Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

منظر عام من مدينة الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمغرب
قرار وزاري بنقل تنظيم معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب إلى العاصمة الرباط أثار استياء سكان المدينة

عبد الرحيم التوراني

بعد حملة "رفض جواز اللقاح"، خلال الأسبوعين الفارطين، وخروج مظاهرات احتجاجية في أكثر من منطقة مغربية، التقت آراء شعبية مختلفة على أن جهات معلومة في الأجهزة الحكومية تعمل على تلهية المواطنين واستغفالهم بتنفيذ خطة تضليلية، والغاية تمرير قرارات قد تكون أكثر إرهاقا لكاهل الطبقات الشعبية وأشد تضييقا.

لم يمض وقت حتى ارتفعت أصوات ضد قرار وزاري بنقل تنظيم معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب إلى العاصمة الرباط. وهو الاحتجاج الذي جاء من مجموعات متفرقة وأفراد من ساكنة العاصمة الاقتصادية، لكن التعبير عن هذا الموقف انحصر في مواقع التواصل الاجتماعي.

قال المحتجون إن مدينتهم ليس لها من التظاهرات الثقافية الكبرى إلا المعرض الدولي للكتاب، فكيف تخططون لتصبح عن جدارة حاضرة الإسمنت والصخب والتلوث، ومدينة بلا روح؟

وأتى تبرير وزارة الشؤون الثقافية أن الدافع هو حدث استضافة العاصمة المغربية فعاليات "عاصمة الثقافة الإفريقية".

السؤال الحارق

كانت مراكش هي من ستحتضن الحدث الإفريقي قبل قرار نقله إلى العاصمة. يومها لم تبدر من أهل المدينة الحمراء ونخبتها الثقافية ردة فعل تذكر، باستثناء "أسف وحزن" الفنان التشكيلي ماحي بينبين، رئيس اللجنة المنظمة للتظاهرة، الذي كتب في تدوينة أنه قرار "غير مفهوم الأسباب". بعكس قرار نقل معرض الكتاب الذي خلف رفضا عاليا من لدن ساكنة العاصمة الاقتصادية، ترددت أصداؤه في "القارة الزرقاء". ووجدها آخرون فرصة سانحة لرفع مستوى الجدال بالتساؤل عن دور المثقف في المجتمع، وما على فئة المثقفين التزامه بشأن هذه الواقعة من واجب الوقوف مع المطالبين بالإبقاء على المكان التاريخي لمعرض الكتاب بالدار البيضاء، رغم التراجع المضطرد الذي عرفه في مستواه وتنظيمه، وضعف الإقبال على اقتناء الكتب في ظل الثورة الرقمية وغياب القارئ المثقف، واكتظاظ أروقة المعرض بأطنان المطبوعات الصفراء، حتى يظن الزائر نفسه في جولة بتظاهرة للكتاب الديني. ما يفرض إعادة النظر في مضمون المعرض ومآله البئيس قبل التفكير في "تهريبه" لهذه الجهة أو تلك.

رواد نموذجيون

ارتبطت الحركة الوطنية والتقدمية في المغرب منذ منطلقها بمؤسسيها وروادها المثقفين، ممن كانوا يمتلكون سعة المعرفة والاطلاع، من علال الفاسي ومحمد بلحسن الوزاني وعبد الله إبراهيم، إلى المهدي بنبركة وعمر بنجلون وعلي يعتة وعزيز بلال وأبراهام السرفاتي وشمعون ليفي، مرورا بأسماء عديدة لا يتسع المجال هنا لحصرها، تركت بصماتها وأثرها على تطورات الوضع السياسي والفكري والثقافي في البلاد. 

نذكر أن المفكر الكبير عبد الله العروي عمل في شبابه إلى جانب زعيم اليسار المهدي بن بركة، وساهم معه في صياغة وثيقة "الاختيار الثوري". وظل محافظا على صلاته بالاتحاديين، فتقدم للانتخابات البرلمانية ضمن لوائح الاتحاد الاشتراكي بالدار البيضاء في انتخابات يونيو - حزيران 1977، لكن الحسن الثاني لم يكن يرغب في رؤية أمثال العروي بمجلس النواب. إلا أن أجهزة وزير الداخلية إدريس البصري ظلت تضايق العروي، وعرقلت حصوله على جواز السفر في بداية الثمانينيات. وربما لا تحتفظ ذاكرة الكثيرين بمشاركة عبد الله العروي في برنامج تلفزيوني، وهو يكيل المديح لعهد الحسن الثاني في الذكرى 25 لتوليه العرش (1986)، لكن مؤلفا جماعيا نشر بتلك المناسبة المذكورة، تضمن نصا استثنائيا لعبد الله العروي ملئيا بعبارات الإشادة بالنظام، نص حرص العروي على عدم تضمينه أي كتاب من إصداراته اللاحقة. 

في سنة 2013 سينتفض صاحب "الإيديولوجية العربية المعاصرة"، الكتاب الممنوع لسنوات والذي كان من "أناجيل اليسار" المغربي والعربي، ليدافع بقوة عن اللغة العربية بعد دعوة واحد من زمرة النظام بتعويضها باستعمال اللهجة الدارجة.

