Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"وكأن حروب الذاكرة اختصاص شرقي"
"وكأن حروب الذاكرة اختصاص شرقي"

د. عماد بوظو

طوال الأسابيع الماضية ومع تفاعلات الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا تكرر استخدام عبارة "حروب الذاكرة" والتي تشير إلى وجود ذاكرتين مختلفتين جذريا عند الشعبين لفترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، مع أن فرنسا لا تنكر المعاناة التي عاشها الشعب الجزائري بسبب الاحتلال الفرنسي وعبّر عن هذا الموقف بكل وضوح الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند: "لقد خضعت الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي إلى نظام ظالم ووحشي وهذا النظام يحمل اسما هو الاستعمار". 

ثم تطرّق إلى مجازر عام 1945 التي قتل فيها آلاف الجزائريين "إن أحداث سطيف وقالمة وخراطة تبقى راسخة في ذاكرة الجزائريين وضميرهم، فعندما كان العالم ينتصر على البربرية (النازية) تخلّت فرنسا عن مبادئها وقامت بتلك المجازر، وهذه حقيقة لابد من الاعتراف بها مهما كانت مؤلمة، وخاصة أمام الشباب، لكي تعيش الصداقة بين الشعبين... نحن نحترم الذاكرة، كل الذاكرة، ومن واجبنا أن نقول الحقيقة حول العنف والظلم والمجازر والتعذيب"، لكنه أكّد أنه لا يقصد بكلامه هذا الاعتذار. 

وفي العام الماضي، طلب الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون، من المؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر والمختص بالتاريخ المعاصر للجزائر، بنجامان ستورا، كتابة تقرير موضوعي ودقيق حول وقائع الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي وصفه ماكرون نفسه بجريمة ضد الإنسانية وأمل من هذا التقرير طي صفحة الماضي الأليم ومصالحة الذاكرة وتحقيق التهدئة بين البلدين.

وأنهى المؤرخ تقريره في بداية العام الحالي وقدّمه للرئيس ماكرون، وأوضح خلاله للفرنسيين أشياء لم يكونوا يعرفونها عن ممارسات الاحتلال، مثل تهجير 2 مليون مزارع من قراهم للاستيلاء عليها واستخدام النابالم ضد الجزائريين وقيام الحكومة الفرنسية باغتيال معارضين جزائريين، بالإضافة إلى قتل عشرات المتظاهرين الجزائريين ورمي جثثهم في نهر السين، في أكتوبر عام 1961، وطالب بإحياء هذه الذكرى سنويا بمشاركة الرئيس الفرنسي. 

ولكنه تحدث في المقابل عن قادة جزائريين لم يكونوا مع العمل المسلّح ضد فرنسا، بل كانوا يفضلون التركيز على تمسك الشعب الجزائري بلغته الوطنية وتاريخه المميز، وكانوا يؤكدون أنهم ليسوا ضد الشعب الفرنسي بل ضد الاستعمار وبعضهم كان متزوجا من فرنسيات.

كما ذكّر في تقريره بحجم التداخل بين الشعبين نتيجة وجود 2.5 مليون فرنسي عاشوا في الجزائر بين جنود ومستوطنين، بالإضافة إلى الحركيين، وهم الذين حاربوا في صفوف الجيش الفرنسي ضد جبهة التحرير ولجؤوا مع عائلاتهم إلى فرنسا بعد التحرير، والمهنيين الفرنسيين الذين عملوا في الجزائر خلال سنوات الاحتلال بحيث يصل عدد الفرنسيين المرتبطين بالجزائر بطريقة أو أخرى مع أولادهم، حسب ستورا، إلى سبعة حتى ثمانية ملايين شخص.   

