Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الوزير شكيب بنموسى برر عدم تشاوره مع الفاعلين التربويين والنقابات المعنية
الوزير شكيب بنموسى برر عدم تشاوره مع الفاعلين التربويين والنقابات المعنية

عبد الرحيم التوراني

منذ تنصيب حكومة عزيز أخنوش في السابع من أكتوبر- تشرين الأول 2021، يكاد لا يمر يوم عليها دون ارتفاع أصوات غاضبة واحتجاجات ضد قراراتها. وقد رافق تشكيلها زيادات مهولة في أسعار المحروقات والمواد الاستهلاكية الأساسية.

لقد تواصلت مظاهرات الأساتذة المتعاقدين، واندلعت احتجاجات الرافضين لقرار إلزامية جواز التلقيح ضد كورونا. وعادت مظاهرات الرافضين للتطبيع مع إسرائيل احتجاجا ضد زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي هذا الأسبوع إلى الرباط. يضاف إلى هذا الاحتجاجات الليلية بالأحياء الشعبية في الدار البيضاء، إثر مقتل شاب من أعضاء "ألتراس" مساند لنادي الرجاء البيضاوي لكرة القدم، واتهم البوليس بالتسبب في وفاته الناتجة عن الضرب المبرح، وفق ما يروج في مواقع التواصل الاجتماعي.  

كل هذه التعبيرات الاحتجاجية وردود الفعل السلبية تتفاعل داخل المجتمع المغربي. الأمر الذي دفع محللين سياسيين إلى وصف الأجواء بــ"توتر مشحون"، لا شك أن "مذكرة بنموسى" التي نزلت في أواخر هذا الشهر، ستكون الحطب المبلل بالبنزين الذي سيعمل على إنضاجه. 

هل يعيد التاريخ نفسه؟ 

في يوم الثلاثاء 23 مارس 1965 عاش المغرب انتفاضة شعبية كبرى لا تنسى، خلفت مئات القتلى برصاص القوات العمومية، وأوقف آلاف المعتقلين وحكم عليهم بقرون من السجن، وسيق آخرون إلى المجهول ليختفوا إلى الأبد. 

ارتبطت انتفاضة 23 مارس 1965 باسم الوزير يوسف بلعباس التعارجي، المتسبب المباشر في إشعال نيران انتفاضة الدار البيضاء، بقراره الذي وقعه بصفته وزيرا للتربية الوطنية. ورغم أن بلعباس كان وزيرا للصحة في الحكومة التقدمية للأستاذ عبد الله ابراهيم، التي تحظى بتقدير كبير لدى المغاربة، إلا أن اسمه سيقترن بمأساة 65 الدامية، التي حدثت في عهد حكومة ترأسها أحمد باحنيني (1909–1971)، وكان من أعضائها الجنرال الدموي محمد أوفقير (1920- 1972) كوزير للداخلية، وهو من أشرف على قمع الانتفاضة. 

ويخشى بعض المتتبعين من احتمال اقتران اسم وزير التربية الوطنية اليوم بـ"مأساة جديدة". وبخلاف بلعباس الذي كان محسوبا على حزب الاستقلال في شبابه وانتقل إلى صف التكنوقراط، قبل أن ينهي مسيرته المهنية سفيرا بالعاصمة الفرنسية التي توفي بها سنة 1997، فإن الوزير الجديد شكيب بنموسى كان بلا انتماء وتحزب، وقدم من رأس السفارة في باريس ليعين وزيرا للتعليم، بعد أن مر في السابق وزيرا للداخلية في حكومة التكنوقراطي إدريس جطو. 

كلا المذكرتين لكل من بلعباس وبنموسى، لهما صلة بالسن، فبلعباس قرر إقصاء التلاميذ المتجاوزة أعمارهم 15 بعدم إتاحة الفرصة أمامهم للانتقال إلى الأقسام الثانوية، في مذكرته المؤرخة بـ 19 فبراير 1965. أما مذكرة شكيب بنموسى فتقرر بموجبها إقصاء المتجاوزين لسن 30 سنة من التوظيف بالتعليم. 

