Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية
برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية

عبد الرحيم التوراني

برحيل رسام الكاريكاتير ابراهيم لمهادي قبل أسبوعين، أعيد فتح صفحة هامة من تاريخ الصحافة المغربية. إذ مثلت وفاته عن سن يناهز الثمانين حولا، لحظة لاسترجاع "سنوات الرقابة"، عندما تعرض لمهادي للاعتقال حول رسم له بصحيفة "المحرر" المعارضة. في 1980 لعبت الصدفة دورها بتطابق خطاب للملك الحسن الثاني مع مضمون رسم لابراهيم لمهادي، بل توافق معه في توقيت البث والنشر. ولولا الأقدار لواجه أقدم رواد المشهد الكاريكاتوري في المغرب مصيرا مجهولا. لكن الثمن كان هو اعتزاله الكاريكاتور 18 عاماً، ولم يعد رسام "المحرر" الممنوعة إلى ريشته الساخرة إلا بعد حلول العهد الجديد مع الملك محمد السادس. 

انفتاح وتراجع 

إثر توليه عرش المملكة في نهاية يوليو 1999، أنشأ الملك محمد السادس هيئة "الإنصاف والمصالحة"، بغاية طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي عاشها المغرب ما بين  1956و1999. وبالفعل شهدت السنتين الأوليتين إلى حد ما انفراجا سياسيا، ما بعث الآمال في النفوس. سُمح للمعارض الماركسي أبراهام السرفاتي بالعودة إلى وطنه، وكان أمضى 17 سنة في السجن قبل إبعاده خارج البلاد مع إسقاط الجنسية عنه. وبعد عقد من الأعوام رفعت الإقامة الجبرية عن الإسلامي عبد السلام ياسين مرشد "جماعة العدل والإحسان". وبالموازاة نشطت منظمات المجتمع المدني أكثر، واهتمت فئات أخرى أغلبها من الشباب، بإصدار صحف ومطبوعات، سعت عبرها إلى استغلال بارقة الانفتاح. 

بدا أن الإعلام في المغرب سيقوم بدوره المطلوب في التحول الديمقراطي بعد "سنوات الرصاص" المشؤومة. إذ تم إحياء فن الكاريكاتير، ساعد في ذلك ظهور جيل جديد من الرسامين الساخرين المتمكنين من مهارات جمالية، ولديهم نفس أكثر جرأة. وانتعشت حرية التعبير مع قدوم شباب متحمس عبر عن نفسه لاحقا في "حركة 20 فبراير" 2011. وجازف مغنو الراب باختراق مواضيع كانت محظورة وحارقة.  

لم تنقض سنتان وبضعة أشهر حتى انقلبت الأحوال، بعد أحداث الدار البيضاء الإرهابية في ماي 2003. فتراجع الأمل المنشود، وتحركت آلية القمع والزجر، وبدأت الاعتقالات في صفوف المدافعين عن حقوق الإنسان، وبين المدونين والصحفيين ورسامي الكاريكاتير، وفناني موسيقى الراب، وأفراد "الألتراسات" المشجعين لأندية الكرة، والطلبة والتلاميذ.  

حظر ملكي وتاريخ مهمل 

في 1989، كشف الملك الحسن الثاني عن موقفه من الكاريكاتير، عندما استقبل مجموعة من ألمع الصحفيين الفرنسيين يتقدمهم جان دانييل مؤسس مجلة "لونوفيل أوبسرفاتور"، ضمن برنامج "ساعة الحقيقة" على القناة الفرنسية (أنتين 2)، وجوابا على سؤال الصحفي ألان دوهاميل، قال الملك: "الكاريكاتير لدينا يكاد يكون محظورًا بالإجماع الوطني".   

ورغم أن الكاريكاتير كان حاضرا بصحافة المغرب، ولا يستثني وجوه شخصيات السياسيين والوزراء، فإن التصريح الملكي زرع الخوف لدى أصحاب الصحف، وأدى بالرسامين إلى الانكماش. وكانت صحيفة  Le Canard Enchaîné أيامها أغضبت الحسن الثاني وهو يطالع على صفحتها الأولى وجهه الكاريكاتوري الذي رأته به أكبر صحيفة ساخرة في فرنسا.  

