Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أوروبا وجهة الباحثين عن الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط
أوروبا وجهة الباحثين عن الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط

عبد الرحيم التوراني

من النصوص التي كان يتم تلقينها لتلامذة المرحلة الابتدائية في المغرب، خطبة  فاتح الأندلس طارق بن زياد. يذكر التاريخ أن القائد العسكري لما اجتاز الضفة الشمالية من البحر المتوسط (711م)، أحرق أسطوله البحري، وألقى في جيشه كلمة لبث روح القتال فيهم والاستبسال حتى النصر وعدم التراجع. وخاطبهم بالقول "أيها الناس.. أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم".

لم يكن أحد يظن أنه سيأتي زمن تسترشد فيه الأجيال القادمة بطارق بن زياد، لتستحضر كلماته التاريخية، بل إن هذه الأجيال ستسمى بـ "الحراكة" (الكاف جيم مصرية). فإذا كان طارق أحرق سفنه، فإن من يسمون بالمهاجرين السريين أحرقوا أوراق هوياتهم ليرحلوا إلى الشاطئ ذاته، وإن لم يحرقوا زوارقهم الصغيرة المسماة بـ"قوارب الموت" لأن أعدادا كثيرة منهم تموت غرقا في لجة البحر قبل تحقيق أحلامهم، وهي بالطبع مختلفة عن أحلام الأجداد. 

فما حفظوه من خطبة طارق هو أن "أقوات" أوروبا "موفورة"، وعليهم أن يعلموا أن "انتهاز الفرصة لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت". "واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا، استمتعتم بالأرفَهِ الألذ طويلا".

كما لو أنها إعادة فتح جديد لشبه الجزيرة الإيبيرية، أو كأن "طارق لم يفتح الأندلس" كما كتب القاص المغربي الراحل مصطفى المسناوي.

انخفاض ثم طلوع

خلال الشهر الحالي، عادت قضية الهجرة غير الشرعية لتطفو على سطح الأحداث من جديد، بعد انحسار جائحة كورونا والتخفيف من الضوابط الوقائية. وكانت ظاهرة الهجرة السرية شهدت انخفاضا في السنتين الأخيرتين بسبب انتشار الوباء، إثر إغلاق الاتحاد الأوروبي لحدوده وفرض قوانين أكثر تشددا ضد الهجرة واللجوء، وضد الهجرة غير القانونية. 

ورغم ذلك لم تتوقف مغامرات العبور إلى أوربا بشكل غير قانوني في سنتي 2019 و2020. حسب وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة تم تسجيل غرق حوالي ألف شخص ممن ركبوا "قوارب الموت" خلال العامين المذكورين. لكن المراقبين يرجحون أن الرقم المحتمل هو أعلى من ذلك بكثير، إذ حسب متابعاتهم، لم يوقف تشديد القيود القانونية حركة الهجرة، بل إن عدد المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر الأبيض المتوسط، تضاعف مرتين خلال النصف الأول من العام الحالي، وفق أرقام رسمية إسبانية. 

ويرى بعض خبراء الهجرة أن وباء كورونا دافع قوي لموجات أكبر من "الحراكة". وأن الذي حدث هو تغير في المسارات والطرق، من شرق المتوسط إلى وسطه الأشد خطورة.

يمثل المغرب لقربه من أوروبا نقطة عبور رئيسية، تنطلق منها أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين، خصوصا المتحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يتجهون من شمال المغرب بالبحر المتوسط، أو من حدوده البحرية الغربية على سواحل الأطلسي المطلة على جزر الكناري.

ولأن الاتحاد الأوربي يضع المغرب في مرتبة متقدمة بين الدول المتعاونة مع سياساته في الهجرة، فقد صدر في نهاية يوليو الماضي بيان عن مفوضة الاتحاد الأوروبي يؤكد على أهمية "الشراكة القوية" مع المغرب. تأكيد تم تجديده للتخفيف من حدة التوتر الذي حصل بين المغرب وإسبانيا في شهر مايو من هذه السنة، بعد وصول آلاف المهاجرين إلى مدينة سبتة، قدرت أعدادهم بحوالي 5000 مهاجر، وهو رقم قياسي يحصل في يوم واحد بهذا الحجم من العابرين غير الشرعيين.

نظر إلى هذه الواقعة كرد فعل من الرباط على استقبال مدريد لزعيم البوليساريو من أجل تلقي العلاج بإحدى المصحات الاسبانية. ولم يكن مستغربا انحياز البرلمان الأوروبي إلى إسبانيا، حين عبر عن "رفضه استخدام المغرب للمراقبة الحدودية والهجرة، وخصوصا القاصرين غير المصحوبين، كآلية ضغط ضد الاتحاد الأوروبي". إذ يعتبر الاتحاد الأوربي مدينتي سبتة ومليلية حدودا أوروبية داخل الأراضي الإفريقية!. 