ولذلك أوصى في تقريره على مواجهة التاريخ المعقد والمتداخل بين البلدين بالعمل على مستوى التعليم والثقافة من أجل معرفة الآخر ومعرفة التاريخ، قائلا: "كيف يمكن تحقيق المصالحة إذا ظننت أنك لم تخطئ أبدا"، لكنه استغرب تركيز القادة الجزائريين على فكرة اعتذار فرنسا عن جرائمها، رغم أنه "ممكن ومطلوب لكن بعد معرفة التاريخ لبناء مصالحة حقيقية وعميقة"، واعتبر هذا التركيز شعارا شعبويا يسعى من خلاله هؤلاء القادة إلى ربح معركة إعلامية لا تفيد في حل المسألة، فجوهر المشكلة حسب رأيه مكافحة الأفكار العنصرية لأنها جوهر الاستعمار. 

واعترف المؤرخ الجزائري، فؤاد سوفي، في حوار مع وكالة فرانس برس بصعوبة مهمة ستورا خصوصا من ناحية التوفيق بين من يحن إلى الاستعمار في فرنسا ومن يعادي فرنسا في الجزائر، ولكنه تابع أن التقرير يمكن أن يفتح الباب لنقاش حول المصالحة بعيدا عن الجدل السياسي، بينما اتّهمت الحكومة الجزائرية التقرير بأنه غير موضوعي ودون التوقعات وأكدت على ضرورة اعتذار فرنسا رسميا عن جرائمها الاستعمارية وتعويض الضحايا.

وأعقب ذلك قرار من الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بتأسيس قناة تلفزيونية تعنى بتاريخ المقاومة الجزائرية والجرائم الفرنسية، ومن طرف آخر انتقد الحركيون في فرنسا، وهم الجزائريون الذين قاتلوا مع الجيش الفرنسي، التقرير، لأنه لم يتعرض لمسؤولية الدولة الفرنسية عن المجازر التي تعرضوا لها عندما جردتهم من سلاحهم وتركتهم وحدهم في مواجهة أنصار جبهة التحرير بعد اتفاقيات إيفيان عام 1962 حيث عوملوا باعتبارهم خونة.  

وردّا على التصعيد الجزائري اتّهم الرئيس ماكرون النظام السياسي الجزائري بإعادة كتابة التاريخ بطريقة تروّج للعداء لفرنسا، ودعا إلى الاعتراف بالذاكرة الجزائرية والذاكرة الفرنسية عن هذه الحرب والعمل بما يتيح تعايشهما معا، وتابع أن الرئيس تبون رهينة نظام عسكري- سياسي، بينما رأى بعض الإعلاميين أن هدف التصعيد الجزائري تجاه فرنسا تحميلها مسؤولية الأزمات التي تعاني منها الجزائر هذه الأيام، رغم أن هذا التصعيد لن يفيد الجزائر. 

فبالإضافة إلى التداخل السكاني الكبير بين البلدين، هناك العلاقات الاقتصادية الاستثنائية التي تجمعهما، فباريس هي المزوّد الأول للجزائر بالسلع والخدمات، وهي المستثمر الأول خارج قطاع الطاقة، كما أنها الشريك التجاري الثاني بعد الصين، بالإضافة إلى التعاون العلمي والتعليمي والثقافي الاستثنائي بين البلدين.

ولذلك، مهما كان الخطاب الإعلامي الجزائري متشنجا، من غير الوارد إحداث قطيعة مع فرنسا، خصوصا مع وضع الاقتصاد الجزائري بالغ الحساسية حاليا بعد انخفاض أسعار النفط ومضاعفات كورونا التي انعكست سلبا على قيمة العملة ومعدل البطالة. 

وفوق كل ذلك، فإن ستة عقود تقريبا قد مرّت على استقلال الجزائر وهي فترة يمكن اعتبارها كافية لالتئام الجراح، كما حدث في العلاقات بين اليابان وأميركا أو بين ألمانيا وبريطانيا، وهي مجرد أمثلة حديثة تؤكد إمكانية بناء علاقات متينة وتحالفات بين بلدان حدثت بينها حروب شاملة ومجازر هائلة، بل حتى العلاقات الأميركية الفيتنامية تشهد تحسنا مستمرا، لأن هذه الشعوب لا تعيش أسيرة الماضي، بل تتطلع نحو المستقبل، وكأن حروب الذاكرة اختصاص شرقي. 

