Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"التعبئة لدى زمور، كما هي لدى جميع الشعبويين، قائمة على تشبيه السياسة بالحرب"
"التعبئة لدى زمور، كما هي لدى جميع الشعبويين، قائمة على تشبيه السياسة بالحرب"

حسن منيمنة

إريك زمور شخصية إعلامية فرنسية، متشدّد في وطنيته إذ يعتبرها انتماءً أولاً وغالباً ونافياً لما يناقض أياً من أوجهها، ذو أصول "يهودية بربرية" من الجزائر، يقرّها ولكنه يتجاوزها في تأكيده على أحادية هويته القطعية الفرنسية، محافظ في مواقفه إزاء الهجرة التي يرفض طفرتها العددية وغربة الوافدين من خلالها عن القيم والعادات الفرنسية، وإزاء الحركة النسوية التي يحذّر من إفراطها في دعوة النساء إلى التخلي عن مسؤولياتهن الأمومية، رافضٌ للإسلام لقناعة لديه بعدم توافقه مع الطبيعة الجمهورية لفرنسا.

زمور هو أيضاً مرشّح للانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة العام المقبل، ويجب أن يؤخذ على محمل الجد.

لكن زمور ليس ظاهرة عابرة. لقد تكرّر تشبيهه بدونالد ترامب. وبالفعل، رغم الاختلاف الواضح بين الرجلين في البيان والبلاغة والفصاحة، الفائضة لدى زمور والضامرة لدى ترامب، فإن كليهما يأتي من خارج المؤسسة السياسية، في زمن تعاني فيه هذه المؤسسة من تضاؤل خطير للثقة الشعبية بها. وكل من زمور وترامب يعتمد الشعبوية، أي الإصرار على وصم الخصم السياسي بالعداء لجمهور الناخبين.

الحالة السياسية المتوقعة، ضمن النظام التمثيلي القائم على التنافس الانتخابي، هي أن يطرح كل جانب رأيه وأن يستعرض رأي خصومه، مبرزاً صحة ما لديه والاعتلال لدى غيره، وصلاح ما يقدمه لعموم الجمهور وفساد ما يعتمده خصومه، أي أن المرشح المتكلّم يبرز نفسه على أنه على صواب، وخصومه على خطأ، ما يستوجب اختياره وفوزه.

أما الطرح الشعبوي، فلا يكتفي بمقارنة الآراء، بل يعمد إلى جعل المواجهة السياسية مبارزة بين الخير والشر، وينقلها من الآراء والمواقف إلى الأشخاص. فالخير يمسي في كلام المرشّح وتماهيه مع الجمهور، والشر في نوايا خصومه الخبيثة للإضرار المتعمّد بهذا الجمهور. فالخصم ليس غريماً سياسياً وحسب، بل عدو مقيت لا بد من محاربته بكافة الوسائل.

يظهر هذا المنحى بوضوح في التعامل مع من هو مخالف برأيه، شتماً وتهكماً واتهاماً. ترامب كان يدعو الحاضرين المؤيدين له جهاراً إلى استعمال العنف للتخلص من المعارضين الطارحين لشعارات معادية خلال مهرجاناته. زمور لم يفعل ذلك، ولكن المؤيدين له دون حرج جنحوا بدورهم إلى العنف لإخراج معترضين على حملته، بناءاً على مقولة "لن نسكت عن الاستفزاز بعد اليوم". الاستفزاز، هنا، كان الحضور.

التعبئة لدى زمور، كما هي لدى جميع الشعبويين، قائمة على تشبيه السياسة بالحرب. زمور يستدعي التاريخ. في عداوته الصريحة للإسلام، يسترجع زمور التجربة المسيحية الأوروبية في دحر الاحتلال الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية (أي إسبانيا والبرتغال)، والتي عرفت باسم "الفتح المضاد" (ريكونكيستا)، وانتهت في القرن الخامس عشر، بعد مئات السنين من الكر والفرّ، باسترجاع كامل الأراضي التي استقرّت عليها الدول الإسلامية في الأندلس.

