Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية
برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية

عبد الرحيم التوراني

برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية. إذ مثلت وفاته عن سن يناهز الثمانين حولا، لحظة لاسترجاع "سنوات الرقابة"، عندما تعرض لمهادي للاعتقال حول رسم له بصحيفة "المحرر" المعارضة. في 1980 لعبت الصدفة دورها بتطابق خطاب للملك الحسن الثاني مع مضمون رسم لابراهيم لمهادي، بل توافق معه في توقيت البث والنشر. ولولا الأقدار لواجه أقدم رواد المشهد الكاريكاتوري في المغرب مصيرا مجهولا. لكن الثمن كان هو اعتزاله الكاريكاتور 18 عاماً، ولم يعد رسام "المحرر" الممنوعة إلى ريشته الساخرة إلا بعد حلول العهد الجديد مع الملك محمد السادس. 

انفتاح وتراجع 

إثر توليه عرش المملكة في نهاية يوليو 1999، أنشأ الملك محمد السادس هيئة "الإنصاف والمصالحة"، بغاية طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي عاشها المغرب ما بين  1956و1999. وبالفعل شهدت السنتين الأوليتين إلى حد ما انفراجا سياسيا، ما بعث الآمال في النفوس. سُمح للمعارض الماركسي أبراهام السرفاتي بالعودة إلى وطنه، وكان أمضى 17 سنة في السجن قبل إبعاده خارج البلاد مع إسقاط الجنسية عنه. وبعد عقد من الأعوام رفعت الإقامة الجبرية عن الإسلامي عبد السلام ياسين مرشد "جماعة العدل والإحسان". وبالموازاة نشطت منظمات المجتمع المدني أكثر، واهتمت فئات أخرى أغلبها من الشباب، بإصدار صحف ومطبوعات، سعت عبرها إلى استغلال بارقة الانفتاح. 

بدا أن الإعلام في المغرب سيقوم بدوره المطلوب في التحول الديمقراطي بعد "سنوات الرصاص" المشؤومة. إذ تم إحياء فن الكاريكاتير، ساعد في ذلك ظهور جيل جديد من الرسامين الساخرين المتمكنين من مهارات جمالية، ولديهم نفس أكثر جرأة. وانتعشت حرية التعبير مع قدوم شباب متحمس عبر عن نفسه لاحقا في "حركة 20 فبراير" 2011. وجازف مغنو الراب باختراق مواضيع كانت محظورة وحارقة.  

لم تنقض سنتان وبضعة أشهر حتى انقلبت الأحوال، بعد أحداث الدار البيضاء الإرهابية في ماي 2003. فتراجع الأمل المنشود، وتحركت آلية القمع والزجر، وبدأت الاعتقالات في صفوف المدافعين عن حقوق الإنسان، وبين المدونين والصحفيين ورسامي الكاريكاتير، وفناني موسيقى الراب، وأفراد "الألتراسات" المشجعين لأندية الكرة، والطلبة والتلاميذ.  

حظر ملكي وتاريخ مهمل 

في 1989، كشف الملك الحسن الثاني عن موقفه من الكاريكاتير، عندما استقبل مجموعة من ألمع الصحفيين الفرنسيين يتقدمهم جان دانييل مؤسس مجلة "لونوفيل أوبسرفاتور"، ضمن برنامج "ساعة الحقيقة" على القناة الفرنسية (أنتين 2)، وجوابا على سؤال الصحفي ألان دوهاميل، قال الملك: "الكاريكاتير لدينا يكاد يكون محظورًا بالإجماع الوطني".   

ورغم أن الكاريكاتير كان حاضرا بصحافة المغرب، ولا يستثني وجوه شخصيات السياسيين والوزراء، فإن التصريح الملكي زرع الخوف لدى أصحاب الصحف، وأدى بالرسامين إلى الانكماش. وكانت صحيفة  Le Canard Enchaîné أيامها أغضبت الحسن الثاني وهو يطالع على صفحتها الأولى وجهه الكاريكاتوري الذي رأته به أكبر صحيفة ساخرة في فرنسا.  

في عهد الحماية الفرنسية كانت الصحف الوطنية تتعمد كتابة عبارة "حذفته الرقابة" وسط مساحات بيضاء كان من المقرر أنها الحيز المخصص لمقالات منعها الرقيب. وبالأسلوب ذاته في الثمانينيات احتج الأديبان عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي (مدير نشر ورئيس تحرير "العلم")، حين كان مكان رسم العربي الصبان يصدر فارغا بأعلى الصفحة الأخيرة من الجريدة. 

