Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شعور الملل وعجز المرأة عن الإنجاب قد تُصَرَّف بصيغة المذكر.
شعور الملل وعجز المرأة عن الإنجاب قد تُصَرَّف بصيغة المذكر.

سناء العاجي

كانت تحب زوجها. عشر سنوات من العيش المشترك وطفلة وتفاصيل كثيرة. لكن الزمن أدخل بعض التجاعيد على العلاقة. بقي شيء من الحب؛ أو لنقل شيء من الألفة.. لكن الحب فقد بريقه الأول والجنس أصبح ميكانيكيا وكلامهما غلب عليه غلاء المعيشة والدخول المدرسي والمناسبات العائلية. 

ثم كان زميلها. شاب وسيم أنيق. لا تستطيع مقاومة مقارنة جسده الممشوق مع ترهل جسد زوجها. تعجبها أناقته ويثيرها اختياره لربطات عنقه. طريقة كلامه. ثقافته العامة. روحه المرحة. 

في أحد الأيام، وهي تمارس الحب مع زوجها، سكنت صورة زميلها في ذهنها. خجلت من سلوكها. اعتبرته خيانة، رغم أنه لم يتجاوز الخيال. 

ثم قررت أن تواجه زميلها بمشاعرها.. وجاء الزواج الثاني. شرحت لزوجها الأول بأنها تحبه وأنها لا تريد التخلي عنه. بأنها ستحرص على معاملة عادلة بين الاثنين.  كانت هناك طفلة بينهما وشقة مشتركة وتفاصيل كثيرة. 

قبِل الزوج الأول، أو تظاهر بذلك. فهل كان لديه البديل؟ تزوجت بزميلها. امتعض بعض المحيطين بهما، لكن الأغلبية اعتبرت الأمر عاديا. حق من حقوقها كزوجة لديها رغبات. كانت تقضي الليالي بالتساوي بين الاثنين، لكنها كانت تشتاق لزوجها الجديد أكثر. تشتاق لحضنه ولعضلاته المفتولة ولجو المرح الذي يضفيه حضوره على البيت. كانت تحب ثقافته العامة واستقلاليته وأشياء كثيرة فيه. حتى طريقة تصفيفه لأغراضه في الحمام. 

وكان زوجها الأول يتظاهر بقبول الوضع على مضض، حفاظا على استقرار الأسرة. حتى أنه اقترح عليها أن يقضوا العيد المقبل معا، هو وهي وطفلتهما و.. زوج زوجته الجديد. كان ذلك أفضل له من أن يقضي العيد لوحده إذا اختارت زوجته قضاءه مع زوجها الجديد.

كيف بدت لكم الحكاية أعلاه؟ عبث وجنون وأمر غير مقبول؟ 

في الحقيقة، هي لا تختلف كثيرا عن العبث والجنون الذي تولده الآية المعكوسة.!!!! لا الدين ولا القانون ولا التعود والقبول المجتمعي، يستطيع أن يقنعنا بأن التعدد أمر "طبيعي" وأنه حق من حقوق الرجال. كما أن لا أحد يستطيع أن يقنعنا بأن امرأة، بسبب قناعاتها الدينية وتربيتها الإسلامية، تتقبل بسهولة ارتباط زوجها بامرأة أخرى. 

التعدد شرعنة للخيانة ومأسسة لها. شعور الملل وعجز المرأة عن الإنجاب وكل هذه "الحجج"، قد تُصَرَّف بصيغة المذكر كما قد تُصَرَّف بصيغة المؤنث. فإما أن نجد لها حلا معقولا في كل الحالات، وإما أن نلغيها في جميع الحالات. 

الحرقة التي اكتوى بها بعض الرجال لمجرد قراءة الفقرة الأولى لهذا المقال (دون معايشتها في الواقع مع زوجاتهم)، هي نفسها التي تحرق قلوب عشرات الآلاف من النساء، بمن فيهن من قد يظهرن العكس. 

البعض، لتبرير التعدد، يخترع أرقاما لا أساس لها من الصحة، كالفيديوهات والمقالات التي نصادفها بين الفينة والأخرى عن كون أعداد النساء أكثر بكثير من أعداد الرجال، مما قد يبرر التعدد بهدف "إنقاذ النساء من العنوسة". الكارثي أن هناك منابر إعلامية رصينة تروج لتلك الأرقام لتبرر وتفسر تعدد الزوجات، في حين أن بحثا صغيرا على المصادر الإحصائية الرسمية يبين لنا أن تلك الأرقام خاطئة، لأن تقسيم البشر على وجه الأرض بناء على الجنس، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، يبين نسبا شبه متساوية بين الرجال والنساء (مع ارتفاع طفيف لأعداد الرجال، عكس ما يروج له!).

