Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

بعض الصور والمقاطع المصورة الخاصة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وتتحول لمادة سخرية
بعض الصور والمقاطع المصورة الخاصة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وتتحول لمادة سخرية

سناء العاجي

تخيل أن تجد إحدى نقاط ضعفك التي تزعجك وتؤلمك أحيانا... موضوع سخرية من طرف الملايين على مواقع التواصل!

تخيل أن تجد صورة التقطتها في لحظة حميمية، ليست بالضرورة مخلة، لكنها شخصية في إطار عائلي أو بين الأصدقاء، تطوف العالم ويسخر منها الآخرون؟

تخيل أن يكون لك عيب خلقي أو تفصيل في جسدك وشكلك، أو حتى خصوصية ما (لون البشرة، الوزن، إلخ)، لتجد هذه التفاصيل موضوع سخرية على مواقع التواصل.

الحقيقة أن الكثيرين بيننا، من دون وعي ربما، لا ينزعجون من إعادة نشر وتوزيع صور شخصية التقطت في حفل زفاف، أو صور لشخص يرقص، أو شابة تساعد في عملية سلخ خروف العيد في جو عائلي، أو شباب يحتفلون بزواج صديقهم بطريقة معينة، أو حبيبين يبدو لنا أحدهما أجمل من الآخر (أحيانا لمجرد كون أحدهما أسود البشرة)، أو فتاة لا تتقن إصلاح جهاز كهربائي ما، إلخ.

لكن، لنتخيل للحظةٍ ما الذي قد يشعر به هذا الشخص وهو يعرف أنه أصبح موضوع سخرية؟ ماذا لو كنا نحن ضحية هذا السلوك؟ ماذا لو أن تلك الصورة التي التقطها صديقك وأنتما في سهرة مرح، أصبحت متاحة للجميع؟ ماذا لو أن الفيديو الذي التقطته صديقتك وأنت ترقصين في حفل خاص مع صديقاتك وأحيانا بمبالغات قد نسمح بها لأنفسنا في لحظات الثقة بين الأحباب، أصبحت مباحة للجميع؟ ماذا لو أن سمنتك التي تعاني منها ولا تستطيع التخلص منها، أصبحت موضوع تندر للآخرين؟ 

ماذا لو أن اختيارك العاطفي للارتباط بشخص أطول أو أقصر بكثير منك، أو أسود البشرة، أو بديانة أو جنسية مختلفة، وهو اختيار شخصي لا يعني سواكما، أصبح موضوعا للتندر لأن الآخرين لا يعيشون معكما اليومي ولا تهمها سعادتكما أو مشاكلكما المحتملة؛ ولأنهم يتصورون أنه، مادام أسود، فأنتِ تزوجته عن طمع، ومادامت أكبر منك سنا، فأنت تزوجتها عن طمع؟ 

بكل أسف، مع انتشار استعمال وسائل التواصل، أصبح كثيرون، بمن فيهم بعض المثقفين والمناضلين الحقوقيين، ينشرون كل شيء، وأي شيء على مواقع التواصل، من دون احترام لخصوصية وكرامة الأفراد ولاختياراتهم الخاصة. نكت عنصرية وميزوجينية هنا وهناك، سخرية من اختيارات شخصية لأفراد بعينهم (ما الذي يعنينا مثلا في فارق السن بين الزوجين إيمانوييل وبريجيت ماكرون؟ لماذا لا نكتفي باحترام اختيارهما؟ ولماذا لا ننكت بنفس القدر على ترامب وملانيا، بينما هو تحديدا نفس فارق السن؟)؛ سخرية من أشكال الناس ومن تفاصيل خلقية لم يختاروها، توزيع لفيديوهات وصور يبدو واضحا أنها التقطت في إطار شخصي ليتم تعميمها غالبا من دون إذن إصحابها، وهلم جرما (والميم هنا مقصودة).
ربما حان الوقت لكي نعي أن علينا أن نتحلى ببعض ملكات التمييز، لكي لا نعيد نشر كل المحتويات التي تصلنا. شخصيا، السؤال الحاسم بالنسبة لي قبل أن أعاود نشر أي نكتة أو صورة أو فيديو هو: "ماذا لو كنت مكانه/ مكانها"؟ إن كان الجواب مؤلما، فهذا يعني أنني، ولكي لا تكون مقالاتنا وتدويناتنا  وتغريداتنا مجرد شعارات فارغة، ولكي نشبه ما ندافع عنه، سأمتنع عن النشر أو إعادة النشر... 