واتهمت جهات أوروبية المغرب بابتزازه لدول الاتحاد الأوروبي لإرغامها على الاعتراف بسيادته على الصحراء الغربية إثر اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

ضمن هذا السياق يتهم المغرب بممارسة ضغوط على أوروبا من خلال تعاونه الأمني والاستراتيجي المتصل بقضايا الهجرة غير الشرعية والمخدرات والإرهاب. وكان من نتائج الضغوط الأوروبية على المغرب لمشاركته في الحد من تدفق الهجرة غير الشرعية صوب أوروبا، اتفاقيات تعاون بموجبها يحصل المغرب من الاتحاد الأوروبي على مساعدات بملايين اليوروهات، دعما لجهوده في محاربة الهجرة غير الشرعية، ومساعدته في توفير شروط تنموية لإيقاف جحافل الراغبين في "غزو" أوروبا، والعمل على إبقائهم داخل حدود إفريقيا، حيث تعيش غالبيتهم في المغرب في ظروف صعبة و"غير إنسانية".

قوارب الموت الجوية

لا زال الرأي العام في المغرب وفي إسبانيا يتداول مغامرة إقدام شبان مغاربة على دخول إسبانيا عبر الأجواء، ما وصف باستعمال "قوارب الموت الجوية" كبديل عن "قوارب الموت البحرية".

ففي ليلة الاحتفال بالذكرى 46 لحدث "المسيرة الخضراء"، التي تعد عيدا وطنيا في المغرب يرتبط بتحرير الصحراء الغربية، باعتبارها من أقاليمه الجنوبية المسترجعة. اختار شباب مغاربة تخليد الذكرى على طريقتهم الخاصة. وأفاق الرأي العام في كل من إسبانيا والمغرب وباقي العالم على خبر يضاهي في تفاصيله سيناريوهات السينما الهوليودية. عملية فرار جماعي منظمة من على متن طائرة اضطرت لهبوط اضطراري في مطار بالما دي مايوركا، بعدما كانت متجهة إلى مطار إسطنبول. بقية القصة باتت معروفة، وموجزها أن طاقم الطائرة توصل بإشعار حول تدهور الحالة الصحية لأحد الركاب، وبمجرد هبوط الطائرة الاضطراري وفتح أبوابها هرب منها 24 راكبا مغربيا، بمن فيهم من ادعى المرض، واتضح أنه لا يعاني من أي مشكل صحي. وقد حظيت عملية الهروب الجماعي باهتمام إعلامي دولي، وبدا أنه خطط لها بدقة متناهية قبل تنفيذها.

هروب من العرس

لماذا يهرب الشباب المغربي ويخاطر بالهجرة غير الشرعية؟
 
هناك مثل متداول يقول: "لا يهرب أي قط من دار العرس"، لذلك فأسباب تنامي الهجرة غير الشرعية ليست بحاجة لشرح ضافٍ، وتكمن بإيجاز في مصاعب الحياة، ويجد الشباب أنفسهم ضحايا مخططات سياسات التفقير والتجهيل، وانتشار الرشوة وهيمنة الفساد. ما يخلف انعدام الاطمئنان النفسي وغياب الأمن الفردي والجماعي. يضاف إلى هذا تشديد إجراءات الحصول على التأشيرة لدخول أوروبا، خصوصا للقادمين من دول جنوب الأبيض المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء، التي تتفاقم بها النزاعات المسلحة. هكذا لا يبقى أمام الشباب من أجل تأمين حياة أفضل وتغيير الحياة البائسة سوى المغامرة بالهروب إلى الضفة الشمالية، مهما كلف الثمن الذي يفرضه سماسرة الموت. ويضطر المرشحون للهجرة لركوب قوارب متهالكة مجازفين بأرواحهم وسط عواصف البحر، ومنهم من يلجأ إلى الاختباء تحت حافلات السياح وسيارات المغادرين بالمركز الحدودي باب سبتة.

لذا أصبح وصف الهجرة غير القانونية بـ"السرية" لا يطابق واقع الحال، بعدما أصبحت ظاهرة علنية، فالجميع يتحدث عنها، والمهربون من مافيا الاتجار بالبشر يعلنون عن شروطهم ورحلاتهم عبر مجموعات مواقع التواصل ويدارون قرارات الحظر. 