في عهد الحماية الفرنسية كانت الصحف الوطنية تتعمد كتابة عبارة "حذفته الرقابة" وسط مساحات بيضاء كان من المقرر أنها الحيز المخصص لمقالات منعها الرقيب. وبالأسلوب ذاته في الثمانينيات احتج الأديبان عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي (مدير نشر ورئيس تحرير "العلم")، حين كان مكان رسم العربي الصبان يصدر فارغا بأعلى الصفحة الأخيرة من الجريدة. 

ولا شك أن الخزانة الوطنية تفتقر لكتابات توثيقية علمية غير مبتسرة أو مختزلة، تؤرخ لفن الكاريكاتير في الصحافة بالمغرب. لذلك تنتشر بقع من العتمة ومن المغالطات والأخطاء والهنات، بخصوص هذا التعبير الفني، فأسماء عديدة لكاريكاتوريين تكاد لا تذكر ولا يعرفها الجيل الحالي. وفي الحقيقة لم يحظ الكاريكاتير في الصحافة المغربية بمكانته اللائقة، حيث لم تهتم الصحف بتوظيف رسامين ضمن هيئات تحريرها، بل كان أغلب الرسامين هواة متطوعين، ينشرون من دون مقابل. 

شيء من التاريخ 

تاريخيا نمت الصحافة بالمغرب بخطوات بطيئة. فبعد تأسيس أولى الصحف والدوريات باللغات الفرنسية والاسبانية والانجليزية في نهاية القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر، تأخر ظهور الصحافة المغربية باللغة العربية، ولم تشرع في الانتعاش إلا بدءا من ثلاثينيات القرن العشرين على يد نخبة من الوطنيين من فاس وتطوان خاصة، كثفوا جهودهم في مقاومة المستعمر. رغم ذلك ظلت الصحافة الوطنية باللغة العربية تعاني من منافسة غير متكافئة مع الصحافة الفرنسية الصادرة بالدار البيضاء، أساسا من مجموعة رجل الأعمال الفرنسي إيف ماس، الذي ظلت إصداراته الصحفية تصدر إلى حدود السبعينيات الماضية. لذلك كانت الأسماء الأولى لرسامي الكاريكاتير في المغرب تعود لفرنسيين. قبل أن تطل محاولات خجولة لبعض المغاربة لم يكتب لها الاستمرار. 

مع بداية الستينيات ظهرت صحف أسبوعية اعتمدت الرسم الكاريكاتوري والمواضيع القصيرة، منها الصحف التي أسسها مصطفى العلوي المدغري، مثل "أخبار الدنيا"، و"دنيا الأخبار"، و"الكواليس". وخاض الصحفي والكاتب السعيد الصديقي (شقيق الفنان المسرحي الطيب الصديقي) تجربة الصحافة الهزلية بإصداره لأسبوعية ساخرة باسم "جحا". كان يساعده في طباعتها الممثل أحمد الصعري. وعرف السعيد الصديقي في تلك الفترة من الستينيات بكتابته لزاوية ساخرة باللغة الدارجة على أعمدة أسبوعية "الطليعة"، التي كانت يصدرها الاتحاد المغربي للشغل.  

شيئا فشيئا انفتحت يومية "العلم" التابعة لحزب الاستقلال على الرسم الساخر، واحتضنت أعمالا لفنانين، مثل التشكيلي العربي بلقاضي، وأبو سيف (توقيع ابراهيم لمهادي في بداياته).  

أما يومية الحزب اليساري الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فكانت تنشر ركنا ساخرا بالعامية بإمضاء "ولد جامع الفنا"، وهو اسم مستعار للصحفي عبد الله رشد. بالموازاة أخذت تظهر على أعمدة "التحرير" رسوم كاريكاتورية موقعة بحرف (ب)، وتعود لفنان سوري فلسطيني، كان في نفس الآن مسؤولا عن الصفحة الفنية، هو الفنان التشكيلي المعروف الراحل برهان كركوتلي، وقد سافر إلى المغرب بناء على دعوة أصدقاء له من الطلبة المغاربة الذين كانوا يدرسون بسوريا، ومن بينهم محمد عابد الجابري سكرتير صحيفة "التحرير" التي كان يديرها الفقيه محمد البصري ويرأس تحريرها عبد الرحمان اليوسفي. وللراحل برهان كركوتلي دراسة رائدة حول الفن التشكيلي بالمغرب خلال تلك الفترة. وقد انتقل إلى ألمانيا سنة 1970 وعاش بها حتى وفاته سنة 2003.  

