Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لكل بلد عربي سجونه العامرة بالمعارضين من السجناء السياسيين، ولكل خريطة مراكز تعذيب ومعتقلات سرية
لكل بلد عربي سجونه العامرة بالمعارضين من السجناء السياسيين، ولكل خريطة مراكز تعذيب ومعتقلات سرية

عبد الرحيم التوراني 

صادف الأمس (الجمعة 10 ديسمبر 2021) اليوم العالمي لحقوق الإنسان. مناسبة ترمز إلى التاريخ الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948، الوثيقة الأكثر ترجمة (أكثر من 500 لغة).

طبعا، تنخرط معظم دول المعمورة في الاحتفال بهذا الحدث، بما فيها البلدان التي لا نصيب لها من قضايا حقوق الإنسان "إلا الخير والإحسان" كما يقول تعبير شعبي. ومن بينها الأنظمة العربية، التي تتساوى هنا على نفس الاستواء.

ووفقا لتعبير محمود درويش: "من المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط... كانوا يعدون الجنازة" (ولا يزالون)، والقصد جنازة حقوق الإنسان. من الصعب العثور على نظام عربي يتمتع فيه البشر بحقوق الإنسان كما نصت عليها المواثيق الدولية. مهما حاولت لن تجد غير التجهيل باسم التعليم، وغياب حرية الرأي والتعبير، وتزوير الانتخابات، وتعميم الرشوة والفساد، والحروب والتفقير، والسجون والتعذيب وقوارب الموت، وكل ما يندرج تحت اليافطة العريضة لـ "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان" الناجمة عن الظلم والقهر والاستبداد. وبلا شك نحن أمام لوحة بالغة القتامة لـ"أراضي سواد" جرداء قاحلة لا زرع فيها ولا نبات.

أبواق التوهيم 

لكن أبواق الإعلام الرسمي جاهزة لبث الأضاليل ونشر الأباطيل، حتى ليخيل للعاطل والفقير والمُهَجّر، ولسجين الرأي، وللنساء المضطهدات والمعنفات، والأطفال المقهورين، وخريجي مناهج الأمية وسياسات الهشاشة والإقصاء، ولضحايا الحروب والدمار، وضحايا الفساد... أن الداء فيهم هم، بل هم المصابون بمرض التوهم . وربما بلغوا حالة قصوى من الاضطراب النفسي، يعتقدون معها ما يناقض الواقع المزهر. وكان الأجدر بهم أن يفتحوا الأعين ليروا أن كل شيء على ما يرام، وأن دنياهم بخير، وما عليهم إلا الكف عن القلق وعدم الانشغال بالحاضر أو المستقبل، وليقتنعوا بأن لا قدرة لهم على الاعتراض. 

وما يزيد من حدة الابتلاء تقنين التضليل وطمس الحقيقة عبر سلاح الميديا، بتجنيد الجيوش الإلكترونية لإجبار الناس على أن يؤمنوا بأن "واقعهم المأساوي المرير" هو جنة ما بعدها جنة. هي الدعاية الرسمية لما تتفوق على نفسها وتمتلك ما يكفي من تحويل الوهم إلى حقيقةً.

حروب وفتن واستبداد

بالعودة إلى الخريطة الممتدة ما بين الماءين، سيضيق المجال لاستعراض مآسي أوضاع حقوق الإنسان. إذ لا حصر للانتهاكات بمختلف المجالات. لذلك سنكتفي بقراءة هكذا عناوين سريعة لواقع مغبون:
-  حرب في سوريا واليمن وليبيا
- صراعات ونزاعات داخلية وإقليمية في العراق
- خرق سافر للدستور على يد الرئاسة في تونس
 - فتنٌ طائفية ومذهبية في لبنان
- دكتاتورية عسكرية في مصر السيسي وجزائر تبون وسودان البرهان، 
- استبداد قروسطي في أنظمة السلاطين والملوك والأمراء...