زمور أعطى الاسم نفسه لحزبه السياسي الجديد، "ركونكات"، أي "الفتح المضاد"، بعد سنوات طويلة من تصويره الدخول الإسلامي إلى فرنسا على أنه غزو وفتح، وإن بأساليب أقل جلاءً.

في كلام الرجل الكثير مما قد يدعو إلى الاستهجان والتنديد. على أنه من شأن من يناصر بعض التوجهات الإسلامية، سلفية وجهادية وإخوانية وغيرها، أن يتروّى قليلاً قبل البحث عمّا يسعه توظيفه من مواقف زمور للكشف (الضحل المغالط) عن النفاق في المواقف الغربية.

ذلك أن إريك زمور في توصيفه لطبيعة النشاط الإسلامي في فرنسا لا يتعارض البتة مع أدبيات هذه التوجهات والجماعات، والتي تعتبر الخدمات الاجتماعية والصحية وغيرها، والتي يقدّمها المجتمع الفرنسي للوافدين من جعبة دافعي الضرائب الفرنسيين، منحة إلهية مسخّرة لتمكينها من مواصلة جهادها في دار الكفر، ولا يستحق إزاءها المجتمع الفرنسي الكافر أي شكر أو تقدير.

زمور يشخّص مرضين يفتكان بالمجتمع الفرنسي: التخفيض الطبقي، والاستبدال السكاني.

إذ يرى أن "التخفيض الطبقي"، أي دفع الأسرة الفرنسية إلى التراجع بدخلها ومستوى معيشتها والفرص المتاحة أمام أبنائها، يعود إلى جشع الشريحة الرأسمالية التي نقلت الإنتاج الصناعي إلى دول أقل كلفة من حيث أجور العمال والقيود التنظيمية والنقابية، واستفادت أيضاً من قدوم يد عاملة رخيصة، شرعية أو غيرها، إلى فرنسا، هذا فيما مسعى الدولة إلى التعويض عن انحسار مداخيلها من قطاع الصناعة جاء على حساب أصحاب الأعمال المتوسطة والصغيرة.

الحل بالتالي من وجهة نظره ليس فقط بإعادة الوهج إلى قطاع الصناعة، من خلال التحفيز الضريبي ومن خلال وزارة صناعة سيادية ذات صلاحيات واسعة، بل كذلك عبر فكّ الارتباط بالمؤسسات العابرة للدول، والتي تلزم فرنسا بالعولمة المضرّة بمجتمعها، وتحديداً حلف شمالي الأطلسي والاتحاد الأوروپي، وصولاً إلى الخروج من كل منهما.

في موضوع "التخفيض الطبقي"، يخاطب زمور عقل الناخب، ويبني تحديداً على ما تعتبره أوساط واسعة في فرنسا في أداء الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون فشلاً يلامس الخديعة، بعد أن صاحبت انتخابه الآمال بالتغيير الذي لم يتحقق. أما في مسألة "الاستبدال السكاني"، فزمور يتوجه صراحة إلى القلق الوجودي المتصاعد اليوم في فرنسا كما في سائر الغرب.

مقولة "الاستبدال السكاني"، في الصيغة التي يعتمدها اليمين القومي الأبيض، مبنية على استشفاف خطة هادفة إلى دفع أعداد البيض إلى التراجع، مقابل ضخّ متواصل من المهاجرين "السمر والسود"، من ذوي التزايد المرتفع، والترويج للتعددية والزواج المختلط، وصولاً إلى القضاء الفعلي على العرق الأبيض، فيما يشكل، من وجهة نظر هذا اليمين، حرباً عرقية لا مجال فيها للمساومة.

تجد هذه القراءة قدراً من التأييد في أوساط المجتمع الفرنسي. ولكنه، خارج هامش اليمين القومي، تأييد متردّد وملتبس. حتى مارين لوبان، زعيمة حزب "الجبهة الوطنية"، وهو الحزب الذي دأب على الإيماء ببعض مقومات هذه القراءة، تتجنب اعتمادها صراحة، درءاً للنفور الذي تشهده خارج صفّها.

