Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لكل بلد عربي سجونه العامرة بالمعارضين من السجناء السياسيين، ولكل خريطة مراكز تعذيب ومعتقلات سرية
لكل بلد عربي سجونه العامرة بالمعارضين من السجناء السياسيين، ولكل خريطة مراكز تعذيب ومعتقلات سرية

عبد الرحيم التوراني 

صادف الأمس (الجمعة 10 ديسمبر 2021) اليوم العالمي لحقوق الإنسان. مناسبة ترمز إلى التاريخ الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948، الوثيقة الأكثر ترجمة (أكثر من 500 لغة).

طبعا، تنخرط معظم دول المعمورة في الاحتفال بهذا الحدث، بما فيها البلدان التي لا نصيب لها من قضايا حقوق الإنسان "إلا الخير والإحسان" كما يقول تعبير شعبي. ومن بينها الأنظمة العربية، التي تتساوى هنا على نفس الاستواء.

ووفقا لتعبير محمود درويش: "من المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط... كانوا يعدون الجنازة" (ولا يزالون)، والقصد جنازة حقوق الإنسان. من الصعب العثور على نظام عربي يتمتع فيه البشر بحقوق الإنسان كما نصت عليها المواثيق الدولية. مهما حاولت لن تجد غير التجهيل باسم التعليم، وغياب حرية الرأي والتعبير، وتزوير الانتخابات، وتعميم الرشوة والفساد، والحروب والتفقير، والسجون والتعذيب وقوارب الموت، وكل ما يندرج تحت اليافطة العريضة لـ "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان" الناجمة عن الظلم والقهر والاستبداد. وبلا شك نحن أمام لوحة بالغة القتامة لـ"أراضي سواد" جرداء قاحلة لا زرع فيها ولا نبات.

أبواق التوهيم 

لكن أبواق الإعلام الرسمي جاهزة لبث الأضاليل ونشر الأباطيل، حتى ليخيل للعاطل والفقير والمُهَجّر، ولسجين الرأي، وللنساء المضطهدات والمعنفات، والأطفال المقهورين، وخريجي مناهج الأمية وسياسات الهشاشة والإقصاء، ولضحايا الحروب والدمار، وضحايا الفساد... أن الداء فيهم هم، بل هم المصابون بمرض التوهم . وربما بلغوا حالة قصوى من الاضطراب النفسي، يعتقدون معها ما يناقض الواقع المزهر. وكان الأجدر بهم أن يفتحوا الأعين ليروا أن كل شيء على ما يرام، وأن دنياهم بخير، وما عليهم إلا الكف عن القلق وعدم الانشغال بالحاضر أو المستقبل، وليقتنعوا بأن لا قدرة لهم على الاعتراض. 

وما يزيد من حدة الابتلاء تقنين التضليل وطمس الحقيقة عبر سلاح الميديا، بتجنيد الجيوش الإلكترونية لإجبار الناس على أن يؤمنوا بأن "واقعهم المأساوي المرير" هو جنة ما بعدها جنة. هي الدعاية الرسمية لما تتفوق على نفسها وتمتلك ما يكفي من تحويل الوهم إلى حقيقةً.

حروب وفتن واستبداد

بالعودة إلى الخريطة الممتدة ما بين الماءين، سيضيق المجال لاستعراض مآسي أوضاع حقوق الإنسان. إذ لا حصر للانتهاكات بمختلف المجالات. لذلك سنكتفي بقراءة هكذا عناوين سريعة لواقع مغبون:
-  حرب في سوريا واليمن وليبيا
- صراعات ونزاعات داخلية وإقليمية في العراق
- خرق سافر للدستور على يد الرئاسة في تونس
 - فتنٌ طائفية ومذهبية في لبنان
- دكتاتورية عسكرية في مصر السيسي وجزائر تبون وسودان البرهان، 
- استبداد قروسطي في أنظمة السلاطين والملوك والأمراء...