في يوميتي "البيان" بالعربية والفرنسية، لسان حزب التقدم والاشتراكية، كان لافتا الجهد الذي قام به على مدى أعوام صحفي وناقد ورسام كاريكاتير لامع هو بلعيد بويميد. 

وعندما تأسس التجمع الوطني للأحرار، أصدر الحزب يومية "الميثاق الوطني"، وانضم إلى هيئة تحريرها رسام تونسي يسمى الوسلاتي.  

وبعد استئناف إصدار "المحرر"، انتقل لمهادي في 1975 من النشر في "العلم" إلى اليومية الاتحادية، وصار يوقع باسمه الصريح.  

في نهاية السبعينيات أقام الرسام المصري المرموق بهجت عثمان فترة بالمغرب، فكانت مناسبة نشر بها "بهجاتوس" عدة رسوم كاريكاتورية في "المحرر" مستوحاة من الأحداث الاجتماعية المغربية حينها. 

 أما المصري الآخر جورج بهجوري فظل لسنوات ضيفا دائما على "موسم أصيلة الثقافي"، واستقبلته السيدة ليلى التازي صاحبة رواق "نظر للفن الحديث" بالدار البيضاء في معرض فني مزج فيه بأسلوبه المتميز ما بين التعبير الكاريكاتوري والتشكيل، وعرض لوحات لوجوه عازفين من أجواق موسيقى الأندلسية، أو "موسيقى الآلة" وفق تسمية المغاربة. كما عمل رسامو كاريكاتير فرنسيين وبلجيكيين وتونسيين بمجلات مغربية باللغة الفرنسية. 

 وكانت نشأة الفنان الجزائري العالمي رشيد قاسي في مدينة الجديدة (جنوب الدار البيضاء)، هناك تفتقت موهبته وبدأ خطواته في الرسم، قبل انتقاله إلى فرنسا واشتغاله بكبريات صحفها ومجلاتها.  

في التسعينيات الماضية، أقام بالعاصمة المغربية رسام جزائري آخر، هو علي لمرابطين، المشهور بتوقيع "سْليم"، كرسام بمجلة "ضفاف"، التي كانت تصدر عن مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، وبعد حوالي سنتين، وبعدما رفض تجديد إقامته هاجر إلى فرنسا ليعمل بصحيفة "لومانيتي" الشيوعية، وظل لسنوات متعاونا من باريس مع أسبوعية "لافي إيكونوميك" التي تصدر بالدار البيضاء، وكانت رسومه تتصدر صفحتها الأولى. 

في نهاية الستينيات برز على صفحات يومية "لوبنيون" اللسان الفرنسي لحزب الاستقلال اسم الرسام محمد الفيلالي، في نفس الوقت الذي احتضنت فيه "العلم" أعمال الرسام العربي الصبان، وقد عملا معا على إصدار أسبوعية هزلية بعنوان "أخبار السوق"، وانضم إليهما الرسام حميد البوهالي، الذي كان ينشر بجرائد مختلفة. لكن التجربة تعرضت لجملة من المصاعب. وبعد أن استقطب البوهالي مجموعة من الساخرين، أصدر الأسبوعية الهزلية "التقشاب"، التي ضمت الرسامين أحمد موتاج وبوشعيب خيري ومحمد عليوات (حمودة) وشكري بهلوي وعبد الكبير العوام وعبد القادر حدوش وعبد اللطيف الكثيري ومحمد الأدغم، بمساهمة الشاعر محمد عرش، الذي يجهل كثيرون موهبته العالية في الكتابة الساخرة. 

 كان لافتا أن هذا الصنف من الإصدارات حطم أرقاما قياسية من حيث الانتشار والمبيعات، فحتى المرتجعات كانت تتم إعادة بيعها في محطات المسافرين، لا سيما وأنها صحافة تعتمد النكتة المرسومة واللهجة العامية الميسرة. وهذا الانتشار حفز فريق "التقشاب" على رفع وتيرة النقد الحاد، ليجد مديرها حميد البوهالي نفسه معتقلا في كوميسارية المعاريف ومهددا بالمتابعة القضائية، إلا أنه بعد 22 يوما من الاعتقال الاحتياطي أفرج عنه، لتنتهي مغامرة "التقشاب" بقرار المصادرة والمنع.  

بعدها ظهرت عناوين أخرى اختفت سريعا ولم تحقق النجاح. ورغم انتشار الصفحات الساخرة بالصحف المغربية اليوم، فإن أغلب محتوياتها مليئ بالفقاعات وبالتهكم والتهريج. 