كما علينا أيضا أن ننبه من حولنا حول خطورة وسائل التواصل الجديدة (هذا لا يمنع أن لها ميزات كثيرة جدا): صورنا الخاصة والحميمية التي نلتقطها في لحظة ثقة، قد تصبح متاحة للآخرين، تفاصيلنا التي نقتسمها في لحظة ثقة قد تصبح ملكا عموميا ليس فقط لأن الآخر خان الثقة، لكن أيضا لأنه هاتفه قد يسرق أو يتعرض للقرصنة. 

لذلك، فمن ناحية، لنحم أنفسنا من تفاصيل كانت في زمن ما قبل الإنترنت لا تطرح إشكاليات كثيرة. لكن أيضا، لنوقف من جانبنا آلة النشر متى ما بدا لنا أن الآخر قد يتأذى أو قد تتأذى مشاعره. حتى لو كان شخصا لا نعرفه. 

من يدري... غدا، قد يتعلق الأمر بشخص نعرفه ونحبه. وقد يتعلق الأمر بنا نحن تحديدا.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام
لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام

ابتهال الخطيب

كتبت غدير أحمد على موقع vicearabia مقالاً بعنوان "هل نكره الرجال حقاً؟" متناولة موضوعا غاية في الحساسية بشأن ما يطلق عليه "العنصرية أو التمييز الجنسي المعكوسين" أي حين تمارس النساء عنصرية على أساس الجنس ضد الرجال بإطلاق أحكام مطلقة عليهم على أنهم، تعميماً، عنيفون أشرار.

وعلى حين أننا كلنا نعرف مرمى التعميم، فندرك في وعينا أن القول "بكل الرجال" لا يعني كل رجل على سطح الكرة الأرضية وإنما يعني أغلبية كافية من الرجال بما يشكل ظاهرة سائدة، إلا أن غدير، كما أي منا حين تتعامل مع هذا الموضوع الشائك، تجد نفسها مضطرة لتفسير ما لا يحتاج تفسيرا أو إيضاحا.

تقول غدير "إن التعميم، الذي هو في محله تماماً، هو أداة نسوية في هذا السياق، والهدف انتفاضة القلة الباقية من الرجال الذين لا يمارسون العنف، والحساسين تجاه هويتهم الاجتماعية وهويتها التاريخية."

تؤكد غدير على فهمنا في الواقع للتصنيفات الرجولية المختلفة، وأننا حين نشير "للرجل" فنحن في الغالب نعني "الرجل النمطي" الذي يمارس العنف على كل من هم في نطاق هيمنته، و"الرجل غير الحساس لموقعه الاجتماعي" كصاحب امتيازات جندرية، و"الرجل غير المدرك للمسؤولية التاريخية تجاه هويته الاجتماعية"، التي تتحدد على أساس جنسه الذي ينتمي إليه أغلب مرتكبي أعمال العنف في الجنس البشري. 

ورغم أن تجربتي تبدو مختلفة إلى حد كبير عن تجربة غدير، إذ أنني بضربة حظ خالصة أنتمي لأسرة الكثير من رجالها يقدمون نماذج صالحة وإنسانية، إلا أنني أتفهم تماماً ما تقوله، لربما لأنني، كإنسانة تمتلك ولو حد أدنى من المنطق، أفهم المعنى الضمني للتعميم أنه لا يعني كل فرد على سطح هذه الأرض ولكن بأغلبية كبيرة تشكل ظاهرة خطيرة، كما أفهم العمق الحقيقي لهذا التعميم الذي يتناول مجموعة بشرية تنتمي لجنس مهيمن، مثل مثلاً الحديث عن الطبقة البيضاء من المجتمع أو الطائفة السنية في الخليج أو الطائفة الشيعية في إيران أو المسلمين في الصين أو عديمي الجنسية في ميانمار إلى آخرها من الأقليات (السياسية وليس بالضرورة العددية) للبشر الذين يعانون من تمييز.

كل من لديه حس منطقي ولا يود التعلق بالشكليات اللغوية، سيتفهم تماماً هذا التعميم، وسينطلق منه إلى معالجة المعضلة الأخلاقية الإنسانية لا الغضب و"الحرن" من طريقة التعبير عنها. 