ولا استثناء موصوفا في مسألة "حقوق الإنسان". فلكل بلد عربي سجونه العامرة بالمعارضين من السجناء السياسيين، ولكل خريطة مراكز تعذيب ومعتقلات سرية. وفي الوقت الذي يرتع فيه غلاة الفساد ولصوص المال العام ومنتهكو القوانين، تجري فيه متابعة المطالبين بالحق في العيش الكريم. ما يجعل ضحية التوهيم يعتقد أن الدنيا هكذا قوانينها تمشي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

فمن تكون أنت لتغير نواميس الكون، ولستَ سوى لُكَعْ بن لُكَعْ يحلم بالسعادة وبالمستحيل! ليس لك إلا أن تتبع نصيحة الفاهمين "حط راسك بين الرؤوس ونادي يا قطاع الرؤوس". ودونك خَرْطُ القتاد.

كيف تعترض وقد حباك القادر بحكومة رشيدة، وزاراتها هي مصدر الحقيقة. أنظر كيف يدار الاقتصاد والموارد العامة، وكيف نحفظ أمنك ونحميك من الإرهاب، وكيف نتصدى للفساد بـقانون "عفا الله عما سلف". وكيف نسعى إلى الازدهار والنمو ونشر السعادة بين الربوع. ألم تقرأ ما تردده صحف العجم عنّا؟ كلها تشيد وتزيد. إننا صرنا في مصاف الأمم الكبرى، وتفوقنا على أكثر البلدان تقدما وحداثة. بل إن التقدم لنا وأصحاب الحداثة هم نحن، ومنا يقتبس الآخرون ويغترفون. راجع ماضي أجدادنا وتراثنا التليد، ولتحمد ربك ولتشكره وتستزيد، وهو خير القائلين: "وإن شكرتم لأزيدنكم". أما إن كنت من الجاحدين فالمطلوب منك أن "تدخل سوق راسك". وألا تنسى أن "الأخ الأكبر يراقبك"، كما أخبر "النبي المجهول" جورج أورويل (في روايته "1984"). وإن عاندت وركبت رأسك، فلا تقف عند "ويل للمصلين" وأكمل الآية: "وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ". 

واقع أسود

ها أنت ترى أن طاعتك للراعي هي الملاذ ولا مفر. كلّم نفسك أنك لستَ أفضل من باقي القطيع. والدّين يحثك على طاعة ولي الأمر. لتستوعب جيدا فتوى العلماء الأفذاذ، "قتالُ السلطان فيه فساد الدنيا والدين". والاحتجاج ولو كان سلميا ممنوع. فـ"كل أشكال المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والدعوة لها محظور لتعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم وأعراف المجتمع (السعودي)" مثلا. وأنك إذا خرجت مع الحشود لتطالب بمدرسة ومستشفى ومرافق حيوية ضرورية لمدينتك فالاعتقال والتنكيل من نصيبك، وعشرون سنة خلف القضبان بانتظارك، (كما حصل لمعتقلي "حراك الريف" في المغرب). هذا إذا حالفك الحظ ولم يلطخوا سمعتك بتلفيق ملف أخلاقي واتهامات جنسية. على هذه النهج والمنوال تكمم أفواه المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين باسم قانون مكافحة الإرهاب بأكثر من بلد عربي، وفي سجون مصر السيسي وحدها ما يزيد على 60 ألف معتقل رأي (وفق المنظمات الحقوقية الدولية).

