Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"العدوى تنتقل، ولا تعرف الأسوار"
"العدوى تنتقل، ولا تعرف الأسوار"

نضال منصور

بمحض الصدفة اكتشفت أنني مصاب بفيروس كورونا، كان يفترض أن أسافر إلى مصر للمشاركة متحدثا في مؤتمر القاهرة للإعلام الذي تنظمه الجامعة الأميركية، ولهذا توجهت لعمل فحص "PCR"، وتفاجأت بعد ساعات بالنتيجة إيجابية، فلم أصدق الأمر، وأعدت الفحص، وتأكدت من الإصابة، وبدأت رحلة العزلة في منزلي، وهذه تجربة تستحق التوثيق والسرد.

صدمتي كانت قاسية بالإصابة، ليس فقط لأنني لا أطيق العزلة، وإنما لأنني تلقيت قبل أيام قليلة من إصابتي الجرعة الثالثة المعززة من لقاح "فايزر" لحمايتي من فيروس كورونا، وكنت قبلها منذ شهر آذار الماضي قد انتهيت من أخذ الجرعتين.

ما حدث معي كان مُلهما وفرصة لصديقي المحامي المصري المعروف، نجاد البرعي، وهو بالمناسبة معارض للتطعيم، ليؤكد على سقوط ما سماه "خرافة التطعيم"، واستشهد أنني أصبت بالفيروس رغم أنني أخذت جرعتي اللقاح، إضافة للجرعة المعززة.

يعتبر البرعي، وبالتأكيد هناك الكثير من الأصوات التي ترى ما يراه، أن الحكومات في العالم وحتى في الدول الديمقراطية تستغل جائحة كورونا لإحكام سيطرتها على شعوبها، وإخضاع مواطنيها لقرارات "قراقوشية" بدعوى الحفاظ على صحتهم.

ويعتقد أن قصة كورونا كذبة كبرى ستنفجر في وجه من صنعوها، والهدف الأساسي أن تنهار اقتصاديات الدول النامية، وإغراقها بالديون، وزيادة أرباح شركات الأدوية.

حين تلقيت الجرعة الثالثة المعززة من لقاح كورونا تلقيت العديد من الاتصالات من صديقات وأصدقاء، وبعضهم أطباء يحذروني من مخاطرها، وتطوع بعضهم بإرسال فيديوهات لمن يعتبرونهم أطباء مرموقين في العالم يتحدثون عن ضرورة رفض تلقي المطعوم.

طبعا أتفهم أن هناك من يعارض اللقاح بحجة أنه لم يخضع لاختبارات سريرية كافية، أو التنبيه لأعراض جانبية محتملة قد تحدث بعد تلقي المطعوم، ولكنني لا أصغي لكل "الخزعبلات" التي لا تُعلي من شأن العلم، ولا تُقدر دور اللقاحات على مر التاريخ في حماية البشرية.

كلما خضت جدالا حول جدوى المطاعيم، وفعاليتها ذكّرتهم أن أمهاتنا وآباءنا قبل عقود ذهبوا طوعا لإعطائنا اللقاحات لمكافحة شلل الأطفال، الجدري، السل، التيفوئيد، الكوليرا، والكبد الوبائي دون أن يشغلوا أنفسهم في متاهة الأضرار الناجمة عن المطاعيم، وما كان يهمهم أن يحموا أبناءهم وبناتهم من مخاطر الأوبئة، والأمراض الفتاكة، والتي أصبحت معظمها بفضل اللقاحات من الماضي.

بعد عامين على بدء الجائحة تقريبا وقعت أسيرا لهذا الفيروس اللعين، في وقت انشغل العالم مرة أخرى بظهور المتحور الجديد "أوميكرون"، وتزايدت التحذيرات من سرعة انتشاره ومخاطره.

