Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تنتشر أنواع مختلفة من الجرائم في المجتمعات العربية منها "جرائم الثأر" وما يسمى "جرائم الشرف"
تنتشر أنواع مختلفة من الجرائم في المجتمعات العربية منها "جرائم الثأر" وما يسمى "جرائم الشرف"

د. عماد بوظو

تناول المقال السابق الدور الرئيسي الذي لعبته الحكومات في الارتفاع غير المسبوق في عدد الجرائم وزيادة وحشيتها في بعض الدول العربية، ولكن في المقابل هناك دور لا يقل أهمية لعبته المجتمعات المحلية في انتشار هذه الجرائم، لأن هذه المجتمعات لم تكتفي بعدم القيام بأي شيء لمكافحة الجريمة، بل شجعت وحرضت على بعضها واعتبرت من يقوم بها بطلا، ولأنه في أحيان كثيرة يتم التخطيط لهذا النوع من الجرائم بشكل جماعي على مستوى العائلة أو العشيرة مع تقاسم الأدوار بين من يقوم بمراقبة الضحية، ومن يقوم باختيار مكان وساعة التنفيذ على طريقة جرائم العقل البارد، التي تقوم بها المافيات أو العصابات المحترفة. 

من تلك الجرائم التي تعتبر المجتمعات المحلية مسؤولة عنها وشريكة مباشرة فيها، لأنها تلعب الدور الرئيسي في التحريض عليها، جرائم الثأر، وهي تقاليد قديمة تعود إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة، تستند على قاعدة العين بالعين والسن بالسن، ولذلك بمجرد فشل مشروع الدولة الوطنية في أغلب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عادت هذه الظاهرة للبروز مجددا، وتم إحياء المفاهيم القديمة المرتبطة بها، مثل اعتبار أن انتظار أجهزة الدولة لتحقيق العدالة مؤشر على جبن وضعف ذوي الضحية، ولذلك عوضا عن انتظار الشرطة والقضاء، يتم تحضير أحد أقرباء الضحية وتغذيته يوميا بمشاعر الكراهية إلى أن يأتي يوم الانتقام، رغم أنه في أحيان كثيرة لا يكون سبب المشكلة الأصلية جريمة قتل، بل قد يكون مجرد شتيمة تم اعتبارها إهانة لا يمحوها سوى الدم، وفي هذه المجتمعات لا تنتهي القصة هنا، بل قد تقود إلى سلسلة من الجرائم المتبادلة بين طرفي الخلاف. 

كما تشترك مجتمعات هذه المنطقة في نوع ثان من الجرائم يطلق عليها تعسّفا اسم "جرائم الشرف"، رغم أن هذه التسمية بعيدة تماما عن حقيقتها، فأين الشرف في قيام رجال أقوياء بقتل إمرأة أو فتاة أو طفلة ضعيفة لا حول لها ولا قوة؟ ولكن حسب مفاهيم هذه المجتمعات القتل هو عقوبة أي فعل جنسي، وحتى عاطفي بين طرفين لا يوجد بينهما عقد "شرعي"، وكذلك في الكثير من هذه الحوادث تجتمع العائلة أو كبار العشيرة، ويتم اتخاذ قرار القتل وتفاصيل تنفيذه بشكل جمعي، والغريب أنه في هذا النوع من الجرائم لا تختلف كثيرا مواقف الرجال عن مواقف النساء بل في كثير من الأحيان تشترك الأم في قتل ابنتها. 

وهذا سلوك من الصعب فهمه من دون معرفة الأهمية الاستثنائية لمفهوم "السمعة" في هذه المجتمعات المغلقة، والتي تعني صورة الشخص في عيون محيطه، وكيف تنظر إليه العشيرة أو القرية، ففي تعبير عن أقصى درجات الأنانية، يقوم رجل يقتل ابنته أو أخته بعقل بارد مع سبق إصرار وتصميم، من أجل صورته في عيون الآخرين، لأن أغلب الشعوب في عصرنا الحالي لا ترى أي سبب لوجود هذه الدرجة من الغيرة عند ذكر على أنثى غير زوجته أو حبيبته، كما أن النظرة للعملية الجنسية في هذه المجتمعات تلعب دورا رئيسيا في هذا النوع من الجرائم، فبدل اعتبارها فعل حب بين طرفين متساويين، ينظر إليها كفعل غزو يقوم فيه الذكر على جسد الأنثى، وبما أن هذا الجسد من ممتلكات العائلة، فإن العملية الجنسية تتحول إلى اعتداء على هذه العائلة، ويتم غالبا تحميل الأنثى المسؤولية الرئيسية عنه، لأنها الطرف الأضعف والانتقام منها أسهل. 

