Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أوروبا وجهة الباحثين عن الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط
أوروبا وجهة الباحثين عن الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط

عبد الرحيم التوراني

من النصوص التي كان يتم تلقينها لتلامذة المرحلة الابتدائية في المغرب، خطبة  فاتح الأندلس طارق بن زياد. يذكر التاريخ أن القائد العسكري لما اجتاز الضفة الشمالية من البحر المتوسط (711م)، أحرق أسطوله البحري، وألقى في جيشه كلمة لبث روح القتال فيهم والاستبسال حتى النصر وعدم التراجع. وخاطبهم بالقول "أيها الناس.. أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم".

لم يكن أحد يظن أنه سيأتي زمن تسترشد فيه الأجيال القادمة بطارق بن زياد، لتستحضر كلماته التاريخية، بل إن هذه الأجيال ستسمى بـ "الحراكة" (الكاف جيم مصرية). فإذا كان طارق أحرق سفنه، فإن من يسمون بالمهاجرين السريين أحرقوا أوراق هوياتهم ليرحلوا إلى الشاطئ ذاته، وإن لم يحرقوا زوارقهم الصغيرة المسماة بـ"قوارب الموت" لأن أعدادا كثيرة منهم تموت غرقا في لجة البحر قبل تحقيق أحلامهم، وهي بالطبع مختلفة عن أحلام الأجداد. 

فما حفظوه من خطبة طارق هو أن "أقوات" أوروبا "موفورة"، وعليهم أن يعلموا أن "انتهاز الفرصة لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت". "واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا، استمتعتم بالأرفَهِ الألذ طويلا".

كما لو أنها إعادة فتح جديد لشبه الجزيرة الإيبيرية، أو كأن "طارق لم يفتح الأندلس" كما كتب القاص المغربي الراحل مصطفى المسناوي.

انخفاض ثم طلوع

خلال الشهر الحالي، عادت قضية الهجرة غير الشرعية لتطفو على سطح الأحداث من جديد، بعد انحسار جائحة كورونا والتخفيف من الضوابط الوقائية. وكانت ظاهرة الهجرة السرية شهدت انخفاضا في السنتين الأخيرتين بسبب انتشار الوباء، إثر إغلاق الاتحاد الأوروبي لحدوده وفرض قوانين أكثر تشددا ضد الهجرة واللجوء، وضد الهجرة غير القانونية. 

ورغم ذلك لم تتوقف مغامرات العبور إلى أوربا بشكل غير قانوني في سنتي 2019 و2020. حسب وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة تم تسجيل غرق حوالي ألف شخص ممن ركبوا "قوارب الموت" خلال العامين المذكورين. لكن المراقبين يرجحون أن الرقم المحتمل هو أعلى من ذلك بكثير، إذ حسب متابعاتهم، لم يوقف تشديد القيود القانونية حركة الهجرة، بل إن عدد المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر الأبيض المتوسط، تضاعف مرتين خلال النصف الأول من العام الحالي، وفق أرقام رسمية إسبانية. 

ويرى بعض خبراء الهجرة أن وباء كورونا دافع قوي لموجات أكبر من "الحراكة". وأن الذي حدث هو تغير في المسارات والطرق، من شرق المتوسط إلى وسطه الأشد خطورة.

يمثل المغرب لقربه من أوروبا نقطة عبور رئيسية، تنطلق منها أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين، خصوصا المتحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يتجهون من شمال المغرب بالبحر المتوسط، أو من حدوده البحرية الغربية على سواحل الأطلسي المطلة على جزر الكناري.

ولأن الاتحاد الأوربي يضع المغرب في مرتبة متقدمة بين الدول المتعاونة مع سياساته في الهجرة، فقد صدر في نهاية يوليو الماضي بيان عن مفوضة الاتحاد الأوروبي يؤكد على أهمية "الشراكة القوية" مع المغرب. تأكيد تم تجديده للتخفيف من حدة التوتر الذي حصل بين المغرب وإسبانيا في شهر مايو من هذه السنة، بعد وصول آلاف المهاجرين إلى مدينة سبتة، قدرت أعدادهم بحوالي 5000 مهاجر، وهو رقم قياسي يحصل في يوم واحد بهذا الحجم من العابرين غير الشرعيين.