ولا استثناء موصوفا في مسألة "حقوق الإنسان". فلكل بلد عربي سجونه العامرة بالمعارضين من السجناء السياسيين، ولكل خريطة مراكز تعذيب ومعتقلات سرية. وفي الوقت الذي يرتع فيه غلاة الفساد ولصوص المال العام ومنتهكو القوانين، تجري فيه متابعة المطالبين بالحق في العيش الكريم. ما يجعل ضحية التوهيم يعتقد أن الدنيا هكذا قوانينها تمشي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

فمن تكون أنت لتغير نواميس الكون، ولستَ سوى لُكَعْ بن لُكَعْ يحلم بالسعادة وبالمستحيل! ليس لك إلا أن تتبع نصيحة الفاهمين "حط راسك بين الرؤوس ونادي يا قطاع الرؤوس". ودونك خَرْطُ القتاد.

كيف تعترض وقد حباك القادر بحكومة رشيدة، وزاراتها هي مصدر الحقيقة. أنظر كيف يدار الاقتصاد والموارد العامة، وكيف نحفظ أمنك ونحميك من الإرهاب، وكيف نتصدى للفساد بـقانون "عفا الله عما سلف". وكيف نسعى إلى الازدهار والنمو ونشر السعادة بين الربوع. ألم تقرأ ما تردده صحف العجم عنّا؟ كلها تشيد وتزيد. إننا صرنا في مصاف الأمم الكبرى، وتفوقنا على أكثر البلدان تقدما وحداثة. بل إن التقدم لنا وأصحاب الحداثة هم نحن، ومنا يقتبس الآخرون ويغترفون. راجع ماضي أجدادنا وتراثنا التليد، ولتحمد ربك ولتشكره وتستزيد، وهو خير القائلين: "وإن شكرتم لأزيدنكم". أما إن كنت من الجاحدين فالمطلوب منك أن "تدخل سوق راسك". وألا تنسى أن "الأخ الأكبر يراقبك"، كما أخبر "النبي المجهول" جورج أورويل (في روايته "1984"). وإن عاندت وركبت رأسك، فلا تقف عند "ويل للمصلين" وأكمل الآية: "وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ". 

واقع أسود

ها أنت ترى أن طاعتك للراعي هي الملاذ ولا مفر. كلّم نفسك أنك لستَ أفضل من باقي القطيع. والدّين يحثك على طاعة ولي الأمر. لتستوعب جيدا فتوى العلماء الأفذاذ، "قتالُ السلطان فيه فساد الدنيا والدين". والاحتجاج ولو كان سلميا ممنوع. فـ"كل أشكال المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والدعوة لها محظور لتعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم وأعراف المجتمع (السعودي)" مثلا. وأنك إذا خرجت مع الحشود لتطالب بمدرسة ومستشفى ومرافق حيوية ضرورية لمدينتك فالاعتقال والتنكيل من نصيبك، وعشرون سنة خلف القضبان بانتظارك، (كما حصل لمعتقلي "حراك الريف" في المغرب). هذا إذا حالفك الحظ ولم يلطخوا سمعتك بتلفيق ملف أخلاقي واتهامات جنسية. على هذه النهج والمنوال تكمم أفواه المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين باسم قانون مكافحة الإرهاب بأكثر من بلد عربي، وفي سجون مصر السيسي وحدها ما يزيد على 60 ألف معتقل رأي (وفق المنظمات الحقوقية الدولية).

يزيد حجم الصفحات السوداء التي يتم نشرها دوريا ضمن تقارير مختلفة ترصد تدهور أوضاع حقوق الإنسان بالدول العربية، التي أصبحت تتبوأ عالميا لوائح الأنظمة المتهمة بالمس بحقوق الإنسان. لكن لدى كل اتهام تطلع بيانات رسمية كلها تكذيب واستهجان، وتسفيه للانتقادات من دون تقصٍ للحقيقة. بيانات تستنجد بنظرية المؤامرة. هي "هيبة الدولة" يجب دائما أن تصان، فلتطلق مدافع التلفزيون والإذاعات قذائف "المنجزات" و حجم "المكتسبات" المتراكمة التي ينعم بها المواطنون في "بلد حقوق الإنسان". لا تجد الدولة في مواجهة المدافعين عن حقوق الإنسان غير القمع الملموس، وتجنيد الذباب الالكتروني، و"العياشة" و"الشبيحة" ليدافعوا عن سجلها الحالك حد القتامة. لكن مهما رشَّتْ الأبواق من تبييض وزركشة لتغطية صفحات انتهاكات حقوق الإنسان،  فإن اللون الأسود كيميائيا هو الذي يطغى، وهذا من الأمور التي يدركها الصباغون، لكن المزوقين لا يعلمون. فالأسود هو سيد الألوان، يعبر بوضوح عن الحزن والتشاؤم والبؤس، أليس هو لون الحداد والعتمة؟ إلا أن الأبواق إياها لا ترى فيه سوى جانبه المثير كلون للحلم والخيال والصمت، فتسعى إلى إغراق الضحايا وعائلاتهم في بحور من الوهم والخيال لترخي على الجميع سدولا قاهرة من الليل والتعتيم. 