إلا أن ما يجمعني بغدير أبعد من مجرد المنطق، يجمعنا أنا وهي وكل نساء العالم على اختلاف ظروفنا وبيئاتنا ومفاهيمنا أننا كلنا مولودات لزاوية محددة من هذا العالم، زاوية لن يقف فيها الرجال في يوم ولذا لن يكونوا قادرين على رؤية المشهد منها أبداً. كنساء، نأتي نحن للحياة بحس دائم من الوصاية علينا، وحتى منا من يحالفها الحظ بأسرة أكثر انفتاحاً، سيلقنها المجتمع وتقاليده وفي الغالب قوانينه الدرس المطلوب. كنساء، نحن لا نختبر فعلياً تجربة التحرر الكامل والاختيارات الشخصية البحتة، نتنقل من ظل وصاية إلى ظل أخرى، إن لم تكن أسرية، فستكون مجتمعية، إن لم تكن مجتمعية، فستكون قانونية، إن لم يكن الأب، كان الزوج، وإن لم يكن الأخ، كان الجار، ومن منا تستطيع أن تنسى قصة الطبيبة المصرية التي ألقى بها جيرانها من شرفة شقتها التي تعيش فيها وحيدة عقاباً على "سوء سلوكها" كواحدة من ملايين القصص للنساء في وقتنا المعاصر المستمر في غبنه لجنسنا؟

بالتأكيد لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام، كما ولا تنحو لتعميم الشر على كل رجل على سطح الأرض، ولكن حين تكبر النزعة لتشكل  ظاهرة بين أفراد فئة بشرية ضخمة، يصبح الحديث المعمم مفهوما ومستحقا.

تذكر غدير في مقالها حقائق مرعبة، منها أنه، في عام 2018، "92% من ضحايا جرائم الاتجار بالبشر كن من النساء والأطفال، 10 مليون فتاة معرضة لخطر الزواج المبكر بسبب وباء كوفيد-19. على الأقل، 200 مليون امرأة وفتاة تعرضت لجريمة تشويه الأعضاء الجنسية الأنثوية (الختان)، في 31 دولة فقط. 82% من النساء البرلمانيات يتعرضن لعنف نفسي ذي طبيعة جنسية، 65% منهن تعرضت لهذا النوع من العنف الجنسي بواسطة زملائهن الرجال البرلمانيين".

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصل نسبة المتعرضات للعنف الجنسي من الرجال في الأماكن العامة إلى 60%". وكما تؤكد غدير هذه مجرد إحصاءات رسمية وبكل تأكيد غير شمولية ولا أتصورها تقترب من الأرقام الحقيقية ولا تأخذ بعين الاعتبار الجرائم التي تقع داخل الحدود المنزلية مثل جرائم التعنيف الأسري وجرائم اغتصاب الزوجات وجرائم العنف اللفظي والنفسي والتي كلها يصعب حصرها والتقنين لها، دع عنك أصلاً التبليغ عنها.

لربما تبرر هذه الأرقام لغة التعميم التي تتكلم بها النسويات والنساء حول العالم، إن لم تكن فكرة التعميم أصلاً مفهومة من حيث أنها لا تشمل كل شخص من الفئة المذكورة. يبقى أن نؤكد على أن الحراك النسوي هو حراك إنساني بالدرجة الأولى وأنه يمر، له قرون الآن، بمرحلة تنفيس تؤهل لما بعدها من مرحلة التعافي، وفي هذه المرحلة، تماماً كما مر حراك السود على سبيل المثال، سيكون الخطاب قاسي وتعميمي ومفترض أن يكون مفهوم بكل تطرفاته تلك. وعليه، لا يحث الحراك النسوي، في مجمله، على عنف أو كراهية أو قسوة غير مبررين، لكنها مرحلة إنسانية طبيعية، وستستمر إلى أن يعتدل الميزان.

وقد اختلف مع الكاتبة من حيث أنني لا أتوقع ألا يؤثر هذا الخطاب في الرجال ولا يضايقهم، فإن نتوقع أن يقطعوا الحق من أنفسهم تماماً ويتقبلوا هذه الهجمة حتى على أفضلهم هو غير عقلاني.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).