نظر إلى هذه الواقعة كرد فعل من الرباط على استقبال مدريد لزعيم البوليساريو من أجل تلقي العلاج بإحدى المصحات الاسبانية. ولم يكن مستغربا انحياز البرلمان الأوروبي إلى إسبانيا، حين عبر عن "رفضه استخدام المغرب للمراقبة الحدودية والهجرة، وخصوصا القاصرين غير المصحوبين، كآلية ضغط ضد الاتحاد الأوروبي". إذ يعتبر الاتحاد الأوربي مدينتي سبتة ومليلية حدودا أوروبية داخل الأراضي الإفريقية!. 

واتهمت جهات أوروبية المغرب بابتزازه لدول الاتحاد الأوروبي لإرغامها على الاعتراف بسيادته على الصحراء الغربية إثر اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

ضمن هذا السياق يتهم المغرب بممارسة ضغوط على أوروبا من خلال تعاونه الأمني والاستراتيجي المتصل بقضايا الهجرة غير الشرعية والمخدرات والإرهاب. وكان من نتائج الضغوط الأوروبية على المغرب لمشاركته في الحد من تدفق الهجرة غير الشرعية صوب أوروبا، اتفاقيات تعاون بموجبها يحصل المغرب من الاتحاد الأوروبي على مساعدات بملايين اليوروهات، دعما لجهوده في محاربة الهجرة غير الشرعية، ومساعدته في توفير شروط تنموية لإيقاف جحافل الراغبين في "غزو" أوروبا، والعمل على إبقائهم داخل حدود إفريقيا، حيث تعيش غالبيتهم في المغرب في ظروف صعبة و"غير إنسانية".

قوارب الموت الجوية

لا زال الرأي العام في المغرب وفي إسبانيا يتداول مغامرة إقدام شبان مغاربة على دخول إسبانيا عبر الأجواء، ما وصف باستعمال "قوارب الموت الجوية" كبديل عن "قوارب الموت البحرية".

ففي ليلة الاحتفال بالذكرى 46 لحدث "المسيرة الخضراء"، التي تعد عيدا وطنيا في المغرب يرتبط بتحرير الصحراء الغربية، باعتبارها من أقاليمه الجنوبية المسترجعة. اختار شباب مغاربة تخليد الذكرى على طريقتهم الخاصة. وأفاق الرأي العام في كل من إسبانيا والمغرب وباقي العالم على خبر يضاهي في تفاصيله سيناريوهات السينما الهوليودية. عملية فرار جماعي منظمة من على متن طائرة اضطرت لهبوط اضطراري في مطار بالما دي مايوركا، بعدما كانت متجهة إلى مطار إسطنبول. بقية القصة باتت معروفة، وموجزها أن طاقم الطائرة توصل بإشعار حول تدهور الحالة الصحية لأحد الركاب، وبمجرد هبوط الطائرة الاضطراري وفتح أبوابها هرب منها 24 راكبا مغربيا، بمن فيهم من ادعى المرض، واتضح أنه لا يعاني من أي مشكل صحي. وقد حظيت عملية الهروب الجماعي باهتمام إعلامي دولي، وبدا أنه خطط لها بدقة متناهية قبل تنفيذها.

هروب من العرس

لماذا يهرب الشباب المغربي ويخاطر بالهجرة غير الشرعية؟
 
هناك مثل متداول يقول: "لا يهرب أي قط من دار العرس"، لذلك فأسباب تنامي الهجرة غير الشرعية ليست بحاجة لشرح ضافٍ، وتكمن بإيجاز في مصاعب الحياة، ويجد الشباب أنفسهم ضحايا مخططات سياسات التفقير والتجهيل، وانتشار الرشوة وهيمنة الفساد. ما يخلف انعدام الاطمئنان النفسي وغياب الأمن الفردي والجماعي. يضاف إلى هذا تشديد إجراءات الحصول على التأشيرة لدخول أوروبا، خصوصا للقادمين من دول جنوب الأبيض المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء، التي تتفاقم بها النزاعات المسلحة. هكذا لا يبقى أمام الشباب من أجل تأمين حياة أفضل وتغيير الحياة البائسة سوى المغامرة بالهروب إلى الضفة الشمالية، مهما كلف الثمن الذي يفرضه سماسرة الموت. ويضطر المرشحون للهجرة لركوب قوارب متهالكة مجازفين بأرواحهم وسط عواصف البحر، ومنهم من يلجأ إلى الاختباء تحت حافلات السياح وسيارات المغادرين بالمركز الحدودي باب سبتة.