هاربون إلى السعادة

بمناسبة هذا الحدث، خلدت "الجبهة الاجتماعية المغربية" (تتكون من تنظيمات وأطر وفعاليات خارج الأحزاب الرسمية) اليوم العالمي لحقوق الإنسان لهذه السنة تحت شعار: "جميعا ضد غلاء المعيشة وتغول المخزن (النظام) ومن أجل الحريات". حيث شهدت عدة مدن مسيرات حاشدة ليلتي 9 و10 ديسمبر 2021، بلغت 35 مسيرة ووقفة احتجاجية، واجه فيها المشاركون قوات القمع، مئات من الشباب والنساء ممن يرفضون تصديق الأكاذيب الحكومية حول الرخاء والاستقرار ونزاهة الانتخابات، ولا يرضون بالواقع كحقيقة ثابتة، ممن لا يسمحون بتضليلهم بكونهم محظوظون بل ومحسودون بعيشهم في "أجمل بلد في العالم"، حسب دعاية جلب السياح الأوروبيين لبلد مبهر "تشرق الشمس به 365 يوما في السنة".

لقد تبين أن "العهد الجديد" لم يحدث تلك القطيعة المؤملة مع الماضي الرهيب، بل إنه بصدد  تكرار منهجي لـ"سنوات الرصاص"، ما يشكل انتكاسة وتراجعا خطيرا. ولأنّ التاريخ "يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل مهزلة"، كما يقول كارل ماركس، فمن دون شك أن ما نراه الآن هو استمرار للمأساة وتجسيد للمهزلة في آن!، هكذا جرى إقفال قوس الانفتاح سريعا مثل سحاب عبر.

بالمختصر المفيد، نكتفي بالتساؤل البسيط: 
- ماذا يسمى الارتفاع المضطرد لنسب البطالة عاما بعد آخر، ونمو مساحات مدن الصفيح، وتمدد أحزمة البؤس عبر العقود؟
- ماذا يسمى عدم توقف قوارب الموت، بل إنها تحولت إلى قوارب جوية، بعد هروب أكثر من 20 شابا مغربيا "اختطفوا" طائرة في نوفمبر الأخير؟
- بماذا يفسر أن سبعة من كل عشرة من الشباب المغاربة يحلمون بالهجرة إلى الخارج، ما يضع البلد ضمن أعلى النسب (70%) بين الدول التي يرغب شبابها في الهروب، وفقا لتقرير حديث للمرصد الوطني للتنمية البشرية (منظمة حكومية)، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (8 ديسمبر 2021)؟
*** 
وختاما، إن مواكب الهروب تتوالى كل فجر لتغرق بركوبها قوارب الموت في عمق المضيق والمحيط. والجلادون باقون يعتلون المشهد بطرابيش فلكلورية وعمامات الإفلات من العقاب. 

لكن دم الضحايا ولو اختلط بمياه البحر يظل دما.
 فإلى أين يا لُكَعْ بن لُكَعْ؟

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد
جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد

كوليت بهنا

في الذكرى الثانية عشرة للثورة، خرج التونسيون قبل أسبوع بمظاهرات عارمة طالبت بإسقاط النظام مع اتهامات حادة بالفساد وتراجع الحريات وتردي الأوضاع الاقتصادية.