كان لـ"مذكرة بنموسى" نفس رد الفعل الذي أثارته مذكرة سلفه بلعباس، وهو اندلاع غضب جماهيري واسع، انطلق ولم يتوقف منذ 20 يوم نوفمبر- تشرين الثاني الحالي، بخروج مظاهرات في شوارع الرباط والدار البيضاء وفاس ومكناس ومراكش وتازة وغيرها من المدن، ما رفع درجة عدم الثقة الشعبية في حكومة عزيز أخنوش.  

انضمت إلى المظاهرات الرافضة لـ"مذكرة بنموسى" أعداد كبيرة من الساخطين، مستنيرين بمواقف وآراء قانونيين. وكما أظهرت عدة فيديوهات على اليوتيوب، كان من بين أقوى الشعارات المرفوعة في فاس مثلا، شعار: "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهو من الشعارات الراديكالية التي رفعتها انتفاضات "الربيع العربي" في 2011، إلا أن هذا الشعار تم تبديله في أول خروج لـ"حركة 20 فبراير" بالمغرب، بشعار أقل جرأة، وهو "الشعب يريد إسقاط الفساد"، وسارع البعض بالقول إن القصد هنا لا يخص النظام الملكي، ولكنه يستهدف "إسقاط النظام الخاص بإجراء مباريات التوظيف". حيث أنه لم يقتصر فقط على وزارة التربية الوطنية، بل امتد إلى وزارات أخرى.  

ضيق في الصدر 

بعد إطلاقه المذكرة وتعميمها، برر الوزير شكيب بنموسى عدم تشاوره مع الفاعلين التربويين والنقابات المعنية بـ"ضيق الوقت"(!)، ثم قام باستدعاء النقابيين وخاطبهم إن "القانون يجيز تحديد سن التوظيف، وغرضنا حماية مهنة التعليم النبيلة". معلنا عدم التراجع عن قراره.  

حاول بنموسى ألا يظهر أثرا لانزعاجه من ردود الفعل التي خلفها قراره "الإقصائي"، وصرح للصحفيين أنه "رجل متفائل يرغب في البناء". وشدد على أن المذكرة المعنية "في غاية الأهمية وتتماشى مع الإصلاح الشامل". مضيفا أن "الحكومة التزمت بالاستجابة لانتظارات المواطنين"، وأن هذا الالتزام "نابع من مخرجات النموذج التنموي، خصوصا أن المغاربة فقدوا ثقتهم في المدرسة العمومية". 

لم تكن إجابات بنموسى لتقنع الرأي العام أو النقابات التي ردت  برفض المذكرة، واعتبارها عملا انفراديا. كما أن أحزابا من المعارضة، لم تر في مذكرة بنموسى غير قرار مقنع، وأن الحقيقة تكمن في استنجاد عبثي بالضغط على أزرار تقنية خطيرة، بهدف التخفيف من العبء على صناديق التقاعد. دون بحث الانعكاسات الاجتماعية للآلاف من الشباب ممن وجدوا أنفسهم خارج دائرة المباريات.  

في تدوينة فيسبوكية لأحد المتضررين نقرأ أنها مذكرة "لها أبعاد سياسية وأمنية تبرز حجم التخوف السائد لدى أجهزة الدولة من تغول الحركات الجماهيرية لأساتذة التعاقد، بعدما اتضح وجود نزوعات إيديولوجية راديكالية داخل صفوفها". وأن "الدولة باتت أكثر اقتناعا بأن مباريات التعليم أضحت "موسما للتوظيف"، ما جعلها ترد على الحركات الاحتجاجية بترسانة من الشروط القاسية والمجحفة، كما لو أنها تعاقب أساتذة التعاقد وتحاصرهم في الزاوية". 

