Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"تتحطم قوى الإسلام السياسي لأنها لم تعد تملك خطاباً لافتاً وساحراً ومؤثراً تقوله"
"تتحطم قوى الإسلام السياسي لأنها لم تعد تملك خطاباً لافتاً وساحراً ومؤثراً تقوله"

رستم محمود

لا تتحطم تيارات الإسلام السياسي في مختلف بلدان منطقتنا لأسباب جيوسياسية فحسب، وإن كانت هذه الأخيرة شديدة الفاعلية لحدوث ذلك. تتحطم قوى الإسلام السياسي لأنها لم تعد تملك خطاباً لافتاً وساحراً ومؤثراً تقوله، هذه التيارات التي كانت طوال تاريخها السياسي، منذ أوائل القرن المنصرم وحتى الآن، لا تملك مشروعاً وأيديولوجية ورؤية وميزة إلا "الخطاب"، وهو الذي بفعل عوامل شديدة التركيب، وتغيرات بنيوية بالغة العُمق، صارت تفتقده. 

العراق بتنوعه وحيويته السياسية وتجربته الفريدة يُقدم مثالاً واضحاً ومُختصراً ومُعبراً وشاملاً على ذلك. ومثال العراق يُمكن جره على بُلدان المنطقة كلها. 

فقبل أسابيع قليلة، جرت في العراق انتخابات برلمانية عامة، كانت الأكثر نزاهة وشفافية وسلمية في تاريخ هذا البلد على الاطلاق. كانت هزيمة الإسلام السياسي، الشيعي والسُني والكُردي منه على السواء، أبرز ملامح هذه الانتخابات.  

فالحزبان الإسلاميان الكُرديان، اللذان تقليدياً كانا يحصلان على قرابة 15 مقعداً، حصلا فقط على خمسة مقاعد. حدث ذلك، لأن الإسلام السياسي في إقليم كُردستان لم يعد قادراً على إغراء القواعد الاجتماعية بخطابه التقليدي عن "المحرومين والمستضعفين"، الذين يواجهون "طُغمة من الفاسدين".

فمثل هذا الخطاب صار مُلكاً لشخصية شعبوية واحدة، اسمه شاصوار عبد الواحد، الذي صار قادراً على الظفر بالقواعد الاجتماعية التي كانت موالية للإسلاميين، عبر قناة تلفزيونية واحدة، وعدة صفحات فعالة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي غلبت كُل إمبراطورية الإسلاميين من كلام المظلومية.  

الحزب الإسلامي العراقي لم يحصل على أي مقعد قط، وهو الذي كان يمثل نهج جماعية الإخوان المسلمين العراقية، والذي ورث فعلياً القواعد الشعبية السُنية العراقية "البعثية" التي كانت، وبقي هذا الحزب لأكثر من دورة انتخابية، الحزب "السُني" الأول في البرلمان. 

حدث ذلك، لأن مراوغة خطابية كان يفيض بها الكلام السياسي لهذا الحزب طوال عقد ونصف كامل مضى، لم تعد ذات مضمون ومعنى، بل صارت شديدة الخطورة. فذاك المزيج المريع من تراثي البعث والإخوان المُسلمين، والذي لا يملك مضموناً، خلا مراكمة الضغينة والكراهية الطائفية، أدى منطقياً لانبلاج ظاهرة كداعش، التي آذت الكثيرين، لكنها حطمت حياة ملايين السُنة هؤلاء. 

الأحزاب الإسلامية الشيعية بدورها خسرت أغلب مقاعدها، التي ظفرت بها القوى والشخصيات المدنية، والفوز الاستثنائي للتيار الصدري حدث لأن الصدر على العكس من تلك القوى الإسلامية، إنما يملك خطاباً يمزج بين الأبوية الأهلية مع الوطنية المناهضة للطائفية. 

الإسلاميون الشيعة خسروا لأسباب كثيرة، لكن تهافت مضامين خطابهم العمومي كان على رأس تلك الأسباب. فبالنسبة لعشرات الملايين من الشُبان العراقيين، الذين يعيشون أسوأ الظروف الاقتصادية والنفسية والحياتية، وبسبب سياسات وسلوكيات هذه الأحزاب الإسلامية التي كانت تحكم طوال السنوات الماضية، لم يعد أمراً ذو معنى أن يأت حزب أو تيار سياسي، يكون كُل برنامجه السياسي عبارة عن خطابية طويلة حول مظلومية الشيعي وآلام "آل البيت"، ويسعى للظفر بأصوات وولاء ملايين الشُبان هؤلاء، فقط لأنه يملك ترسانة من الشيوخ الذين يستطيعون قول ذلك بدرامية تشبه المسرحيات الإغريقية القديمة. 