الثورة التونسية السلمية، التي تستحضر هنا كأنموذج بوصفها فاتحة ثورات الربيع العربي المتتالية، تبدو وكأنها تعود إلى المربع الأول، وتعيد جرد حساباتها، وتعيد طرح الأسئلة الشائكة المتعلقة بالدستور والأسباب والعثرات التي أعاقت التغيير وتحقيق الأهداف المنشودة، على الرغم من أنها صنفت بالأنجح عربياً حتى اليوم، قياساُ بمآلات ثورات باقي الدول التي لم تفض إلى نتائج مخيبة للآمال فقط، بل إلى خراب العديد منها ومآسٍ يصعب حصرها. 

بالعودة إلى البدايات، ومع الدهشة الأولى التي أصابت العالم عقب خروج الشعوب العربية الثائرة من قمقمها، استبشر العديد من المحللين السياسيين والباحثين والفاعلين الدوليين بموجة التغيير العارمة هذه، فكتبوا وحللوا وقدموا نصائح رئيسة عن الطرق السديدة التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى الانتقال الديمقراطي المنشود. منهم ما كتبه في 15 نوفمبر 2011 على سبيل المثال بول سالم، الرئيس السابق لمركز كارنيغي الأميركي للسلام الدولي في الشرق الأوسط، في مقال تحليلي مطول سيبدو اليوم لقارئه أشبه بخريطة طريق رشيدة وضعت في حينه.  

إذ قال في بعض المقتطفات الهامة: "من شأن دستور مدروس ومتوافق عليه أن يكون المفتاح لتحقيق النجاح الديمقراطي". و" إن عملية الانتقال، بمعنى ما، هي ومضة في التاريخ، لكن بناء ديمقراطية قوية وذات ديمومة هي عمل أجيال. ونجاح العملية الانتقالية قد يحدد نجاح أو فشل الديمقراطية الوليدة". و"الهدف الرئيس من وضع أو تعديل الدستور في عمليات الانتقال الديمقراطية لا يكمن في السعي الى الاتفاق على كل مبدأ أو هدف سياسي واجتماعي اقتصادي، بل في اقامة مروحة من المؤسسات والقواعد التي تستوعب الخلافات وتمكّن رأي الأغلبية وتحمي آراء الأقلية". 

فإلى أي مدى ينطبق هذا الكلام مع التغييرات والتحولات التي أعقبت الثورات العربية، وهل تعثُر هذه الثورات، إن لم نقل فشلها والإحباطات والخيبات التي أفضت إليها، يكمن فقط في ضعف شرعية الدساتير العربية وعمليات صياغتها التي أعقبت هذه التحولات ومحدودية دورها الذي صمم للحد من سلطة الشعب بدلاً من سلطة الدولة ومقاومتها لأي تغيير؟ أم لأسباب أخرى تتعلق بهويات هذه الثورات بذاتها والشكل الذي اتخذته في الاحتجاج السلمي أو العنيف أو المسلح أو غيرها من الأسباب الجوهرية؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة والنقاش الأكاديمي الفاعل حول شرعية وعمليات وضع الدساتير في العالم العربي من خلال دراسة التغييرات الدستورية التي اختبرتها مختلف الدول العربية استجابة للاضطرابات الشعبية منذ 2010، اجتمع في بيروت الشهر الفائت، عدد من الباحثين الدوليين وخبراء قانون في مؤتمر متخصص أقيم في إطار مشروع بحثي للباحثة الرئيسية ريم تركماني بعنوان "الشرعية والمواطنة في العالم العربي" في كلية لندن للاقتصاد، وتم تمويله من قبل مؤسسة كارنيجي في نيويورك. 

كما أقيم المؤتمر بالشراكة بين كلية لندن للاقتصاد والمنظمة العربية للقانون الدستوري التي تمثلها المديرة التنفيذية للمنظمة تمارا خوري، والتي تعتبر أول شبكة اقليمية لخبراء صياغة الدساتير في المنطقة العربية، وتهدف الى المساهمة في الحكم الرشيد والتحول والانتقال الديمقراطي وكذلك دعم جهود الاصلاح القانوني والدستوري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتبر خبراء المنظمة من كبار المختصين في مجال بناء الدساتير في المنطقة حيث شاركوا في التفاوض على الدساتير وصياغتها في عدد من الدول (المغرب الجزائر تونس ليبيا مصر العراق اليمن). 