ولا شك أن الخزانة الوطنية تفتقر لكتابات توثيقية علمية غير مبتسرة أو مختزلة، تؤرخ لفن الكاريكاتير في الصحافة بالمغرب. لذلك تنتشر بقع من العتمة ومن المغالطات والأخطاء والهنات، بخصوص هذا التعبير الفني، فأسماء عديدة لكاريكاتوريين تكاد لا تذكر ولا يعرفها الجيل الحالي. وفي الحقيقة لم يحظ الكاريكاتير في الصحافة المغربية بمكانته اللائقة، حيث لم تهتم الصحف بتوظيف رسامين ضمن هيئات تحريرها، بل كان أغلب الرسامين هواة متطوعين، ينشرون من دون مقابل. 

شيء من التاريخ 

تاريخيا نمت الصحافة بالمغرب بخطوات بطيئة. فبعد تأسيس أولى الصحف والدوريات باللغات الفرنسية والاسبانية والانجليزية في نهاية القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر، تأخر ظهور الصحافة المغربية باللغة العربية، ولم تشرع في الانتعاش إلا بدءا من ثلاثينيات القرن العشرين على يد نخبة من الوطنيين من فاس وتطوان خاصة، كثفوا جهودهم في مقاومة المستعمر. رغم ذلك ظلت الصحافة الوطنية باللغة العربية تعاني من منافسة غير متكافئة مع الصحافة الفرنسية الصادرة بالدار البيضاء، أساسا من مجموعة رجل الأعمال الفرنسي إيف ماس، الذي ظلت إصداراته الصحفية تصدر إلى حدود السبعينيات الماضية. لذلك كانت الأسماء الأولى لرسامي الكاريكاتير في المغرب تعود لفرنسيين. قبل أن تطل محاولات خجولة لبعض المغاربة لم يكتب لها الاستمرار. 

مع بداية الستينيات ظهرت صحف أسبوعية اعتمدت الرسم الكاريكاتوري والمواضيع القصيرة، منها الصحف التي أسسها مصطفى العلوي المدغري، مثل "أخبار الدنيا"، و"دنيا الأخبار"، و"الكواليس". وخاض الصحفي والكاتب السعيد الصديقي (شقيق الفنان المسرحي الطيب الصديقي) تجربة الصحافة الهزلية بإصداره لأسبوعية ساخرة باسم "جحا". كان يساعده في طباعتها الممثل أحمد الصعري. وعرف السعيد الصديقي في تلك الفترة من الستينيات بكتابته لزاوية ساخرة باللغة الدارجة على أعمدة أسبوعية "الطليعة"، التي كانت يصدرها الاتحاد المغربي للشغل.  

شيئا فشيئا انفتحت يومية "العلم" التابعة لحزب الاستقلال على الرسم الساخر، واحتضنت أعمالا لفنانين، مثل التشكيلي العربي بلقاضي، وأبو سيف (توقيع ابراهيم لمهادي في بداياته).  

أما يومية الحزب اليساري الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فكانت تنشر ركنا ساخرا بالعامية بإمضاء "ولد جامع الفنا"، وهو اسم مستعار للصحفي عبد الله رشد. بالموازاة أخذت تظهر على أعمدة "التحرير" رسوم كاريكاتورية موقعة بحرف (ب)، وتعود لفنان سوري فلسطيني، كان في نفس الآن مسؤولا عن الصفحة الفنية، هو الفنان التشكيلي المعروف الراحل برهان كركوتلي، وقد سافر إلى المغرب بناء على دعوة أصدقاء له من الطلبة المغاربة الذين كانوا يدرسون بسوريا، ومن بينهم محمد عابد الجابري سكرتير صحيفة "التحرير" التي كان يديرها الفقيه محمد البصري ويرأس تحريرها عبد الرحمان اليوسفي. وللراحل برهان كركوتلي دراسة رائدة حول الفن التشكيلي بالمغرب خلال تلك الفترة. وقد انتقل إلى ألمانيا سنة 1970 وعاش بها حتى وفاته سنة 2003.  

في يوميتي "البيان" بالعربية والفرنسية، لسان حزب التقدم والاشتراكية، كان لافتا الجهد الذي قام به على مدى أعوام صحفي وناقد ورسام كاريكاتير لامع هو بلعيد بويميد. 