فما زال الصراع السني الشيعي مستمرا منذ 14 قرنا، وما زالت حملات تكفير الآخر والمطالبة بالثأر متواصلة، وكأن الخلاف قد حدث بالأمس، بينما تمكنت العلاقات بين الكاثوليك والبروتستانت من تجاوز وطي صفحة الماضي نهائيا نتيجة الإيمان بأن ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما رغم قرون من الحروب التي وقعت بينهما.

ويمكن أخذ مثال عنها في حرب الثلاثين عاما في ألمانيا التي خسرت خلالها بين ربع وثلث سكانها، بينما يعيش الكاثوليك والبروتستانت اليوم جنبا إلى جنب في مختلف المدن الألمانية في سلام وانسجام، ربما لأن حياة الوفرة والرفاه تساعد على نسيان صراعات الماضي وعلى التسامح مهما كان حجم الجرائم المرتكب خلالها كبيرا، بينما تعتبر حياة البؤس بيئة نموذجية لنمو مشاعر الغضب وثقافة الكراهية.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا
تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا

سناء العاجي الحنفي

أشاهد صورتي على الهاتف وألمح التجاعيد الصغيرة على جانب العين.. أخاديد صغيرة تذكرني بسنوات العمر الذي مضى، بلحظات إحباط ومحطات أمل وتطلع للمستقبل. بقصص حب وخوف وأحلام جميلة تصنع الأمل وأخرى تصطدم بجدار الإحباط لتتكسر. 

لم أفكر يوما في إجراء عمليات تجميل ولا طمس لآثار العمر على وجهي. لست أفرق بين "البوتوكس" و"الفيلر" وغيرها من وسائل التشبيب القسري.

أتابع صور الفنانات الشهيرات وهن تزددْن صغرا مع تقدم العمر، وأتساءل: إلى متى؟ ما الذي يعنيه أن أنظر في المرآة فلا أراني، بتفاصيل عمري وتجاربي وأخطائي وإحباطاتي؟ ما معنى أن أمسح تاريخ أحاسيسي ومشاعري وتجاربي، بمشرط في عيادة طبية، وبكامل إرادتي؟ كيف نمسح تجاعيد الروح وأوجاع القلب؟ كيف نخفي آثار العمر من نبضاتنا المتعبة ومن ذكرياتنا، بحلوها ومرها؟

حتى على حسابي الجديد على الإنستغرام، أستغرب وأتساءل: هل وحدي أكبر؟ إذ لا أرى إلا أشخاصا يتقدمون في الشباب كلما تقدمت بنا السنوات. 

طبيعي أن ترعبنا، بين الفينة والأخرى، سنوات العمر الذي يمر. طبيعي أن نتأمل أثر السنوات على أجسادنا ووجوهنا فنشعر أحيانا بذلك الانقباض الخفيف في القلب، يذكرنا بأن العداد لا يتوقف.. وأنه يوما ما، في موعد لم يعد بعيدا، سيبدأ العد العكس. طبيعي أن ترعبنا فكرة الكهولة والعجز أحيانا.. والموت أيضا!

لذلك، فالبعض قد يهرب منها بأن لا يواجهها. بأن يبدو لنفسه وللآخرين دائم الشباب. لكن، إلى متى؟  
منذ أن عرفتني وأنا متصالحة مع سني. في أبريل من هذه السنة، سأحتفل بعيد ميلادي السادس والأربعين. منذ سنة على الأقل، أصبح بإمكاني أن أذهب للحج والعمرة بدون محرم! الدين وقوانين بعض الدول تعتبرنني امرأة غير مشتهاة لأنها تجاوزت الخامسة والأربعين. امرأة لا يُخاف منها. وهذا ربما جزء مما يرعب النساء: أن تعتبر الأغلبية، مجتمعات وأفرادا وقوانين وحتى لغة (فهل هناك مرادف ذكوري لـ "سن اليأس"؟ وهل هناك مرادف ذكوري لـ "القواعد من النساء"؟)، أن للنساء تاريخ صلاحية يمكن قراءته من تفاصيل شكل الجسد ومن مدى انشداد البشرة ومحيط العينين، فتسارعن لإخفاء كل دليل يثبت تورطهن المرعب في التقدم الطبيعي في العمر. 