وكان عابد الجابري من أقطاب اليسار، وعضوا بارزا في قيادة الاتحاد الوطني - الاشتراكي، أمضى سنوات طويلة وهو يكتب الافتتاحيات ويصيغ الأدبيات الاتحادية، بصفته المسؤول عن إعلام الحزب، قبل أن يقدم استقالته في مستهل الثمانينيات ويلوذ ببيته في حي بولو بالدار البيضاء، متفرغا للبحث والتأليف، وليتحول إلى المفكر محمد عابد الجابري المعروف صاحب أطروحة "نقد العقل العربي".

والفيلسوف محمد سبيلا الذي لم يزده الإقصاء من صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بسبب وشاية حاقدة اتهمته بالعمالة للبوليس السياسي، سوى التزاما وصمودا بمواقفه تجاه المجتمع. 

والأمثلة عديدة وكثيرة عن المثقفين المغاربة الملتزمين، ومعظمهم من صفوف اليسار. كانوا حاضرين في معمعان النضال الشعبي، يقودون النقابات ومنظمات المجتمع المدني، ومنها اتحاد الكتاب وجمعية الاقتصاديين المغاربة واتحاد المهندسين وهيئات المحامين وغيرها من الجمعيات المهنية.

ومع نكوص اليسار، فتح المجال على مصراعيه لهيمنة فئات جديدة وافدة من الإسلاميين، أو من المدعومين من السلطة المخزنية، أو من أنصاف المثقفين، للسيطرة على تلك المنظمات والهيئات الجماهيرية، وفي المقدمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، أما اتحاد كتاب المغرب فيصارع الاحتضار بعد أن تعطل دوره الطلائعي، وغابت مساهمات أعضائه التنويرية، لينقلب إلى قضية شجار حول "سجل ملكية" متنازع عليها، وملفا متقادما يجرجر في أروقة المحاكم، وفي النهاية تحول لصفحة وفيات فيسبوكية ليس إلا، حيث لم يعد لمثل اتحاد الكتاب من دور في عصر انتشار المعلوميات وشبكات التواصل. وتلك حكاية أخرى.

فصاحة المقهورين

السؤال عن غياب المثقف أضحى من محصلات المشهد الكوني الراهن، والمغرب كغيره من  الأقطار العربية والعالمثالثية معني بهذا السؤال الحارق. إذ لم نشهد في الأعوام الأخيرة خروج مثقفين مغاربة بارزين لتبني قضايا الجمهور، والمشاركة في الاحتجاج مع المواطنين ضد الغلاء ورفع الأسعار مثلا، أو ضد ضرب الحريات. وإن حصل تأييد وتضامن فلا يتعدى تدوينة خجولة، أو توقيع عرائض وبيانات تنشر في الصحف والمواقع وبلا تأثير ملموس، ليعود المثقف إلى صمته وحياده، مؤكدا بسلوكه السلبي فرضية نهاية دور النخبة في تحريك الشارع وفي تغيير المجتمعات، كما كان يعول عليها في الماضي. حتى أصبح المشهد كما أوجزه الشاعر اللبناني شوقي بزيع ممهورا بـ"فصاحة الجموع المقهورة وغياب المثقفين".

لذلك أصبحت الانهزامية والسلبية توكل إلى النخبة المثقفة، بل ألصقت بها نعوت الانبطاح والركوب على ظهر الجماهير وقضاياها للوصول لقضاء مآرب مادية بالاصطفاف إلى جانب السلطة طمعا في فتاتها، إلى غير ذلك من عبارات التنقيص والاحتقار، التي تذكر بما كان يضمره الزعيم العمالي المحجوب بن الصديق للمثقفين من ازدراء، وقد عمّر الرجل طويلا على رأس المركزية النقابية الأولى (الاتحاد المغربي للشغل)، ولم يغادر المنصب إلا بقرار ملاك الموت. كان بن الصديق يوظف المثقفين اليساريين في سياسته النقابية، وبالمقابل يستصغر من قيمتهم أمام تعظيمه الكاذب للعمال، في الوقت الذي كان يمثل فيه المحجوب خير نموذج للنقابي الانتهازي المتسلق، بتعطيله لنضالات الطبقة العاملة، ليستقبل جزاء تحويله من عامل سككي بسيط إلى ملياردير من أغنياء البلد، بفضل نهجه لسياسة انتهازية صرفة، قام خلالها بشل طاقات الجماهير العمالية وتآمر عليها بإطلاقه للشعار المضلل: "سياسة الخبز".
أما مثقفو اليوم فصاروا أكثر مدعاة للشفقة، وهم يغيرون جلدهم كأفاعي حواة "ساحة جامع الفنا" بمراكش. يهرعون لخدمة السلطة، وهم جاهزون لتبرير المظالم ولتسويغ سياسة اضطهاد الطبقات الشعبية وشرعنة الاستبداد. فعندما عرضت فكرة إنشاء حركة سياسية من أحد أركان النظام، كانت في الأصل نواة لحزب إداري جديد ظهر لاحقا، هرولت نخبة من المثقفين السياسيين بباب صاحب الفكرة لتتحلق حول مائدته، متنافسة على تقديم أطروحات وصياغات مبتكرة تمتح من محبرة الأدبيات الديمقراطية ومن رصيدهم اليساري والحقوقي. ليشكلوا مشهدا بئيسا يقف فيه خدام مطيعون أو تلاميذ صغار بانتظار التفاتة الإطراء على اجتهادهم، ومعها الجزاء المادي والأعطيات طبعا. وقد انضموا للتهليل لآفاق العهد الجديد، مبشرين بالآمال والمباهج الموعودة كلها، مرتكزين في البدء على سردية رهاب الإسلاموفوبيا، وهجوم الظاهرة الإخوانية، ممثلة أساسا في حزب العدالة والتنمية، علما أنه حزب من صناعة مخزنية صافية عند المبتدأ والخبر. ورافق هذا التخويف المد الداعشي والتحاق شباب مغاربة بصفوف "الجهاد". من هنا أتت لافتة: "ضد أسلمة الدولة وضد أخونة المجتمع"، الشعار الذي أثبت زيفه لما أطل في "مسيرة ولد زروال"، في 18 سبتمبر 2016 بالدار البيضاء، التي حرك خيوطها حزب الأصالة والمعاصرة، فأعطى نتيجة مضادة أعادت إخوان بنكيران إلى الحكومة بعد أن كان قرار لفظهم جاهزا.

