Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الحل العملي في الواقع الغربي هو التعايش، المتوتر حيناً والمتجاهل للتعارض أحياناً بين السرديتين
الحل العملي في الواقع الغربي هو التعايش، المتوتر حيناً والمتجاهل للتعارض أحياناً بين السرديتين

حسن منيمنة

في القرن الثامن عشر، استكملت "النهضة"، والتي ابتدأت قبل ذاك القرن ببضعة مئات من السنين، اغترافها من كتب القدماء، بمنهجية نقدية جديدة، لتخطو الخطوات الأولى نحو "الأنوار"، أي نحو تغليب العقل على النقل، والتجربة على التقليد، وباتجاه التقاء الفكر الحر مع الفطرة السوية التي ترى الحرية والمساواة أساساً للاجتماع. كان جلياً أن "الكتاب المقدس"، أساس المرجعيات الروحية والفكرية والاجتماعية حينئذ، بحاجة إلى مراجعة عميقة تنقد بعضه، بل ربما تنقض البعض الآخر. وهكذا كان، تمهيدياً.

القرن التاسع عشر أضاف، فيما أضاف، أوائل القدرة على استبيان الأرض. الحفريات الأثرية برزت كمدخل جديد إلى الماضي الغابر، كميزان جديد لنصوص الأخبار، دينية كانت أو دنيوية. لا عجب أن الأهواء هي التي قرأت السجل المستجدّ النابط من الأعماق في أول خروجه، فرأت تصديقاً لطوفان هنا وتأكيداً لخروج من مصر هناك.

كان لا بد من العودة لاحقاً، بعد استذخار السجل، إلى هذه التأييدات لاستيضاحها. وهي أوضحت حكماً أنه لا لقاء بين التاريخ الوقائعي المبني على قواعد البحث، وبين القصص الديني المعاضد بالإيمان. لا يضرّ ذلك المؤمن المطمئن بإيمانه، فكتابه ليس مدوّنة تاريخ، بل دعوة إلى التقوى.

القرن العشرين، في الغرب، إذ استثمر اللسانيات للمزيد من المتابعات التاريخية، شهد تعايشاً بين سرديتين متوازيتين، كليهما لا تدّعي الكمال، وكل منهما يبني عليها الإنسان الغربي قناعاته الوجودية، وفق معادلة وموازنة تختلف بين الفرد والآخر.

الأولى هي السردية الدينية، وقد رضي معظم الناس في الغرب أن بعضها مجازي. قلّة قليلة تصر على حرفيتها وزعم احتوائها على كل علم، فيما الغالبية العظمى قد سلّمت بأن أول فصولها رمزية وحسب. السردية الدينية الغربية المعاصرة، بصيغتها الأكثر رواجاً، لا تزعم الاشتمال على كل أمر، بل تترك لـ "العلم" مساحات عدّة يملؤها.

ولكنها تصرّ على الغلبة في موقعين: ما قبل العلم، أي حيث تقف الطروحات العلمية عند إشكالية الوجود من العدم (الإله من حيث الحد والتعريف معفي بالأصل من هذه الإشكالية)، ثم في إجمال القصة الكتابية، وإن لم يكن في تفاصيلها.

لسان حالها لخصومها هو أن جادلوا إن شئتم بشأن تاريخية الأنبياء، قد نسلّم بالرمزية في أخبار بعضهم، لا كلّهم، ولكن نرفض بتاتاً الطعن بحقيقة بني إسرائيل وبشخص المسيح. قد نختلف حول معنى ألوهيته، ولكن مفصليته لنا، للتاريخ، للعالم، أمر متحقّق، وخلفيته الإسرائيلية، صعوداً إلى داود ومن سبقه قائمة، وإن أعاق الضباب التاريخي جلاء مشاهدتها.

المعضلة، من وجهة نظر القراءة الأخرى، والتي يريد أصحابها لها أن تكون موسومة بالعلمية، هي أن "التسوية" التي ارتضتها السردية الدينية بعيدة جداً عمّا لديهم للتوّ من نتائج. "الكتاب المقدّس" برمّته، لا ببعض أوجهه وحسب، لا يلامس الوقائعية. أي لا تاريخية لبني إسرائيل، بل لا تاريخية للمسيح إلا بشقّ الأنفس وبما لا يلتقي مع القناعة الدينية قط. وكل التعاليم الكتابية التي تشرح العالم، تؤدي أداءها بالنواقص المتوقعة من معارف ما قبل تراكم العلم. أي قد يجري من خلال قراءتها عصر بعض نقاط ممّا يتوافق والعلم المنهجي، إنما شرط غضّ النظر عن فيض ما يتعارض.

الحل العملي في الواقع الغربي هو التعايش، المتوتر حيناً والمتجاهل للتعارض أحياناً بين السرديتين. والكلام هنا بوضوح هو عن سردييتين وليس عن فرقتين. أي في حين أن ثمة من يزعم الاقتصار في قناعته وخطابه على إحديهما، فإن المثال الرائج هو تعايشهما في فكر الشخص الواحد.