مثل العراق بالضبط، تجري الأمور في باقي بُلدان المنطقة، من المغرب إلى تركيا، مروراً بمصر وإيران وسوريا ولبنان وبلدان الخليج العربي. ثمة إسلام سياسي يفقد لسانه الذي كان. جرى ذلك بعدما صارت المُجتمعات أكثر حذاقة وفطنة لكشف تهافت مضامينه وسوء مصداقيته، ولبروز منافسين ميدانيين أكثر إغراء وجدارة، وأولاً لأن الإسلاميين أظهروا قدرة مُريعة لأن يكونوا مُعارضين أبديين، لكن أسوأ الحاكمين لو غلبوا.  

ثلاث مراحل رئيسية ظهرت في هذا الانحدار المتقادم للخطابية الإسلامية. 

فطوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، كانت الخطابية الإسلامية تتمركز حول مفهوم "الطاغية"، لوصف وخلق تصور مُحدد حول السُلطة الحاكمة، باعتبارها كينونة خارجية، يملكها طاقم من "الأشرار المتآمرين" على الهوية المحلية. كانت تلك الخطابية تُغري ملايين الشُبان المتحمسين، لأنها كانت تخلق صراعاً حربياً أساسه الهوية العصبية.  

بالتقادم، اكتشفت نفس القواعد سذاجة ذلك الخطاب. فما كان يُسميه الإسلاميون بـ"الطاغية" لوصف نظام الحُكم وهيكل السُلطة، ظهر جلياً باعتباره مجموعة هائلة من المصالح والتداخلات الاجتماعية، المتجذرة في الأساس الأعمق لهذه المجتمعات، والتي ينخرط فيها ملايين المواطنين، وكلٌ حسب قدراته وحظوظه للنفاذ إلى ذلك الهيكل، ولغير صُدفة كان الآلاف من رجال الدين من أبرز المتلهفين للاندراج في تلك الهيكلية.  

لأجل ذلك، صارت الخطابية الإسلامية حول السلطة ونظام الحُكم، باعتبارهم "شراً مُطلقاً" وخارجياً، وحيث ستكون الحياة وردية فيما لو زالوا، وبالذات حينما يحكم الإسلاميون، مُجرد كلامٍ دون أي معنى.  

في مرحلة لاحقة، ومع بداية الألفية الجديدة، انقسمت الخطابية الإسلامية إلى حيزين: إما إسلام سياسي طائفي، في البلدان التي تملك حساسيات من ذلك النوع، كما في سوريا ولبنان والعراق. أو إسلام سياسي خدماتي، يُكثر الحديث حول الفوارق الطبقية والفساد والنهب العام والفقراء وأمور مشابهة.  

التجربة التاريخية القصيرة، أثبتت من طرف أن خطاب الإسلام السياسي الطائفي لا يؤدي إلا إلى حروب أهلية مديدة، تقتلع كُل إمكانية للحياة، ولا تُنتج إلا شخصيات ومواقف وسياسات وظروفاً عجائبية، تشبه بالضبط عجائبية الصراعات الطائفية نفسها.

فوق ذلك، فإن ذلك الإسلام السياسي المتمركز حول الخطابية الطائفية، إنما حطم ومزق مشاريع وفرص وإمكانية مؤاتية لبناء بُلدان وتجارب على أسس سياسية مدنية، تتبنى بعض القيم الحداثوية للعمل العام وتُحسن شروط الحياة بكل شكل. لذلك بالضبط، صار ملايين المواطنين، يملكون حنقاً مريعاً تجاه ذلك الإسلام السياسي الطائفي، الذي حطم آمالهم بحياة أكثر بهاء وهدوء وإمكانية، لولا ما فعلته تلك الخطابية.  