لذا أصبح وصف الهجرة غير القانونية بـ"السرية" لا يطابق واقع الحال، بعدما أصبحت ظاهرة علنية، فالجميع يتحدث عنها، والمهربون من مافيا الاتجار بالبشر يعلنون عن شروطهم ورحلاتهم عبر مجموعات مواقع التواصل ويدارون قرارات الحظر. 

أما الحكومات المغربية المتوالية، وأمام حجم التزايد الديمغرافي، وآلاف الخريجين الجدد سنويا، وانتشار البطالة، فوجدت بعض الحل جاهزا في دفع الشباب إلى الهجرة، "خوفا من تحركهم داخل البلاد"، كما قال المفكر المغربي المختص في الدراسات المستقبلية المهدي المنجرة. هو ذات ما عبر عنه خبير إسباني حين قال "إن الحكومة المغربية تعتبر الهجرة السرية صفقة لدعم الحالة الاقتصادية وبالضرورة الاجتماعية". 

وهي الإشارة التي لم يفت المهدي المنجرة التأكيد عليها في إحدى مداخلاته في العقد الماضي، وهي أن المداخيل الناتجة عن تحويلات المهاجرين، تعد "من أهم مداخيل ميزانية دولة المغرب، أكثر من السياحة ومن عائدات تصدير الخضر والفواكه". وبالفعل سجلت السنة الفائتة ارتفاعا في رقم التحويلات المالية للجالية المغربية بالخارج، وفقا لتقرير البنك الدولي، وخلافا للتوقعات المستخلصة من أزمة كورونا. وبلغت التحويلات المالية إلى المغرب خلال 2020 حوالي 7.4 مليارات دولار، أي 6.5 في المئة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 6.9 مليارات دولار خلال سنة 2019.

رقصة الموت

وبالرغم من تحويلات المهاجرين لدعم أسرهم المحتاجة، فإن السلطات لا تقابل المهاجرين بما ينبغي القيام به تجاههم في سفاراتها وقنصلياتها، ولدى عودتهم في مواسم العطل، والقصص عديدة عن حجم المظالم والمشاكل التي يشتكي منها المهاجرون. حيث يسري نظام ضرب الحريات وحقوق الإنسان على الجميع مقيمين ومهاجرين.

بعد فقد ثقتهم في السياسيين، أصبح معظم الشباب في المغرب يفكر في الهجرة ويتطلع إلى العيش والعمل بأوروبا، من دون أدنى اتعاظ بمآسي وقصص الكوارث الناجمة عن ويلات الهجرة غير الشرعية. فعندما توصد الأبواب أمام الشباب ترفع "زوارق الموت" مجاذيفها لمعانقتهم ولأخذهم بالأحضان، وسط رقصة الموج المميتة. هذا دون الكلام عمن "حرك" منهم إلى الجهاد بصفوف الطالبان وداعش.

لذلك لن تتوقف الهجرة غير الشرعية. بل هي مرشحة للمزيد والاستئناف بعد رفع قيود كورونا. ولا مجال لإنقاذ الأرواح ومساعدة الضحايا. 

في بعض الحالات التي تم فيها إيقاف مهاجرين غير شرعيين خارج مضيق طارق والأطلسي، نجد جنسيات الموقوفين من أفغانستان وسوريا والصومال وغيرها من البلدان التي تعيش حروبا، لكنك ستعثر بينهم على مهاجرين مغاربة. وعندما فتحت المستشارة أنجيلا ميركل حدود بلدها ألمانيا أمام اللاجئين من بلدان آسيا، تواجد ضمن تلك الطوابير "حراكة" مغاربة ادعوا أنهم سوريون. لهذا لو فتحت الأبواب أمام الجميع، فسيطلب من آخر مغادر أن يطفىء النور وهو خارج! كما يقال.