حتى في أوساط دعاة اللاإلهية الجدد، والذين يلتزمون موقفاً مسقِطاً للدين والإيمان، يمكن استشفاف رضوخ أو صمت أو اعتماد لأقسام أساسية من السردية الدينية، سواء في مسعى تفسير حياة المسيح دون اللجوء إلى الغيبيات، أي القبول بتاريخية حيث لا تاريخية مؤكدة، أو في اعتماد قصص العهد القديم أساساً للحضارة الغربية، بالتزاوج مع التراث اليوناني الروماني، دون مساءلة جوهرية لصدقيتها التاريخية، مع ما يستتبع ذلك من تأييد لمواقف عقائدية وسياسية.

ثمة عودة هنا إلى ما يشابه أحوال "الفلاسفة الوثنيين"، الصيغة المعتمدة في عالم هؤلاء كانت التجاور بين قناعات العامة حول الآلهة وأدوارها في حياتهم، ما يقتضي استرضاؤها بالعبادات والقربات، والذبائح والصدقات، وبين رصيد تأملات الخاصة والتي تمكنت من تحديد جملة الأسئلة التي يلزم أن تطرح لاستيعاب الكون والمجتمع والإنسان، والتي سارت في مسعى التوصل إلى إجابات، دون أن تزعم لإجاباتها مطلق الحق واليقين.

الكثير من هؤلاء "الفلاسفة الوثنيين" تعبّد في معابد الآلهة، وقدم لها الأضحية. لم ينفِ تعبّده هذا اعتماده الحكمة إطاراً، ولا هو كان كاذباً في أدائه.

ليس هذا التجاور بين المنظومات الفكرية والإيمانية حكراً على التجربة الغربية، بل إن تجليه الأعظم في التاريخ قد يكون التجربة الصينية، حيث تتعايش وتتكامل ثلاث منظومات، الطاوية في نظرتها الكونية، والبوذية في أبعادها الروحانية، والكونفوشيوسية في تأطيرها التشريعي.

وحتى داخل الإطار الإسلامي، أشكال التجاور، استشفافاً جاءت متعددة، سواءاً عبر المذاهب أو الفرق أو الطرق، بشكل ضمني، أو عبر الفلسفة بشكل صريح. بل يمكن اعتبار كتاب "فصل المقال" لابن رشد مسعى لتأصيل هذه العلاقة، وإن بمقدار من التطويع الذي يغشّي الانقطاع ويزكّي الاتصال.

المعضلة، إسلامياً، هي أن المهيمن على المتداول الثقافي هي الأصوات المصرّة على شمولية السردية الدينية وتمام صدقيتها وعلى أن التجاور بين سرديتين يهدف في نهاية المطاف إلى إبطال الدين،  وإلى أن المجتمعات "الإسلامية" لم تعرف ازدواجية السرديات ابتداءاً.

ولكنها هيمنة تكاذب. والتجاور واقع حاصل لا ينفع معه الإنكار. في كافة الاختصاصات العلمية الصرفة والتجريبية علماء مسلمون مؤمنون صادقون بإيمانهم، يمارسون مهنهم ومهامهم بما هم عليه من كفاءة وخبرة، ثم يؤدون واجباتهم الدينية وفق قناعتهم بالمفروض عليهم، ولا يحتاجون إلى ما يقدم عليه البعض لا من محاولات التشذيب ولا من مساعي التوفيق القسري.

البعض المشذّب يتحف الجمهور بآرائه القاطعة التي تسقط علوماً بأكملها، وتصفها بالكذب والغش والغباء، لأنها تتعارض مع محكم النص القرآني أو صحيح الحديث، وحصيلة إنكاره بعد عقود من التنظير والتبجح هي لا شي البتة.

والبعض الموفّق يدخل هذه النصوص من أبواب مدهشة مخفية ليخرج بالتقاء غير محسوب، يبدو لوهلة وكأنه حقق النصرة للدين والإعجاز للقرآن والسنة، إذ أظهر كيف أن الاكتشافات العلمية والنظريات الكونية كان سبق أن استحضرها النص الديني. لينكفئ الموفّق ويطلب السترة يوم تتعدّل القراءات العلمية كما هي حكماً تفعل.

ثمن أن يصدح المشذّبون والموفقون باتفاقهم حول شمولية الإسلام وخالص صدقيته، وأن يقفوا بالمرصاد لكل من يتجرّأ على الإقرار بحقيقة أن السردية الدينية عاجزة عن الإحاطة بكل ما يعتبر، ليس عرقلة المسعى العلمي وحسب، بل كذلك تشتيت السردية الدينية باتجاه التصادم والتنافي.

ليس صحيحاً، كما قد يطرح بعض اللادينيين واللاإلهيين، بأن السردية العلمية سائرة بخطى ثابتة إلى يقين ينفي الأديان، بل هي بذاتها، انطلاقاً من محدودية الفكر البشري، تواجه مسائل مرحلية متواصلة بالإضافة إلى سقف دائم. ولكن بالمقابل، فمزاعم الإطلاق والكمال والشمول، والتهويل إزاء من يتجرأ على الاعتراض عليها، لم تعد مفيدة للسردية الدينية. الخيار المطروح هو الاستمرار بالتكاذب أو إتاحة بعض المجال لقدر من الإقرار بالتجاور.  "دين ودنيا" هو ما يعيشه معظم الناس. ليت الخطاب يرتقي إلى مستوى المعاش.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).