تجارب و"سْكَفْكَفْ"! 

في مجلة "لوميساج دو لاناسيون" التي أصدرها حزب الاتحاد الدستوري، وكان يديرها عبد الله الستوكي ورأست تحريرها نادية برادلي، ظهر رسام كاريكاتير مبدع هو محمد بكري (الكاف جيم مصرية)، مع الرسام محمد الزناكي. 

في 1983 صدرت أسبوعية "الهدهد" الهزلية باسم أحمد السنوسي، كوميدي كان مهرجا في جلسات الملك الحسن الثاني وصبحيات لأطفال القصر يتقدمهم ولي العهد (الملك الحالي). وبعدما أغدق عليه الحسن الثاني رخص نقل وعقارات، تحول إلى "معارض". كان رسام "الهدهد" هو محمد الأدغم، أما محررها الوحيد فكان الصحفي حسن عمر العلوي المشهور بين الزملاء باسم "فريموس". بعد أسابيع من صدور "الهدهد" تعرضت للرقابة بسبب خبر يخص تهريب العملة الصعبة منسوب لوزير المالية عبد الكامل الرغاي، أما مصدر الخبر فكان أسبوعية "البلاغ المغربي"، التي تم الإفراج عن صاحبها محمد بنيحيى، بعد التحقيق معه لساعات، ليستأنف إصدار صحيفته بشكل طبيعي، فيما توقفت تجربة "الهدهد" تلقائيا عند عددها رقم 13.   

في 2007 أصدر عبد الرحيم التوراني أسبوعية هزلية باسم "الانتهازي"، وكانت هيئة التحرير مكونة من الرسامين ابراهيم لمهادي وسعد جلال وعبد اللطيف الصيباري، بمساهمة من أحمد موتاج، ومن الكاتب الساخر والرسام ابراهيم مبشور، وهشام المنصوري الذي كان يراسل من الصويرة أو أغادير. وتوقفت الجريدة بسبب التضييق البوليسي، وبعدما أبلغ صاحبها من مدير شركة التوزيع "سريس" محمد عبد الرحمان برادة بأنه "على حافة ما لا تحمد عقباه"، حسب ما تناهى إلى سمعه، خاصة وأن "الانتهازي" بنهجها الدونكيشوطي المحارب للطواحين، لم توفر أي جهة من اليمين واليسار أو كبار المسؤولين.  

توالت التجارب في الصحافة الهزلية، منها تجربة العربي الصبان في "المقلاع"، وتجربة الصحفي علي المرابط في "دومان"، وقد صدر في حقه حكم قراقوشي قضى بمنعه من الكتابة لمدة عشر سنوات. والرسام خالد كدار الذي توبع مع مدير صحيفة "أخبار اليوم" توفيق بوعشرين بسبب رسم كاريكاتوري، وحكم عليهما بأربع سنوات، لحسن الحظ غير نافدة. 

في الضفة الأخرى، حيث السجون والمعتقلات السرية، سيعمد فنانون من السجناء السياسيين، للتعبير بالريشة وبالكاريكاتير، منهم عبد اللطيف الدرقاوي وعبد القادر الشاوي ومحمد النضراني وعبد العزيز مريد الذي برع في رسم "الباند ديسيني" (القصص المصورة) المتعثر تطورها بالمغرب. 

أسماء رسامي الكاريكاتير الذين يصعب حصرهم في هذا المقال. لكن نكتفي هنا بالإشارة إلى تجربة تكاد شبه مغمورة لمجموعة من الشباب من الجنسين، أشرفوا على إصدار مجلة ورقية باسم "السْكَفْكَفْ" (وجبة سريعة تعد من أحشاء وبقايا اللحم)، تعمدوا أن ينشروها من دون ترخيص قانوني، ووضعوا لها شعار: "خانز وبنين"، وهو اسم السندويتش الذي يتناوله مشجعو كرة القدم أمام ملاعب الدار البيضاء، ويتكون من شطيرة خبز بها جزر وبطاطس مسلوقين. والكلمة تعني بالفصحى (نتن ولذيذ). وهم يتواجدون في شبكة الانترنيت التي صارت تزخر بحسابات ومدونات وفيدوهات ساخرة مغربية. حيث أتاحت وسائل التواصل الرقمي تفاعل الراغبين في طرح الآراء والمطالب بكل حرية، بعيدا عن قيود الرقابة والتأطير المحسوب للهيئات الحزبية والنقابية وغيرها.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).