ما يقدّمه إريك زمور للناخب الفرنسي هو قراءة متجددة للمقولة ذاتها بصيغة تجعلها أكثر استساغة لأوساط واسعة تنفر تلقائياً من الخطاب العرقي. المواجهة ليست بين الأعراق، بل هي في الهوية والتاريخ والتراث والقيم. 

والانتماء الفرنسي ليس عرقياً، كما يصرّح اليمين الأقصى وكما تلمّح مارين لوبان، بل هو موقف مبدئي فكري أخلاقي، وفرنسا على مدى تاريخها قد استقبلت الوافدين من كل صقع وصوب، شرط أن يندمجوا بها، ليصبح تاريخها تاريخهم، ولغتها لغتهم، وهويتها هويتهم. 

للحرية التي تمنحها فرنسا لأبنائها، وللمساواة، أي للعدالة التي تضمنها لهم، ثمن، وهو الأخوة. "من يرضى بفرنسا أماً له هو أخ لنا".

إريك زمور يؤكد أنه لا يمكن أن يُتهم هو بالعنصرية على أساس اختلاف الأصول، بأصوله "اليهودية البربرية" المعلنة، ولا هو يستهدف المسلمين كأعراق وأجناس، بل يدعوهم إلى التمثل باليهود والمسيحيين في فرنسا، بأن يعمدوا إلى الفصل والتمييز بين الروحاني والدنيوي، ليندمجوا بالمجتمع الفرنسي ويصبحوا إخوة لسائر الفرنسيين.

أما من رأى خلاف ذلك من الوافدين، ومن أبنائهم، ومن ذوي الجنسيات المزدوجة في حال ارتكبوا الجرائم، فمصيرهم الطرد من فرنسا، في مسعى قد انطلق للتوّ، حسب وعد زمور الانتخابي، لاستعادة فرنسا بأكملها من "الغزو" الذي تعرّضت له، بتوافق ضمني وصريح بين دعاة العولمة واليسار العقائدي والتوجهات الإسلامية، في مقابل تخاذل وجبن واستسلام من أحزاب اليمين التقليدي.

واقع الحال أنه في فرنسا، منذ عقود، ثمة دورة اقتصادية اجتماعية خارجة عن السيطرة، تستقدم الهجرة، المفيدة منها والمتطفلة، لا بفعل قرار سيادي بل رغماً عنه، حاول ماكرون التصدي لها بخطوات أولية لم تؤدّ حتى إلى كبح تصاعدها. 

ليس أن إريك زمور، وهو بدوره يفتقد الخبرة التنفيذية بالكامل، محيط بكل تفاصيلها، ولكنه، بالطرح المركّب الذي يقدّمه للجمهور لفرنسي، مخاطباً عقله وقلبه، مفصّلاً له قراءة لخشية الاستبدال لا تدعو إلى الحرج، ومتهماً الطبقة الحاكمة بأنها متورطة بجريمة تفكيك الوطن وتدميره، ومقدّماً حلاً سهلاً لقضية الهجرة قائماً على الاندماج أو الطرد، يشكل خروجاً عن المعتاد السياسي الذي يكاد أن يدفع الناخب الفرنسي إلى اليأس.

الحلول السهلة مدعاة للقلق. والحلول الشاملة أيضاً مقلقلة. حلول زمور في آن واحد من صنف هذه ومن صنف تلك. والتجربة غائبة عن حزبه وحملته، رغم الدعم المفاجئ لهما من أوساط نافذة عدة والأخطاء والهفوات، والتي تراكمت للتوّ، مرشحة أن تزداد. 

على أن قدرات الرجل على البيان والاستقطاب بحد ذاتها، حتى لو تكن الساحة على ما هي عليه من خواء، تلزم بأن يؤخذ إريك زمور على محمل الجد. إذ هو من شأنه الفوز، ربما، ومن شأنه تبديل الخطاب السياسي فيما يتعداه وحملته، بالتأكيد.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).