لا ريب أن تراجع المثقفين في المغرب، في عمومه وتفاصيله، هو من تراجع اليسار، وتراجع اليسار من استقالة المثقفين وتخاذلهم. فإلى حدود العقدين الأخيرين كانت غالبية مثقفي وأدباء المغرب منخرطة ومتعاطفة مع قوى وتنظيمات اليسار. ولما هرولت أحزاب اليسار إلى الاصطبل "المخزني" وتدجنت طوعا بالإغراء وكرها بالقمع، تخلت عنها الجماهير، وسبقتها النخب الملتزمة من فئة المثقفين. وساد اعتقاد خاطئ أن المواجهة تقع أساسا على كاهل التنظيمات السياسية بالأحرى، وليس على المثقف الواجب بقاؤه حرا ومستقلا بعيدا عن التحزب، وأن نموذج الفيلسوف جان بول سارتر والمفكر ميشيل فوكو الفرنسيين تم استنفاده ولا مجال لاستهلاك مفهوم بات منقرضا. لكن الحرية والاستقلالية لا تعني مطلقا صمت المثقف وإصابته بالخرس والصمم الكامل.

هدم الأسطورة

لقد قدم عدد من مثقفي اليسار ومناضليه في المغرب، وبعضهم أمضى سنوات طويلة في الاعتقال السياسي، نموذجا سلبيا وانتهازيا، جعل اليمين يبدو أحيانا يتمتع ببعض النزاهة وأكثر حياء أمام اللهطة والشراهة الوصولية، والاستعجال للتموقع وللاغتناء السريع على سلالم التزلف لقوى الظلم والاضهاد، بإنشاء خطاب تزييفي مرتبك لمواجهة الشارع، بعد أن كان الهدف من استقطابهم هو التأثير في الشارع، فباتوا يمثلون "فئة المثقّفين المأمورة ضمن الطبقة الآمرة"، كما كتب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.
أما بشأن المثقف ودوره في المجتمع، فيحار بعض المترددين هل ينضمون للمؤرخ شلومو ساند، ويقولون معه بـ"نهاية المثقف" باعتباره صوت الجماعة أو ضمير الأمة، والاصطفاف مع أصحاب المعاول لهدم الأساطير المؤسسة لشخصية "المثقف"؟

أم عليهم الكف عن المشي خلف صدى صيحة "موت المثقف"، وووراء من يُلبسون المثقف كل تهم العجز واليأس والفشل، وبالتالي رميه بتهمة الخيانة، بناء على القول اللينيني "إن المثقّفين هم أقدر الناس على الخيانة، لأنهم أقدر الناس على تبريرها"، دون الرجوع إلى تفكيك حيثيات هذا الحكم الثقيل ووضعه في سياقه التاريخي والمرحلي، لأنه إن صح فإنه سيصدق أولا على صاحبه، لينين نفسه المثقف والمنظر الكبير.

لا شك أنه موقف يتمترس خلف منصة معاداة الثقافة وتحجيم دور المثقف. في حين لا يجب الوقوع بين تقاطب الأفكار الرجعية المهيمنة، وانخفاض جاذبية فكرة اليسار وتراجعها كقيمة تحررية مخلصة. إلا أن جذوة الأمل تظل موقدة بانتقال عدد من المثقفين إلى الانخراط في أشكال تنظيمية مختلفة غير فكرة التنظيم الحزبي، ومن ضمنها الجمعيات الحقوقية والثقافية. متخلين عن "الخيار الرئيسي الذي يواجهه المثقف بأن يتحالف مع استقرار المنتصرين والحكام"، وليختاروا "السبيل الأكثر صعوبة، معتبرين ذلك الاستقرار حالة طوارىء تهدد الأقل حظاً بخطر الانقراض الكامل". كما قال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).