خدماتياً، من طرف عرف الناس جيداً أن مُشكلة الفساد والنهب العام والفروق بين الطبقات الاجتماعية غير متعلقة بهوية الحاكمين، سواء كانوا إسلاميين أم لا، مؤمنين أو مدنيين أو حتى "كفرة"، بل أن قضية الفساد مرتبطة بنوعية وهوية الحُكم وهيكلته وشرط توازنه مع المُجتمع. والإسلاميون في أكثر من تجربة أثبتوا أنهم الأقل قدرة على الإطلاق لتحسين شرط الحُكم ذاك. ولأجل ذلك، لم يعد خطابهم حول المظلومية الاجتماعية والطبقية مادة رائجة.  

أخيراً، فإن الإسلاميين الذين حاولوا ترويج خطابهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، والاستفادة قدر المُستطاع من سحر وجاذبية هذه الأدوات الحديثة، نجحوا في أمثلة كثيرة، بالذات حينما مكَّنتهم هذه الوسائل من مزج الدعوة الأخلاقية بمنظومة شروح العبادات والنواهي، وترويج الدعوات والطروحات السياسية من جنبات الأمرين ذلكم.  

لكن سنوات قليلة مضت، حتى صار لهذا الفضاء مالكوه وملوكه الخاصون، الأخف دماً والأسرع بديهة من الإسلاميين بما لا يُقاس، والأكثر قدرة على تلبية حاجات القواعد الاجتماعية للتسلية والترفيه والجمال والحاجات اليومية الأخرى. لكن أولاً الأكثر أغراء من أي خطابية إسلامية، لأن هذه الأخيرة كانت على الدوام ربيبة القنوط والكآبة والغضب، والناس أساساً كانوا يهرعون إلى وسائل التواصل الاجتماعي هذه، فقط للهروب من كُل تلك الظروف والمناخات، حيث الحياة الواقعة مُتخمة بها جداً.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)
مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)

بابكر فيصل

إقحام الشأن الديني في الأمر السياسي لدى جماعة الإخوان المسلمين يدخلها في تناقضات مكشوفة. وبما أنها تستند في تبرير مشروعية وجودها السياسي على الدين، فإن مثل هذا التناقض يعمل على تشويه صورة الدين الذي يتسامى على صراعات السياسة المرتبطة بالمصالح الدنيوية المتغيرة على الدوام.

وتكشف مواقف الجماعة من قضية "الحرية" في مختلف تجلياتها تضاربا صارخاً في الخطاب وتناقضاً بائناً بين الأقوال والأفعال مما يؤكد أن الإخوان يقومون على الدوام بتوظيف هذه القضية ضمن قضايا كثيرة أخرى بطريقة دينية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحزبية خالصة.

في هذا الإطار، أناقش في هذا المقال بعض النقاط الواردة في البيان الصادر عن مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في دورة انعقاده الخامسة التي اختمت في، إسطنبول تركيا في 29 يناير الماضي. وكما هو معروف فإن الإتحاد الذي أسسه الدكتور يوسف القرضاوي في عام 2004 بالعاصمة القطرية، الدوحة، يعتبر أكبر هيئة فكرية مُعبِّرة عن مواقف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

وجه البيان رسالة إلى من أسماهم "العلماء" حثهم فيها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، على (الحفاظ على ثوابت الإسلام العقدية والشرعية والأخلاقية والحضارية بما يسهم في بناء الأوطان وتوحيد الأمة والنهوض الحضاري وإقامة العدل والحق وتعظيم حرمة الدماء والأعراض والأموال).

كما دعا البيان حكومات الدول العربية والإسلامية إلى التصالح مع شعوبها على قاعدة (العدل والحرية والكرامة)، وطالبها باحترام (العلماء والمؤسسات العلمائية وتأمين دورهم الإيجابي في التوعية والتربية والتوحيد والتجديد، ويؤكد على وجوب إطلاق سراح العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين وسائر المظلومين الذين يسجنون بغير حق في أي بلد).

من المؤكد أن بعض هذه المُطالبات سليمة وتمثل القاعدة الصحيحة لتأسيس نظم الحكم الديمقراطية في مقابل النظم الاستبدادية ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية الخطاب الذي يتبناه الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخصوص هذه الدعوات والمطالبات.