من هنا يتساءل الناس كيف بإمكان برنامج حكومة أخنوش "الارتقاء بالمدرسة العمومية وبمستقبل أبنائهم، وإقناع الآلاف من الشباب المقصيين وعائلاتهم بأن البرنامج الحكومي يستجيب لتطلعاتهم كموطنين؟ وكيف سيراهن المواطنون على تنزيل "النموذج التنموي الجديد" الذي أعدته لجنة كان يرأسها شكيب بنموسى نفسه؟ 

الخلاصة وفق المعارضين، هي أن "مذكرة بنموسى" هي "تدبير يسير في سكة الإجهاز على المكتسبات الاجتماعية، وقرار مبني على التسلط والشطط في استعمال النفوذ، وانحراف ضد بنود القانون، باعتبارها تطاولا على الدستور المغربي الذي ينص على مبدأ المساواة لولوج الوظيفة العمومية".  

الأمية أفضل 

منذ عقود والمغرب يقع بأسفل ترتيب الدول في مؤشر جودة التعليم عربيا وعالميا. وطالما صدم المغاربة أمام تقارير المنظمات الدولية وهم يطالعون أسماء بلدان أشد فقرا تتفوق على بلدهم في جودة التعليم. 

وبعد الفضائح التي عاشتها أكثر من مؤسسة جامعية تورطت في بيع الدبلومات بفاس وطنجة وتطوان، تنظر محاكم المغرب هذه الأيام في قضية التحرش بالطالبات، القضية المعروفة بـ "الجنس مقابل التنقيط الجيد"، التي تورط فيها أكثر من أستاذ بجامعة الحسن الاول بمدينة سطات (جنوب الدار البيضاء). 

معضلة التعليم بالمغرب ليست وليدة اليوم، بل لها جذورها المترسخة منذ الاستقلال، وظلت تراوح مكانها عبر توالي العقود، فالتعليم شكل للملك السابق الحسن الثاني أرقا كبيرا، ليس فقط بسبب ما يقضمه من كتلة الأجور في ميزانية الدولة، ولكن أكثر من ذلك، عندما لاحظ الملك أن الشبيبة التلاميذية والطلابية هي وقود التنظيمات اليسارية المناهضة لحكمه المطلق. لم يكتم العاهل قلقه البليغ وهو يوجه خطابه إلى الشعب يوم 30 مارس 1965، أي بعد أسبوع على الأحداث الرهيبة في الدار البيضاء، حين قال إنه لا يوجد خطر أكبر على الدولة ممن يسمون بالمتعلمين، وأن الحال سيكون أفضل إن كان هؤلاء أميين. بعدها اعتكفت لجان غير معروفة على إدخال تغييرات جوهرية على محتوى ومناهج التعليم، وتم تشجيع التعليم الخاص، وفي نهاية السبعينات تقرر إلغاء مادة الفلسفة، وتعويضها بالفكر الإسلامي. إلى غير ذلك من القرارات.  

 لم تصمت المعارضة، بل إن نخبة من المفكرين والسياسيين والهيئات، انبرت للدفاع عن المدرسة العمومية بالمطالبة بتعميم التعليم ومغربته، ليكون "تعليما شعبيا، ديمقراطيا، عربيا، علمانيا وموحدا". على رأسها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والحزب الشيوعي، وحزب الاستقلال.  

وقبل ظهور قرار بنموسى حول تحديد سن المتقدمين لمباريات ولوج سلك التدريس، كان الجدال محتدما حول إدماج المتعاقدين، وفي لحظة مارقة غاب مطلب الإدماج لتتحول الأنظار إلى الحد الأقصى، هل سن الثلاثين أم سن الخامسة والأربعين كما ينص القانون. لذلك يرى البعض أن الانخراط في نقاش من قبيل دستورية "مذكرة بنموسى" من عدمه، يدخل في باب تضييع الوقت. إذ المعضلة أكبر وأعمق بكثير، تتصل في عمقها بالفساد الذي يضرب الإدارة المغربية، ومنها إدارة وزارة التعليم. 