 لقد تحدث الكاتب وعالم السياسة البلغاري، إيفان كراستيف عن الهجرة فوصفها بكونها أخطر من الحروب، وأضاف أنها هروب من القيام بالثورات، باتجاه الحلم الأمريكي أو الفردوس الأوروبي. هكذا باتت ظاهرة الهجرة هروباً جماعياً، لكنها في واقع الأمر هي ثورة فردية، وليست خلاصا جماعيا. 

فما الذي يحدث والحكومة المغربية الجديدة برئاسة، عزيز أخنوش، استقبلت بمظاهرات حاشدة احتجاجا على الأوضاع المزرية للطبقات الشعبية، ودشنت عهدها بمغامرة مثيرة تمثلت في "الهروب الكبير" عبر الأجواء. إذ الاعتقاد واهن جدا بأن حكومة أخنوش عازمة على القيام بإصلاحات فعلية، أو أن بإمكانها الالتزام بمبادرات تنموية حقيقية تستجيب للاحتياجات والمتطلبات الشعبية.

الأوضاع لا تزيد إلا تفاقما وهشاشة، ما يدفع المرء للتساؤل إلى متى يظل المغاربة "مقيمون ومهاجرون"، هنا وهناك "أضيع من الأيتام على مائدة اللئام"؟ حسب تعبير القائد طارق بن زياد.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا
إنقاذ طفلة من تحت الأنقاض في مقاطعة هتاي جنوبي تركيا

ابتهال الخطيب

بدا المشهد سريالياً، لربما عدمياً، وهذا الرجل يقف على تلة من الأنقاض، يحمل في يديه حجراً من القطع الكبير ويطرق به على القطع الأسمنتية المتناثرة حوله. يصرخ الرجل بكلمات غير مفهومة، ثم يَطرق منصتاً لثوان، يلصق أذنه بقاعدة إسمنتية ضخمة أمامه، لربما كانت سقفاً قبل دقائق، متلهفاً لسماع صوت يعيد نداءه. لا يسمع شيئا، يعيد الطرق، يعيد النداء بذات الصوت المستميت، يصغي قليلاً، يتلفت حوله، يعيد الطرق، يعيد النداء.

تخيلت للحظة أن الفيديو قادم من فيلم قديم صامت، تتسارع مشاهده وتتكرر بشكل غريب، إلا أن لهذا المشهد أصوات مسموعة وإن كانت غير مفهومة، أصوات معجونة لألم ويأس ووجع، ولهذا المشهد ألوان وإن كانت غير مرئية، حيث حولت الأنقاض الصورة للأبيض والأسود، وكأنها ترينا "نيجاتف" حياتنا البشرية الهشة الخاوية من المعنى.  

وتتوالى المشاهد بقسوة غير مبررة. في مشهد آخر يمسك رجل بوليد عار، خرج من رحم أمه مباشرة للشارع، في صورة لا معنى لها، لا عِبرة منها ولا مغزى لقسوتها. الخبر يقول أن هذا الطفل وُلد تحت الأنقاض فيم والدته لقيت مصرعها. لربما العبرة أن مع كل موت حياة، أن الحياة أقوى من الكوارث، أن المعجزات ممكنة، لكن لا شيئ من هذه الجمل الكليشيهية له معنى حقيقي، له بُعد عميق. كلها كلمات نرددها، فيم الدنيا، هذا "المشروع الخطر لأن نحيا" كما يصفها الكاتب الكبير جوزيف كونراد، تضربنا بسبب وبلا سبب، وفيم نحن "نجوِّد" للدنيا ونزيد على قسوتها، فنضيف للألم ألما وللعذاب والقسوة والمعاناة جرعات من أفعالنا.  