الحقيقة أنه خلل مشترك بين هشاشة لدى بعض النساء تجعلهن يربطن قيمتهن حصريا بشبابهن، وبين مجتمع يختزل النساء في معايير مرتبطة حصريا بالجمال وبالشباب. لنكن موضوعيين: ألا يقيم الكثيرون قيمة النساء، ليس فقط في "سوق" الزواج والحب والعلاقات، بل أيضا مهنيا، بالعمر والشكل؟ هل حظوظ الإعلاميات والممثلات ومقدمات البرامج في العالم بأسره، هي نفسها وهن في العشرينيات مقارنة مع بلوغهن الخمسينيات والستينيات من العمر؟ إذا استثنينا ميريل ستريب وجوليا روبرتس، كم عدد نجمات هوليود ممن حافظن على نجوميتهن بعد الخمسين؟ بين نجمات مصر مثلا، كم مرة صادفنا على مواقع التواصل مقارنات فجة بين صورهن وهن شابات فاتنات وصورهن في سن الستين أو السبعين؟ هل نتذكر سخرية مواقع التواصل من صورة النجمة ميرفت أمين منذ شهور قليلة وهي في عزاء، وكمّ السخرية من عمرها وشكلها؟ أليس طبيعيا أن تتقدم ميرفت أمين في السن، تماما كذاك الجالس على حاسوب يتهكم منها بخبث؟ 

نفس المجتمع الذي يسخر من فنانة أو حتى من سيدة غير معروفة بسبب ظهور علامات السن عليها، هو ذاك الذي ينتقد السيدات اللواتي يقعن في فخ التجميل والبوطوكس. أليس الضغط الرهيب الذي يمارَس على النساء بسبب الشكل والتجاعيد هو ما يدفع بعضهن إلى عيادات جراحي التجميل والمراكز المتخصصة؟ 

أتمنى أن يأتي يوما نتصالح فيه جميعنا مع عمرنا.. أن نتقبل مبدأ "العبور" بكل ما يعنيه من تفاصيل يرتبط بعضها بالتجاعيد وبالوهن الجسدي. أتمنى أن نتوقف عن اختزال النساء في بشرة مشدودة وفي مقاس معين للخصر وفي غياب تام للتجاعيد. وأتمنى أن تتوقف النساء عن الوقوع في فخ هذا الميركاتو الذي يفرض عليهن شبابا دائما للوجه.. حتى لو شاخ الجسد وشاخت الروح.

لنسعَ جميعنا لتجديد شباب الروح. لنكن مواظبين على الرياضة. لنسعَ لتغذية صحية. لنبتعد عن العلاقات السامة. لنعتنِ بصحة البشرة والشعر والجسد، ليس لكي تبدو أكثر صغرا، بل فقط لكي تكون بصحة جيدة.. لن يضمن لنا هذا أن نعيش أبد الدهر. سنشيخ وسنتعب، ويوما ما سنموت. لكن، بانتظار ذلك اليوم، لنعش كل لحظة بصحة جيدة. لنتصالح مع تفاصيلنا وعيوبنا وحتى مع تجاعيدنا. 

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا. هي نحن. فكيف نسمح لمشرط الجراح أو لأي مركز تجميل بأن يفصلنا عن تاريخنا وعن تاريخ أجسادنا؟ كيف نصنع لنا وجها لا يشبهنا؟

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).