أما الحكومات المغربية المتوالية، وأمام حجم التزايد الديمغرافي، وآلاف الخريجين الجدد سنويا، وانتشار البطالة، فوجدت بعض الحل جاهزا في دفع الشباب إلى الهجرة، "خوفا من تحركهم داخل البلاد"، كما قال المفكر المغربي المختص في الدراسات المستقبلية المهدي المنجرة. هو ذات ما عبر عنه خبير إسباني حين قال "إن الحكومة المغربية تعتبر الهجرة السرية صفقة لدعم الحالة الاقتصادية وبالضرورة الاجتماعية". 

وهي الإشارة التي لم يفت المهدي المنجرة التأكيد عليها في إحدى مداخلاته في العقد الماضي، وهي أن المداخيل الناتجة عن تحويلات المهاجرين، تعد "من أهم مداخيل ميزانية دولة المغرب، أكثر من السياحة ومن عائدات تصدير الخضر والفواكه". وبالفعل سجلت السنة الفائتة ارتفاعا في رقم التحويلات المالية للجالية المغربية بالخارج، وفقا لتقرير البنك الدولي، وخلافا للتوقعات المستخلصة من أزمة كورونا. وبلغت التحويلات المالية إلى المغرب خلال 2020 حوالي 7.4 مليارات دولار، أي 6.5 في المئة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 6.9 مليارات دولار خلال سنة 2019.

رقصة الموت

وبالرغم من تحويلات المهاجرين لدعم أسرهم المحتاجة، فإن السلطات لا تقابل المهاجرين بما ينبغي القيام به تجاههم في سفاراتها وقنصلياتها، ولدى عودتهم في مواسم العطل، والقصص عديدة عن حجم المظالم والمشاكل التي يشتكي منها المهاجرون. حيث يسري نظام ضرب الحريات وحقوق الإنسان على الجميع مقيمين ومهاجرين.

بعد فقد ثقتهم في السياسيين، أصبح معظم الشباب في المغرب يفكر في الهجرة ويتطلع إلى العيش والعمل بأوروبا، من دون أدنى اتعاظ بمآسي وقصص الكوارث الناجمة عن ويلات الهجرة غير الشرعية. فعندما توصد الأبواب أمام الشباب ترفع "زوارق الموت" مجاذيفها لمعانقتهم ولأخذهم بالأحضان، وسط رقصة الموج المميتة. هذا دون الكلام عمن "حرك" منهم إلى الجهاد بصفوف الطالبان وداعش.

لذلك لن تتوقف الهجرة غير الشرعية. بل هي مرشحة للمزيد والاستئناف بعد رفع قيود كورونا. ولا مجال لإنقاذ الأرواح ومساعدة الضحايا. 

في بعض الحالات التي تم فيها إيقاف مهاجرين غير شرعيين خارج مضيق طارق والأطلسي، نجد جنسيات الموقوفين من أفغانستان وسوريا والصومال وغيرها من البلدان التي تعيش حروبا، لكنك ستعثر بينهم على مهاجرين مغاربة. وعندما فتحت المستشارة أنجيلا ميركل حدود بلدها ألمانيا أمام اللاجئين من بلدان آسيا، تواجد ضمن تلك الطوابير "حراكة" مغاربة ادعوا أنهم سوريون. لهذا لو فتحت الأبواب أمام الجميع، فسيطلب من آخر مغادر أن يطفىء النور وهو خارج! كما يقال.

 لقد تحدث الكاتب وعالم السياسة البلغاري، إيفان كراستيف عن الهجرة فوصفها بكونها أخطر من الحروب، وأضاف أنها هروب من القيام بالثورات، باتجاه الحلم الأمريكي أو الفردوس الأوروبي. هكذا باتت ظاهرة الهجرة هروباً جماعياً، لكنها في واقع الأمر هي ثورة فردية، وليست خلاصا جماعيا. 

فما الذي يحدث والحكومة المغربية الجديدة برئاسة، عزيز أخنوش، استقبلت بمظاهرات حاشدة احتجاجا على الأوضاع المزرية للطبقات الشعبية، ودشنت عهدها بمغامرة مثيرة تمثلت في "الهروب الكبير" عبر الأجواء. إذ الاعتقاد واهن جدا بأن حكومة أخنوش عازمة على القيام بإصلاحات فعلية، أو أن بإمكانها الالتزام بمبادرات تنموية حقيقية تستجيب للاحتياجات والمتطلبات الشعبية.

الأوضاع لا تزيد إلا تفاقما وهشاشة، ما يدفع المرء للتساؤل إلى متى يظل المغاربة "مقيمون ومهاجرون"، هنا وهناك "أضيع من الأيتام على مائدة اللئام"؟ حسب تعبير القائد طارق بن زياد.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).