في العالم لجأت بعض الدول لتدابير مشددة مرة أخرى، فعادت للتضييق على حركة السفر والتنقل، وقررت دول أخرى وضع قائمة بأسماء الدول التي يحظر القادمين منها بالدخول لأراضيها، وأُرجع في أماكن أخرى الحجر المؤسسي، وتجدد السؤال بعد أوميكرون، السلالة الخامسة من المتحورات منذ اكتشاف الوباء، هل من بارقة أمل أن تتوقف هذه الجائحة التي غيرت العالم، وغيرت حياة الناس؟

حتى الآن زادت الإصابات بفيروس كورونا حول العالم عن 226 مليونا، والوفيات فاقت 5 مليون و250 ألفا، والحالات النشطة تتعدى 21 مليونا، واقتصاديات الدول تئن، وبعضها ينهار، وكل يوم تزداد الخسائر، والحبل على الجرار.

هذه المتوالية لن تتوقف ما دامت العدالة في تلقي اللقاحات غائبة، ففي الدول الثرية شخص من بين كل أربعة تلقى المطعوم، في حين أن الفجوة واسعة مع الدول الفقيرة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن شخصا واحدا من كل 500 شخص أخذ اللقاح. وملخص الوضع، ما لم يكتسب العالم وليس الدول الغنية فحسب حصانة ضد الوباء، فإن عودة انتشاره، وتأثره الكبير بالمتحورات سيظل مُقلقا، ويُهدد الصحة والسلامة العامة.

قصة عدالة اللقاحات فتحت الباب لنقاشات واسعة لتعليق براءات الاختراع الخاصة بالمطاعيم، ويدور حديث عن ضرورة تقديم الاعتبارات الصحية والأخلاقية على مفاهيم وقواعد الملكية الفكرية، وتتوسع المطالبات بضرورة رفع حقوق الملكية الفكرية في حالات الطوارئ العالمية لحماية حق الحياة، بإعطاء تفويض لإنتاج لقاحات محلية دون إذن مسبق، وبكلف مالية تستطيع الدول الفقيرة تحملها.

الرئيس الأميركي، جو بايدن، بادر للإعلان أن بلاده مستعدة لتعليق براءات الاختراع الخاصة باللقاح لتمكين الدول الفقيرة من إنتاجها محليا، والواقع أن هذه النزعات الأخلاقية قد لا تنجح لتصبح نهجا في مواجهة "جشع" شركات الأدوية التي جنت المليارات من تجارة اللقاح منذ بدء الجائحة، فالأرقام تُشير إلى أن شركة فايزر تتوقع أن تصل مبيعاتها مع نهاية العام إلى 36 مليار دولار، وشركة بايونتيك حققت حتى الآن 15.9 مليارا، وموديرنا بحدود 20 مليارا.

أنانية الدول الغنية، كما وصفها الأمين العام لمنظمة "أوكسفام"، كريستيان وايز، لن تُنهي الجائحة، فالعدوى تنتقل، ولا تعرف الأسوار.

لا تستهويني نظرية المؤامرة في قراءة الجائحة، ومقتنع أن هذا الوباء كارثة عارضة تمر بها البشرية، وليست "مصنعة" سياسيا للتحكم بدول العالم، أو وسيلة للسيطرة على اقتصاديات البلدان النامية، وابتزازها. والعالم العربي خير دليل، فنحن قبل كورونا، وبالتأكيد بعدها دول مستقلة بالاسم فقط، ولا نحتاج لجائحة حتى يُسيطر عليها، وهي حكما في معظمها تعاني اضطرابات، وصراعات، وانهيارات، وينهشها الفساد، ويسود بها الاستبداد.

واقع الحال بعد عامين على بدء الجائحة، ما زال العرب يتلهون في اختراع نظرياتهم حول الوباء، ويضيعون الوقت في مروياتهم الساذجة، ولا يرعبهم سقوط الضحايا، لأنهم لم ينشغلوا من قبل في بناء منظومة صحية تحمي ناسهم من الموت.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).