وعندما تأسس التجمع الوطني للأحرار، أصدر الحزب يومية "الميثاق الوطني"، وانضم إلى هيئة تحريرها رسام تونسي يسمى الوسلاتي.  

وبعد استئناف إصدار "المحرر"، انتقل لمهادي في 1975 من النشر في "العلم" إلى اليومية الاتحادية، وصار يوقع باسمه الصريح.  

في نهاية السبعينيات أقام الرسام المصري المرموق بهجت عثمان فترة بالمغرب، فكانت مناسبة نشر بها "بهجاتوس" عدة رسوم كاريكاتورية في "المحرر" مستوحاة من الأحداث الاجتماعية المغربية حينها. 

 أما المصري الآخر جورج بهجوري فظل لسنوات ضيفا دائما على "موسم أصيلة الثقافي"، واستقبلته السيدة ليلى التازي صاحبة رواق "نظر للفن الحديث" بالدار البيضاء في معرض فني مزج فيه بأسلوبه المتميز ما بين التعبير الكاريكاتوري والتشكيل، وعرض لوحات لوجوه عازفين من أجواق موسيقى الأندلسية، أو "موسيقى الآلة" وفق تسمية المغاربة. كما عمل رسامو كاريكاتير فرنسيين وبلجيكيين وتونسيين بمجلات مغربية باللغة الفرنسية. 

 وكانت نشأة الفنان الجزائري العالمي رشيد قاسي في مدينة الجديدة (جنوب الدار البيضاء)، هناك تفتقت موهبته وبدأ خطواته في الرسم، قبل انتقاله إلى فرنسا واشتغاله بكبريات صحفها ومجلاتها.  

في التسعينيات الماضية، أقام بالعاصمة المغربية رسام جزائري آخر، هو علي لمرابطين، المشهور بتوقيع "سْليم"، كرسام بمجلة "ضفاف"، التي كانت تصدر عن مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، وبعد حوالي سنتين، وبعدما رفض تجديد إقامته هاجر إلى فرنسا ليعمل بصحيفة "لومانيتي" الشيوعية، وظل لسنوات متعاونا من باريس مع أسبوعية "لافي إيكونوميك" التي تصدر بالدار البيضاء، وكانت رسومه تتصدر صفحتها الأولى. 

في نهاية الستينيات برز على صفحات يومية "لوبنيون" اللسان الفرنسي لحزب الاستقلال اسم الرسام محمد الفيلالي، في نفس الوقت الذي احتضنت فيه "العلم" أعمال الرسام العربي الصبان، وقد عملا معا على إصدار أسبوعية هزلية بعنوان "أخبار السوق"، وانضم إليهما الرسام حميد البوهالي، الذي كان ينشر بجرائد مختلفة. لكن التجربة تعرضت لجملة من المصاعب. وبعد أن استقطب البوهالي مجموعة من الساخرين، أصدر الأسبوعية الهزلية "التقشاب"، التي ضمت الرسامين أحمد موتاج وبوشعيب خيري ومحمد عليوات (حمودة) وشكري بهلوي وعبد الكبير العوام وعبد القادر حدوش وعبد اللطيف الكثيري ومحمد الأدغم، بمساهمة الشاعر محمد عرش، الذي يجهل كثيرون موهبته العالية في الكتابة الساخرة. 

 كان لافتا أن هذا الصنف من الإصدارات حطم أرقاما قياسية من حيث الانتشار والمبيعات، فحتى المرتجعات كانت تتم إعادة بيعها في محطات المسافرين، لا سيما وأنها صحافة تعتمد النكتة المرسومة واللهجة العامية الميسرة. وهذا الانتشار حفز فريق "التقشاب" على رفع وتيرة النقد الحاد، ليجد مديرها حميد البوهالي نفسه معتقلا في كوميسارية المعاريف ومهددا بالمتابعة القضائية، إلا أنه بعد 22 يوما من الاعتقال الاحتياطي أفرج عنه، لتنتهي مغامرة "التقشاب" بقرار المصادرة والمنع.  

بعدها ظهرت عناوين أخرى اختفت سريعا ولم تحقق النجاح. ورغم انتشار الصفحات الساخرة بالصحف المغربية اليوم، فإن أغلب محتوياتها مليئ بالفقاعات وبالتهكم والتهريج. 

تجارب و"سْكَفْكَفْ"! 