لربما لا يحسب الزلزال علينا كبشر بشكل مباشر، إلا إذا كان قد وقع نتاج تلاعبنا المعتاد بالطبيعة والذي يستثير غضبها الضاري بين الحين والآخر، إلا أن أوضاع البشر المعرضين لهذا الزلزال تحسب علينا كاملة، وتحسب علينا كلنا كبشر، لا أحد بريء أو معذور. لقد تشرد من الشعب السوري في غضون السنوات القليلة السابقة، منذ أن بدأ نظامه يحرقه في محارقه السياسية المرعبة، عدد أكبر ممن نزح من الفلسطينيين المُحتلين إبان المئة سنة الماضية. لقد مات من الشعب السوري كباراً وصغاراً، جوعاً وبرداً وإرهاقاً ومرضاً وتعرضاً للجرائم، عدد لربما فاق أعداد ضحايا أسوأ النكبات البشرية على مدى تاريخ جنسنا الغريب. كل ما يمكن أن يقع من المآسي وقع، لتصيب شظايا هذه المآسي الأطفال بالتحديد: إطلاق نار مباشر عليهم، تفجير سرائرهم الصغيرة بقنابل من السماء، غرقهم في البحر، تجمد قلوبهم الصغيرة في المخيمات الباردة، التصاق معداتهم الطرية في أيام ممتدة بلا طعام، تهالك أجسادهم الندية بأمراض كان يمكن أن يتفادوها أو يتعالجوا منها، فماذا بعد ننوي أن نفعل في أطفال بني جنسنا؟ أي جنس حي واع ذكي هذا الذي يأكل صغاره؟ 

ثم تظهر الجريدة الفرنسية الرخيصة ذاتها لتسخر من ضحايا الزلزال وتتشفى في المدفونين تحت الأنقاض وتحتفل بالموت الذي لم يعد يحتاج "لإرسال الدبابات". هنا تظهر قيمة حرية الرأي والتعبير، فهذه الحرية هي التي كفلت لهذا الإعلام الرخيص القذر أن يكشف عورته ويُظهر أقبح وأبشع ما لديه، ولولا هذه الحرية، لولا هذه المساحة المتاحة لهذه الصحيفة، لما عرفنا درجة رخصها وانحطاطها.  

وفي حين أن كلمات هذه الصحيفة تُظهر أبشع وجه للبشرية، فإن الفزعة المقابلة للشعوب المختلفة تُظهر أجمله وأنقاه. وعلى الرغم من أن ثلاثة أرباع المعاناة من صنع جنسنا، إلا أن ثلاثة أرباع جنسنا الآن يحاول أن يعوض ويُصلح ما اقترفه أياد البعض منا، وما زاد عليه بعضنا الآخر بالسكوت والتجاهل. في أحد صور أضعف الإيمان، نحن لا نزال نحاول، كجموع بشرية كاملة، تجاوباً مع غريزة البقاء، أو تفاعلاً مع مشاعر تأنيب الضمير، أو إقراراً بذنب المشاركة في المأساة، أن نمد يد العون وأن نقدم شيئا من جهود الإغاثة، في صورة ملحمية طيبة لربما تشير لبعض الأمل في جنسنا الغريب العدمي السائر بحثاثة على طريق الفناء. 

هناك الهلال الأحمر، الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، منظمة اللاجئين، اليونيسيف، منظمة الخوذ البيضاء وغيرها من المؤسسات الكثيرة التي تستقبل المساعدات المادية والعينية لتوصلها إلى المناطق المنكوبة في تركيا وسوريا. لنتبرع جميعاً بأي مقدار، كل دولاراً وجنيهاً وديناراً ودرهماً سيفرقون. لنحاول التأكد من وصول المساعدات لسوريا تحديداً، هذه التي ظروفها السياسية المرعبة، هذه الظروف التي فوق ما قتلت من بشر تمنع اليوم عنهم المساعدات وتسد عليهم الجسور الجوية، جعلتها هي الأكثر حاجة للأيادي الممدودة والقلوب المتواصلة بالدعاء والحب. لنرسل حيث نرسل، فالدنيا فيها من الهم والألم والمعاناة ما يكفي لعطاء تلاحمنا ورحمتنا وتواصلنا بل وحتى للعطاء المُحَفَّز بعنصرياتنا وتمييزنا ويزيد. لنساعد، من منطلق عنصري، من منطلق تلاحمي، من منطلق غريزي، من منطلق عقلاني، من منطلق سياسي، من منطلق ترويجي مصلحي، من منطلق ديني، من منطلق أخلاقي، المهم أن نساعد، المهم أن نسد الفجوة التي خلقها هذا الزلزل ورعونة بني جنسنا وظلمهم وقسوتهم، المهم أن نتلاحم حيث يهاجمنا الفناء، فنقاوم وندفع ونحارب أمام هذا الوحش البشع العنيد. 

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).