بعد الاستماع ومناقشة تجارب الدول المشاركة، وهي بمجموعها الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات شعبية منذ 2010، خلص المؤتمر إلى عدد من النتائج المتعلقة بكيف يصاغ الدستور والتشاركية في صياغته وكم تستغرق هذه الصياغة وغيرها، والتي لخصها البروفسور ناثان براون بعدد من النقاط، وهو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيجي. حيث وجد بحسب خبرته وعمله منذ أكثر من نصف قرن في مجال الدستور أن جميع القصص متشابهة في جميع الانتفاضات العربية منذ 2010، ومازالت هناك أسئلة بلا أجوبة ولا توجد خلاصة عامة. كما لا يوجد جواب واحد حول مضمون الدستور، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع حول ما يجب أن يقوله الدستور. وأن معظم النقاشات تتعلق بشكل الدولة وليس بالحقوق والحريات التي غابت عن معظم التجارب الدستورية العربية، وأفضت إلى نتيجة مخيبة بأنه لا نهايات سعيدة أبداً. 

ويضيف بحسب خلاصة استنتاجاته، أن الحكام العرب يتحججون دوماً بالظروف الاستثنائية لتأخير الديمقراطية، وأن الدستور في المحصلة يجب أن يساعد الناس في إدارة اختلافاتهم، وفي الواقع لم تعبر هذه الدساتير عن إرادة الشعوب، حيث لا توجد مشاركة شعبية حقيقية لأن الجنرالات هم من يتحدثون بالإنابة عن الناس الذين يمكن وصفهم " بالناس الكثر وليس الشعب" كما الحال في مصر، وأن الحالات الأصعب في صياغة الدساتير تتمثل برأيه حين يشارك لاعبون مختلفون يأتون بمفاهيم مختلفة ويعملون على الدساتير، كما الحال في سوريا.  

قد يبدو رأي الباحث براون صائباً في المعنى العام، وإن كان يشي ببعض التشاؤم حول الانسداد العربي، لكن في الواقع، فإن المتابع لمناقشات هذا المؤتمر سيخرج بخلاصة مضافة تحمل الكثير من الإيجابيات التي يمكن توظيفها واستثمارها بشكل أكثر فاعلية وديمومة في المستقبل. وتتلخص بزخم وسخونة النقاشات واحترافية وغنى محتوى الأوراق البحثية التي قدمت من جميع المشاركين والمعقبين. وأهمية تبادل الخبرات العربية والتقاطع فيما بينها، وبشكل خاص الخبرة الدستورية لكل من تونس والمغرب، كتجربتين متفوقتين حتى اليوم قياساً بتجارب عربية أخرى مازالت تراوح في مكانها، أو تتراجع لصالح الأنظمة الحاكمة ومزيد من الشمولية والاستبداد، سواء فيما يخص الجمهوريات أو الملكيات الحاكمة على حد سواء. 

كما برزت أيضاً أهمية مساحة المشاركة النسائية العربية رفيعة المستوى والندية على كافة المستويات، والتي تدفع إلى تفاخر حقيقي بحجم ونوعية الكفاءات النسائية العلمية الموجودة على الساحة العربية، والدور الهام والمبشر الذي يلعبنه، وبشكل خاص فيما يتعلق بمواقعهن كخبيرات قانونيات ودستوريات في عمليات صياغة دساتير بلادهن، أو من خلال مواقعهن الأخرى التي برزن فيها بشكل خاص عقب الثورات العربية، والتي أفضت إلى تغييرات مبشرة وإيجابية فيما يتعلق بدور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والعامة. 

"نحن الشعب، السادة الشرعيون للكونغرس والمحاكم. لا لقلب الدستور، بل لإسقاط الرجال الذين يفسدون الدستور". هذا ما قاله الرئيس الأميركي التاريخي ابراهام لينكولن قبل نحو مائتي عام. وهو ما دفع حياته ثمنا له لأجل أن تحظى الأجيال المقبلة بالمساواة وتنعم بحقوقها وحرياتها.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).