على الأرض، ينقسم البشر إلى:  50،4٪ من الرجال و49،6٪ من النساء، بمعنى أنه، لكل 102 من الرجال، هناك 100 امرأة. فهل سنبرر، مثلا، تعدد الأزواج للزوجة الواحدة، بحجة إنقاذ النسبة الصغيرة من الرجال الذين يتجاوزون أعداد النساء؟ أم أن هذا المعطى يبين لنا كيف أن للبعض القدرة على ليّ المعطيات الدينية وحتى الديمغرافية لتبرير ممارسات غير منصفة؟

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد
جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد

كوليت بهنا

في الذكرى الثانية عشرة للثورة، خرج التونسيون قبل أسبوع بمظاهرات عارمة طالبت بإسقاط النظام مع اتهامات حادة بالفساد وتراجع الحريات وتردي الأوضاع الاقتصادية.

الثورة التونسية السلمية، التي تستحضر هنا كأنموذج بوصفها فاتحة ثورات الربيع العربي المتتالية، تبدو وكأنها تعود إلى المربع الأول، وتعيد جرد حساباتها، وتعيد طرح الأسئلة الشائكة المتعلقة بالدستور والأسباب والعثرات التي أعاقت التغيير وتحقيق الأهداف المنشودة، على الرغم من أنها صنفت بالأنجح عربياً حتى اليوم، قياساُ بمآلات ثورات باقي الدول التي لم تفض إلى نتائج مخيبة للآمال فقط، بل إلى خراب العديد منها ومآسٍ يصعب حصرها. 

بالعودة إلى البدايات، ومع الدهشة الأولى التي أصابت العالم عقب خروج الشعوب العربية الثائرة من قمقمها، استبشر العديد من المحللين السياسيين والباحثين والفاعلين الدوليين بموجة التغيير العارمة هذه، فكتبوا وحللوا وقدموا نصائح رئيسة عن الطرق السديدة التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى الانتقال الديمقراطي المنشود. منهم ما كتبه في 15 نوفمبر 2011 على سبيل المثال بول سالم، الرئيس السابق لمركز كارنيغي الأميركي للسلام الدولي في الشرق الأوسط، في مقال تحليلي مطول سيبدو اليوم لقارئه أشبه بخريطة طريق رشيدة وضعت في حينه.  

إذ قال في بعض المقتطفات الهامة: "من شأن دستور مدروس ومتوافق عليه أن يكون المفتاح لتحقيق النجاح الديمقراطي". و" إن عملية الانتقال، بمعنى ما، هي ومضة في التاريخ، لكن بناء ديمقراطية قوية وذات ديمومة هي عمل أجيال. ونجاح العملية الانتقالية قد يحدد نجاح أو فشل الديمقراطية الوليدة". و"الهدف الرئيس من وضع أو تعديل الدستور في عمليات الانتقال الديمقراطية لا يكمن في السعي الى الاتفاق على كل مبدأ أو هدف سياسي واجتماعي اقتصادي، بل في اقامة مروحة من المؤسسات والقواعد التي تستوعب الخلافات وتمكّن رأي الأغلبية وتحمي آراء الأقلية". 

فإلى أي مدى ينطبق هذا الكلام مع التغييرات والتحولات التي أعقبت الثورات العربية، وهل تعثُر هذه الثورات، إن لم نقل فشلها والإحباطات والخيبات التي أفضت إليها، يكمن فقط في ضعف شرعية الدساتير العربية وعمليات صياغتها التي أعقبت هذه التحولات ومحدودية دورها الذي صمم للحد من سلطة الشعب بدلاً من سلطة الدولة ومقاومتها لأي تغيير؟ أم لأسباب أخرى تتعلق بهويات هذه الثورات بذاتها والشكل الذي اتخذته في الاحتجاج السلمي أو العنيف أو المسلح أو غيرها من الأسباب الجوهرية؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة والنقاش الأكاديمي الفاعل حول شرعية وعمليات وضع الدساتير في العالم العربي من خلال دراسة التغييرات الدستورية التي اختبرتها مختلف الدول العربية استجابة للاضطرابات الشعبية منذ 2010، اجتمع في بيروت الشهر الفائت، عدد من الباحثين الدوليين وخبراء قانون في مؤتمر متخصص أقيم في إطار مشروع بحثي للباحثة الرئيسية ريم تركماني بعنوان "الشرعية والمواطنة في العالم العربي" في كلية لندن للاقتصاد، وتم تمويله من قبل مؤسسة كارنيجي في نيويورك. 