لقد حكمت جماعة الإخوان المسلمين بلداً مثل السودان لمدة ثلاثين سنة بالحديد والنار وشيدت أعتى دولة بوليسية شهدتها البلاد منذ خروج المستعمر البريطاني وكانت قد وصلت إلى السلطة عبر دبابة عسكرية أجهضت بها نظام الحكم الشرعي المنتخب من الشعب والذي كانت الجماعة جزءاً منه وتمثل ثالث كتلة برلمانية من حيث عدد النواب.
هذه الدولة الإخوانية البوليسية انتهكت الأعراض وقتلت الأبرياء في السجون وأشعلت الحروب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين العزل ومع ذلك لم نسمع كلمة واحدة من الإتحاد العالمي تدين هذه الممارسات وتقف إلى جانب الضحايا !!

وعلى الرغم من السجل المخزي لنظام الإخوان المسلمين في مجال حقوق الإنسان وكبت الحريات واضطهاد المعارضين ظل الاتحاد العالمي صامتا عن المطالبة بتفريغ السجون ومعتقلات الأجهزة الأمنية السرية المعروفة باسم "بيوت الأشباح" من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين واستمر في دعم النظام السوداني الذي يشاركه ذات التوجهات الأيدولوجية والسياسية.

ليس هذا فحسب بل أن الاتحاد ظل يقدم دعمه المطلق للطاغية المخلوع عمر البشير عبر البيانات والزيارات المستمرة للسودان حيث كانت وفود الاتحاد تجد ترحيبا كبيرا من رأس النظام الاستبدادي ويتم استضافتها في الفنادق الفاخرة ويغدقون عليها الهدايا بينما غالبية الشعب الساحقة تعاني من ويلات الفقر والمرض والحروب.     

لا يخالجني أدنى شك في أن مطالبات الإتحاد الأخيرة للحكام بإطلاق سراح "المظلومين" ما كانت لتأتي لولا وجود قيادات وأعضاء الإخوان في سجون بعض الأنظمة العربية الحاكمة مما يعني أنها مطالبات لا تنبع من إيمان حقيقي بأن الحرية قيمة مطلقة يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية وأن هذه القيمة لا تقتصر فقط على الموالين للجماعة.

أما من أطلق عليهم البيان صفة العلماء وقال أنهم "ورثة الأنبياء", ومن بينهم الموالين لنظام حكم الجماعة فقد كان موقفهم شبيهاً بموقف الإتحاد العالمي حيث صمتوا عن كل جرائم القتل والترويع والإبادة بل أن أحدهم أفتى للطاغية المخلوع عمر البشير بإمكانية قتل ثلث الشعب حتى يستتب الأمن ويستقر النظام ! 

لا يكشف بيان الإتحاد ازدواجية مواقف الإخوان من قضية الحرية فحسب، بل هو يوضح تناقض موقف الجماعة من الانحياز للأنظمة والدول التي تدعم الإخوان وتلك التي تحاربهم حيث جاء في خاتمة البيان الآتي: (وفي الختام يٌقدم المجلس شكره لهذا البلد العزيز تركيا رئيساً وحكومة وشعباً على مواقفه المشرفة نصرةً لكتاب الله ولقضايا الأمة وكل من يقف مع الحق).

البيان يقول أن مواقف تركيا "العلمانية" التي تتمتع بعضوية "حلف الناتو" وترتبط بعلاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" تمثل "نصرة لكتاب الله" ولكل من "يقف مع الحق “، والمعنى هنا هو أن تركيا أصبحت ملاذاً آمناً لأعضاء الجماعة "أهل الحق" الهاربين من بلدانهم لأسباب سياسية.

وعندما كانت معارضة النظام الإخواني المستبد في السودان تنطلق من دول عربية وأفريقية، كانت الجماعة تعتبرها معارضة ارتزاق وخيانة وعمالة تتلقى المساعدة والدعم من الأنظمة العلمانية واسرائيل والدول الغربية الساعية لإسقاط الدولة الإسلامية في الخرطوم فتأمل!

لا شك أن الموقف الأخلاقي والقيمي المبدئي تجاه قضية الحرية لا يتجزأ، بينما ظلت مواقف الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في هذا الخصوص غير متسقة وتحمل تناقضا داخليا وازدواجية في المعايير وتتسم بالذرائعية الخادمة للأجندة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).