وهناك نوع ثالث من الجرائم تقوم بها هذه المجتمعات من خلال التحريض على معاقبة كل من يوجّه أبسط انتقاد للدين أو للعادات والتقاليد، فقبل بضعة أيام فقط، تم نشر تسجيل قديم لرجل دين مسيحي انتقد فيه بعض ما هو مذكور في التراث الإسلامي فاشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي بالتحريض على معاقبته، استخدم بعضها عبارات من نوع "أليس منكم رجل ينتصر لرسول الله"، أو "ماذا أنتم فاعلون، لا نامت أعين الجبناء"، والمقصود بالجبناء كل من لم يحرّك ساكنا للرد على ما تعتبره هذه المجتمعات إهانة شخصية لكل مسلم، ووضع بعضهم صورته وعليها حرف X مع ما يعنيه كل ذلك من تحريض مباشر على إلغاء وجوده أي قتله. 

وهذا ليس سوى أحدث مثال على ممارسات مستمرة منذ عقود، تكاد تنفرد فيها بعض المجتمعات الإسلامية التي سبق أن حرّضت على ارتكاب الكثير من الجرائم، وتم تنفيذ أعداد كبيرة منها بالفعل، ونجم عنها مقتل كتّاب ومفكرين وفنانين، وضمن نفس الطريقة في التفكير تقوم تلك المجتمعات بتحريض جموع من الغوغاء على إحراق أماكن عبادة أو منازل أو متاجر تعود لأشخاص جريمتهم أنهم يتبعون دينا أو طائفة أخرى، وعند الحديث عن هذا النوع من الجرائم، لا يمكن تجاهل من يتم سجنه في هذه البلاد من المفكرين والكتاب والفنانين لأن لهم رأي مختلف في بعض القضايا الثقافية أو الدينية وكذلك من النساء اللاتي قمن بتصرف يعتبره المجتمع غير لائق، لأن هذه العقوبات الظالمة يتم فرضها استجابة لحملة تحريض منتظمة، تقوم بها شرائح واسعة من المجتمع تعمل على تغيير توصيف ما قام به الشخص، ووضعه في سياق ازدراء الدين أو تهديد قيم المجتمع، وأحدث الأمثلة عليها الحكم الذي صدر قبل أيام بالسجن خمس سنوات مع الشغل على المفكر المصري الكبير المستشار، أحمد عبده ماهر. 

وفي الأمثلة السابقة كانت المجتمعات شريكة بشكل مباشر وفعّال في الجريمة، ولكن هناك دور آخر غير مباشر تلعبه مجتمعات هذه البلدان في ارتفاع منسوب الغضب والعنف، وفي ارتفاع أعداد الجرائم وزيادة وحشيتها، ومنها حالة الكبت الجنسي والحرمان العاطفي التي تعيشها هذه المجتمعات نتيجة الفصل بين الجنسين، وتأثيم الشهوة والجسد وتقديس العذرية، ومن الأمور المسلّم بها أن الغريزة الجنسية من الصعب إذا لم يكن من المستحيل مقاومتها، وأن الضغط عبر قمعها لابد أن يولّد انفجارا في مجال ما وأن يتظاهر في زيادة الاحتقان والغضب الذي ينعكس في ممارسات عنيفة. 

بينما يختلف الوضع جذريا في المجتمعات التي تجد في الجنس ممارسة طبيعية لا تولّد شعورا بالذنب، ومنها بلدان ذات أغلبية مسلمة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن خريطة الكبت الجنسي قريبة إلى حد كبير من خريطة المناطق التي تشهد النسبة الأكبر من العمليات الإرهابية وحوادث التحرّش والممارسات العدوانية تجاه المرأة، وجرائم الاعتداء جنسيا على الأطفال. 

ففي مصر قال المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن 85 في المئة من حوادث الاغتصاب والتحرش ضحاياها من الأطفال، وأغلبها يقوم فيها أشخاص من محيط الطفل، كما لوحظ خلال السنوات الأخيرة انخفاض عمر الأطفال المستهدفين بالاعتداءات الجنسية حتى وصل إلى الرضّع، وقال الدكتور، سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميريكية إن مصر هي البلد الثاني عالميا في التحرش، وفي مشاهدة المواقع الجنسية، وأكد أن الإحصائيات المعلنة عن الجرائم الجنسية لا تعبر عن الحقيقة أبدا، لأن أغلب هذه الجرائم لا يتم التبليغ عنها خاصة تلك التي تحدث بين الأقارب، لأن معرفتها من الآخرين يعتبر فضيحة وعارا، وتابع الدكتور "أن المجتمع المصري مريض نفسيا، ولكن لا أحد يريد الاعتراف بذلك"، والحقيقة أن ما قاله الدكتور، سعيد صادق، عن مصر ينطبق بدرجة أو أخرى على أغلب دول المنطقة.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).