كما أقيم المؤتمر بالشراكة بين كلية لندن للاقتصاد والمنظمة العربية للقانون الدستوري التي تمثلها المديرة التنفيذية للمنظمة تمارا خوري، والتي تعتبر أول شبكة اقليمية لخبراء صياغة الدساتير في المنطقة العربية، وتهدف الى المساهمة في الحكم الرشيد والتحول والانتقال الديمقراطي وكذلك دعم جهود الاصلاح القانوني والدستوري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتبر خبراء المنظمة من كبار المختصين في مجال بناء الدساتير في المنطقة حيث شاركوا في التفاوض على الدساتير وصياغتها في عدد من الدول (المغرب الجزائر تونس ليبيا مصر العراق اليمن). 

بعد الاستماع ومناقشة تجارب الدول المشاركة، وهي بمجموعها الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات شعبية منذ 2010، خلص المؤتمر إلى عدد من النتائج المتعلقة بكيف يصاغ الدستور والتشاركية في صياغته وكم تستغرق هذه الصياغة وغيرها، والتي لخصها البروفسور ناثان براون بعدد من النقاط، وهو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيجي. حيث وجد بحسب خبرته وعمله منذ أكثر من نصف قرن في مجال الدستور أن جميع القصص متشابهة في جميع الانتفاضات العربية منذ 2010، ومازالت هناك أسئلة بلا أجوبة ولا توجد خلاصة عامة. كما لا يوجد جواب واحد حول مضمون الدستور، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع حول ما يجب أن يقوله الدستور. وأن معظم النقاشات تتعلق بشكل الدولة وليس بالحقوق والحريات التي غابت عن معظم التجارب الدستورية العربية، وأفضت إلى نتيجة مخيبة بأنه لا نهايات سعيدة أبداً. 

ويضيف بحسب خلاصة استنتاجاته، أن الحكام العرب يتحججون دوماً بالظروف الاستثنائية لتأخير الديمقراطية، وأن الدستور في المحصلة يجب أن يساعد الناس في إدارة اختلافاتهم، وفي الواقع لم تعبر هذه الدساتير عن إرادة الشعوب، حيث لا توجد مشاركة شعبية حقيقية لأن الجنرالات هم من يتحدثون بالإنابة عن الناس الذين يمكن وصفهم " بالناس الكثر وليس الشعب" كما الحال في مصر، وأن الحالات الأصعب في صياغة الدساتير تتمثل برأيه حين يشارك لاعبون مختلفون يأتون بمفاهيم مختلفة ويعملون على الدساتير، كما الحال في سوريا.  

قد يبدو رأي الباحث براون صائباً في المعنى العام، وإن كان يشي ببعض التشاؤم حول الانسداد العربي، لكن في الواقع، فإن المتابع لمناقشات هذا المؤتمر سيخرج بخلاصة مضافة تحمل الكثير من الإيجابيات التي يمكن توظيفها واستثمارها بشكل أكثر فاعلية وديمومة في المستقبل. وتتلخص بزخم وسخونة النقاشات واحترافية وغنى محتوى الأوراق البحثية التي قدمت من جميع المشاركين والمعقبين. وأهمية تبادل الخبرات العربية والتقاطع فيما بينها، وبشكل خاص الخبرة الدستورية لكل من تونس والمغرب، كتجربتين متفوقتين حتى اليوم قياساً بتجارب عربية أخرى مازالت تراوح في مكانها، أو تتراجع لصالح الأنظمة الحاكمة ومزيد من الشمولية والاستبداد، سواء فيما يخص الجمهوريات أو الملكيات الحاكمة على حد سواء. 

كما برزت أيضاً أهمية مساحة المشاركة النسائية العربية رفيعة المستوى والندية على كافة المستويات، والتي تدفع إلى تفاخر حقيقي بحجم ونوعية الكفاءات النسائية العلمية الموجودة على الساحة العربية، والدور الهام والمبشر الذي يلعبنه، وبشكل خاص فيما يتعلق بمواقعهن كخبيرات قانونيات ودستوريات في عمليات صياغة دساتير بلادهن، أو من خلال مواقعهن الأخرى التي برزن فيها بشكل خاص عقب الثورات العربية، والتي أفضت إلى تغييرات مبشرة وإيجابية فيما يتعلق بدور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والعامة. 

"نحن الشعب، السادة الشرعيون للكونغرس والمحاكم. لا لقلب الدستور، بل لإسقاط الرجال الذين يفسدون الدستور". هذا ما قاله الرئيس الأميركي التاريخي ابراهام لينكولن قبل نحو مائتي عام. وهو ما دفع حياته ثمنا له لأجل أن تحظى الأجيال المقبلة بالمساواة وتنعم بحقوقها وحرياتها.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).