في مجلة "لوميساج دو لاناسيون" التي أصدرها حزب الاتحاد الدستوري، وكان يديرها عبد الله الستوكي ورأست تحريرها نادية برادلي، ظهر رسام كاريكاتير مبدع هو محمد بكري (الكاف جيم مصرية)، مع الرسام محمد الزناكي. 

في 1983 صدرت أسبوعية "الهدهد" الهزلية باسم أحمد السنوسي، كوميدي كان مهرجا في جلسات الملك الحسن الثاني وصبحيات لأطفال القصر يتقدمهم ولي العهد (الملك الحالي). وبعدما أغدق عليه الحسن الثاني رخص نقل وعقارات، تحول إلى "معارض". كان رسام "الهدهد" هو محمد الأدغم، أما محررها الوحيد فكان الصحفي حسن عمر العلوي المشهور بين الزملاء باسم "فريموس". بعد أسابيع من صدور "الهدهد" تعرضت للرقابة بسبب خبر يخص تهريب العملة الصعبة منسوب لوزير المالية عبد الكامل الرغاي، أما مصدر الخبر فكان أسبوعية "البلاغ المغربي"، التي تم الإفراج عن صاحبها محمد بنيحيى، بعد التحقيق معه لساعات، ليستأنف إصدار صحيفته بشكل طبيعي، فيما توقفت تجربة "الهدهد" تلقائيا عند عددها رقم 13.   

في 2007 أصدر عبد الرحيم التوراني أسبوعية هزلية باسم "الانتهازي"، وكانت هيئة التحرير مكونة من الرسامين ابراهيم لمهادي وسعد جلال وعبد اللطيف الصيباري، بمساهمة من أحمد موتاج، ومن الكاتب الساخر والرسام ابراهيم مبشور، وهشام المنصوري الذي كان يراسل من الصويرة أو أغادير. وتوقفت الجريدة بسبب التضييق البوليسي، وبعدما أبلغ صاحبها من مدير شركة التوزيع "سريس" محمد عبد الرحمان برادة بأنه "على حافة ما لا تحمد عقباه"، حسب ما تناهى إلى سمعه، خاصة وأن "الانتهازي" بنهجها الدونكيشوطي المحارب للطواحين، لم توفر أي جهة من اليمين واليسار أو كبار المسؤولين.  

توالت التجارب في الصحافة الهزلية، منها تجربة العربي الصبان في "المقلاع"، وتجربة الصحفي علي المرابط في "دومان"، وقد صدر في حقه حكم قراقوشي قضى بمنعه من الكتابة لمدة عشر سنوات. والرسام خالد كدار الذي توبع مع مدير صحيفة "أخبار اليوم" توفيق بوعشرين بسبب رسم كاريكاتوري، وحكم عليهما بأربع سنوات، لحسن الحظ غير نافدة. 

في الضفة الأخرى، حيث السجون والمعتقلات السرية، سيعمد فنانون من السجناء السياسيين، للتعبير بالريشة وبالكاريكاتير، منهم عبد اللطيف الدرقاوي وعبد القادر الشاوي ومحمد النضراني وعبد العزيز مريد الذي برع في رسم "الباند ديسيني" (القصص المصورة) المتعثر تطورها بالمغرب. 

أسماء رسامي الكاريكاتير الذين يصعب حصرهم في هذا المقال. لكن نكتفي هنا بالإشارة إلى تجربة تكاد شبه مغمورة لمجموعة من الشباب من الجنسين، أشرفوا على إصدار مجلة ورقية باسم "السْكَفْكَفْ" (وجبة سريعة تعد من أحشاء وبقايا اللحم)، تعمدوا أن ينشروها من دون ترخيص قانوني، ووضعوا لها شعار: "خانز وبنين"، وهو اسم السندويتش الذي يتناوله مشجعو كرة القدم أمام ملاعب الدار البيضاء، ويتكون من شطيرة خبز بها جزر وبطاطس مسلوقين. والكلمة تعني بالفصحى (نتن ولذيذ). وهم يتواجدون في شبكة الانترنيت التي صارت تزخر بحسابات ومدونات وفيدوهات ساخرة مغربية. حيث أتاحت وسائل التواصل الرقمي تفاعل الراغبين في طرح الآراء والمطالب بكل حرية، بعيدا عن قيود الرقابة والتأطير المحسوب للهيئات الحزبية والنقابية وغيرها.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).