قطع الألسنة 

في السنوات الأخيرة أثير كلام كثير حول تبديد أموال ما سمي بـ"البرنامج الاستعجالي"، وأشارت اتهامات إلى عدد من المسؤولين الكبار دون أن يتحرك القضاء، بل إن التحقيق اختار فقط بضعة مسؤولين أقل درجة، ثم أغلق الملف. رغم تداوله وطرحه بالبرلمان، حين تجرأ مستشار برلماني من حزب الاستقلال وألقى بكلام ثقيل ضد رؤوس كبيرة بوزارة التعليم، معلنا عزمه تفجير "الرمانة"، إلا أن الرجل أصابه صمت أبو الهول، ولم يفتح فمه بعدها. وقيل إنه بعد الفشل في إغرائه ماديا، استعملت معه الخطة "باء" فنجحوا في اغتياله معنويا. وما شاع بين المتتبعين هو أنهم فتشوا في علاقاته الحميمية و"جزوا لسانه". هو الأسلوب ذاته الذي استعمل مع صحفيين وناشطين حقوقيين. ولا أحد أفصح أين تبخرت ملايير "البرنامج الاستعجالي"، ومن أشار إلى الريش الذي يعلو رأس المتهم الحقيقي، قد يجد نفسه وحيدا ويندم. ما جعل الجميع يتبع سلوك القردة الثلاثة في الحكمة الهندية الأسطورية: "لم أر، لم أسمع، لن أتكلم". 

هكذا يذهب وزير ويعين محله آخر، في حين تستمر المجموعة المسؤولة المباشرة عن تدبير الوزارة، ويستمر تغييب الحكامة ولا يحاسب المسؤولين عن الاختلالات التدبيرية والمالية في الإدارة المركزية وبالأكاديميات. 

ولأمر لا يخفى، ركز الإعلام على ميزانية "العتاد الديداكتيكي"، رغم أنها لا تشكل سوى جزء بسيط من الميزانية العامة للمشروع، لا يتجاوز نسبة 0,6%، من أصل ميزانية تقترب من 50 مليار درهم. إذ يجرى التمويه دائما على الحقيقية، في حين يكفي الرجوع إلى تقرير المجلس الأعلى للحسابات الصادر في ديسمبر- كانون الأول 2018، والوقوف عند الصفحة 20 من التقرير المتاح على شبكة الإنترنيت. ويستمر تعميم الغشاوات على الأعين عبر شراء ذمم بعض الصحف والمواقع لزرع التضليل، أو لفسح المجال لتطاحن المتصارعين من العصابة، كما يحدث الآن. 

وسرعان ما يخيب الظن عند تعيين وزير جديد بالقطاع، في قدرته على إسقاط لوبيات الفساد المتحكمة بالوزارة، ويسري غالبا الخوف من توريطه هو ليتناول من نفس الصحن. لذلك لا يراهن أحد اليوم على بنموسى، وإن كان البعض يتفاءل باسمه (شكيب) الذي يعني الصبر والثبات.  

إن إفلاس النظام التعليمي بالمغرب لا يمكن تحقيقه إلا في سياق إصلاح حقيقي وجذري لإدارة الدولة، قادر على انتشال البلاد من قاع مؤشرات الفساد، ومن أسفل رتب التنمية البشرية. فالنموذج التنموي الجديد الذي يجب أن يرتكز على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكل المواطنين بشكل عادل ومنصف لن يجد طريقه للتفعيل بدون إدارة عمومية قوية بمواردها البشرية في جميع القطاعات. 

أو أن قدر المغاربة هو "أن يستحقوا أكثر"، الشعار الذي أوصل أخنوش إلى رئاسة الحكومة؟! 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).