير المؤسسة لشخصية "المثقف"؟

أم عليهم الكف عن المشي خلف صدى صيحة "موت المثقف"، وووراء من يُلبسون المثقف كل تهم العجز واليأس والفشل، وبالتالي رميه بتهمة الخيانة، بناء على القول اللينيني "إن المثقّفين هم أقدر الناس على الخيانة، لأنهم أقدر الناس على تبريرها"، دون الرجوع إلى تفكيك حيثيات هذا الحكم الثقيل ووضعه في سياقه التاريخي والمرحلي، لأنه إن صح فإنه سيصدق أولا على صاحبه، لينين نفسه المثقف والمنظر الكبير.

لا شك أنه موقف يتمترس خلف منصة معاداة الثقافة وتحجيم دور المثقف. في حين لا يجب الوقوع بين تقاطب الأفكار الرجعية المهيمنة، وانخفاض جاذبية فكرة اليسار وتراجعها كقيمة تحررية مخلصة. إلا أن جذوة الأمل تظل موقدة بانتقال عدد من المثقفين إلى الانخراط في أشكال تنظيمية مختلفة غير فكرة التنظيم الحزبي، ومن ضمنها الجمعيات الحقوقية والثقافية. متخلين عن "الخيار الرئيسي الذي يواجهه المثقف بأن يتحالف مع استقرار المنتصرين والحكام"، وليختاروا "السبيل الأكثر صعوبة، معتبرين ذلك الاستقرار حالة طوارىء تهدد الأقل حظاً بخطر الانقراض الكامل". كما قال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).