يزيد حجم الصفحات السوداء التي يتم نشرها دوريا ضمن تقارير مختلفة ترصد تدهور أوضاع حقوق الإنسان بالدول العربية، التي أصبحت تتبوأ عالميا لوائح الأنظمة المتهمة بالمس بحقوق الإنسان. لكن لدى كل اتهام تطلع بيانات رسمية كلها تكذيب واستهجان، وتسفيه للانتقادات من دون تقصٍ للحقيقة. بيانات تستنجد بنظرية المؤامرة. هي "هيبة الدولة" يجب دائما أن تصان، فلتطلق مدافع التلفزيون والإذاعات قذائف "المنجزات" و حجم "المكتسبات" المتراكمة التي ينعم بها المواطنون في "بلد حقوق الإنسان". لا تجد الدولة في مواجهة المدافعين عن حقوق الإنسان غير القمع الملموس، وتجنيد الذباب الالكتروني، و"العياشة" و"الشبيحة" ليدافعوا عن سجلها الحالك حد القتامة. لكن مهما رشَّتْ الأبواق من تبييض وزركشة لتغطية صفحات انتهاكات حقوق الإنسان،  فإن اللون الأسود كيميائيا هو الذي يطغى، وهذا من الأمور التي يدركها الصباغون، لكن المزوقين لا يعلمون. فالأسود هو سيد الألوان، يعبر بوضوح عن الحزن والتشاؤم والبؤس، أليس هو لون الحداد والعتمة؟ إلا أن الأبواق إياها لا ترى فيه سوى جانبه المثير كلون للحلم والخيال والصمت، فتسعى إلى إغراق الضحايا وعائلاتهم في بحور من الوهم والخيال لترخي على الجميع سدولا قاهرة من الليل والتعتيم. 

هاربون إلى السعادة

بمناسبة هذا الحدث، خلدت "الجبهة الاجتماعية المغربية" (تتكون من تنظيمات وأطر وفعاليات خارج الأحزاب الرسمية) اليوم العالمي لحقوق الإنسان لهذه السنة تحت شعار: "جميعا ضد غلاء المعيشة وتغول المخزن (النظام) ومن أجل الحريات". حيث شهدت عدة مدن مسيرات حاشدة ليلتي 9 و10 ديسمبر 2021، بلغت 35 مسيرة ووقفة احتجاجية، واجه فيها المشاركون قوات القمع، مئات من الشباب والنساء ممن يرفضون تصديق الأكاذيب الحكومية حول الرخاء والاستقرار ونزاهة الانتخابات، ولا يرضون بالواقع كحقيقة ثابتة، ممن لا يسمحون بتضليلهم بكونهم محظوظون بل ومحسودون بعيشهم في "أجمل بلد في العالم"، حسب دعاية جلب السياح الأوروبيين لبلد مبهر "تشرق الشمس به 365 يوما في السنة".

لقد تبين أن "العهد الجديد" لم يحدث تلك القطيعة المؤملة مع الماضي الرهيب، بل إنه بصدد  تكرار منهجي لـ"سنوات الرصاص"، ما يشكل انتكاسة وتراجعا خطيرا. ولأنّ التاريخ "يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل مهزلة"، كما يقول كارل ماركس، فمن دون شك أن ما نراه الآن هو استمرار للمأساة وتجسيد للمهزلة في آن!، هكذا جرى إقفال قوس الانفتاح سريعا مثل سحاب عبر.

بالمختصر المفيد، نكتفي بالتساؤل البسيط: 
- ماذا يسمى الارتفاع المضطرد لنسب البطالة عاما بعد آخر، ونمو مساحات مدن الصفيح، وتمدد أحزمة البؤس عبر العقود؟
- ماذا يسمى عدم توقف قوارب الموت، بل إنها تحولت إلى قوارب جوية، بعد هروب أكثر من 20 شابا مغربيا "اختطفوا" طائرة في نوفمبر الأخير؟
- بماذا يفسر أن سبعة من كل عشرة من الشباب المغاربة يحلمون بالهجرة إلى الخارج، ما يضع البلد ضمن أعلى النسب (70%) بين الدول التي يرغب شبابها في الهروب، وفقا لتقرير حديث للمرصد الوطني للتنمية البشرية (منظمة حكومية)، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (8 ديسمبر 2021)؟
*** 
وختاما، إن مواكب الهروب تتوالى كل فجر لتغرق بركوبها قوارب الموت في عمق المضيق والمحيط. والجلادون باقون يعتلون المشهد بطرابيش فلكلورية وعمامات الإفلات من العقاب. 

لكن دم الضحايا ولو اختلط بمياه البحر يظل دما.
 فإلى أين يا لُكَعْ بن لُكَعْ؟

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).