Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"هؤلاء الشُبان أنفسهم، يكتنزون عالماً مُريعاً مناقضاً لكل ذلك تماماً"
"هؤلاء الشُبان أنفسهم، يكتنزون عالماً مُريعاً مناقضاً لكل ذلك تماماً"

رستم محمود

دقّق في نظراتهم جيداً، هؤلاء المئات من الآلاف من الشُبان والشابات الذين في أواسط الثلاثينات من أعمارهم، الذين يُمكن أن تراهم في القاهرة ودمشق، في بيروت وعمان وأربيل والخرطوم والجزائر، وغيرها من الأماكن، ستصيبك هالة كُبرى اسمها حجم الانتهاك و"القهر" الذي يعانون منه في فضاء العمل الذي يشغلونه. 

هؤلاء الذين يتألفون بالأساس من "كراسين" (نُدُل) المطاعم والمقاهي وعُمال ورش البناء وموظفي القطاع الخاص ومُقدمي خدمات الأمن والحراسة، ومعهم سائقو المواصلات والعاملون في إيصال الطلبات المنزلية، من شابههم.    

من جهة، يبدو هؤلاء الشبان بهيئات أنيقة للغاية، لُحى حليقة وهندام أنيق، بخفة حضور وسلوك تواصلي يمتاز بالكياسة والود وسرعة البداهة، إلى جانب تعبيرات كلامية ولغة جسدية تدل على تحصيل دراسي غير قليل ومعرفة عامة وخبرة اجتماعية لا تقل عن كُل ذلك.  

لكن هؤلاء الشُبان أنفسهم، يكتنزون عالماً مُريعاً مناقضاً لكل ذلك تماماً. رواتب بالحد الأدنى تماماً، بالكاد تسد رمق العيش، تتراوح بين 200-500 دولار شهرياً، حسب المُدن المذكورة أعلاه. في وقت يتجاوز ثمن الشقة السكنية في أماكن عيش الطبقة الوسطى في هذه المُدن بين 50-120 ألف دولار، أي ما قد يحصله هؤلاء لمُدة تتراوح بين 15-40 سنة، دون أن يكون لهم أي مصاريف حياتية قط!

فما يتقاضاه مجموع العُمال في أي جهة اقتصادية من هذه المجالات، لا يزيد عادة عن 10 في المئة من أرباح أصحاب العمل، وهذه دلالة رقمية على مستوى الانتهاك الصارخ والمذل لأي معايير للعدالة والمساواة. 

كذلك، فإن هؤلاء العمال لا يمتازون بأي حماية اجتماعية أو قانونية أو اقتصادية في مجالات أعمالهم. إذ ثمة ترسانة كبرى من القوانين والعلاقات والوقائع والمصالح بين أصحاب الأعمال والمؤسسات الحكومية ذات المسؤولية المُفترضة، ترفع عنهم أي مسؤوليات من مثل تلك. 

فهؤلاء العمال خاضعون تماماً لمزاجية صاحب العمل وأشكال تنمره النفسي والسلوكي، وغالباً السياسي والإيديولوجي، تنمرٌ يُمارسه إلى حد بعيد حتى المقربين والمحيطين بصاحب العمل هذا. مع كل ذلك، فهم مهددون على الدوام بإمكانية الطرد التعسفي والانتهاك القانوني والحرمان المادي في أي وقت، بالذات لو بدرت عنهم أي نزعة للاستياء أو تعبير عن السخط.

ودون شك، فإن آلاف العُمال هؤلاء محرمون من الانتظام النقابي أو الاتحاد المهني بأي شكل، ومحرومون إلى حد كبير من حرية التعبير والخيار السياسي. وطبعاً لا إجازات كافية ولا طبابة أو ساعات محددة للعمل أو حوافز أو ترفيعات وزيادة في الأجور بشكل دوري وقانوني. 

إلى حد كبير جداً، يشبه هؤلاء العمال طبقة الفلاحين المسحوقين الذين فاضت بهم هذه البلدان في ثلاثينيات وأربعينيات القرن المنصرم. الذين كانوا فعلياً يعملون كأقنان ورقيق عند سادة الأرض من كبار المُلاك وزعماء المناطق الأهليين، الذين استملكوا البراري والأراضي الأميرية عبر شبكة علاقتهم المريعة مع الزعماء السياسيين والبيروقراطيين في الدول التي كانت حديثة النشأة.

فالفلاحون كانوا محرومين من كُل شيء على الإطلاق، ماديا ورمزيا، فيما كان الإقطاعيون يملكون كُل شيء، بما في ذلك حياة الفلاح وأسرته ومكانته ونمط تفكيره وخياراته السياسية والسلوكية.  

ومثلما كانت تلك العلاقة الشديدة القهرية بين المُلاك والفلاحين في تلك العقود السبب الأولي والجوهري لاندلاع موجة القوى والأحزاب والتنظيمات الشعبوية في بلدان منطقتنا، التي كانت تلاقي مظلومية هؤلاء الفلاحين في خطاباتها ونزعاتها وسلوكياتها التنظيمية، فإن هذه العلاقة المُضطربة وشديدة الانتهاك لأبسط معايير وقيم العدالة بين العُمال وأصحاب العمل ستؤدي دون شك في المستقبل القريب إلى ارتدادات سياسية واجتماعية وأمنية، لن تكون حميدة الجانب غالباً، وذات تأثير مديد على الحياة العامة.  

ليس صحيحاً أن الأحوال العامة للطبقة العاملة في هذه البلدان كانت كذلك على الدوام، وأن ما يجري هو جزء "طبيعي" وتقليدي من شكل الأواصر بين المالكين والعاملين في قطاع العمل في هذه البلدان طوال التاريخ الحديث لهذه المنطقة.  

فإن تم القبول بوجود ملامح ما أساسية لتلك العلاقة المُضطربة وغير العادلة، إلا أن العقد الأخير أحدث تحولاً جوهرياً في ذلك الاتجاه، أحدث قطيعة نوعية مع ما كان قبلها، أضاف لها أضعاف ما كانت عليه.  

فلأسباب موضوعية ومسارات سياسية مركبة، أنتج هذا العقد الأخير غولاً خماسي الأركان، شديد التعاضد والإصرار فيما بينه، لم يفعل شيئاً، خلا مضاعفة الانتهاك وقهر الإرادة والحقوق التي لمئات الآلاف من هؤلاء العاملين. 

أولاً، أنتج هذا العقد الدولة المُنهكة تماماً، التي ما عادت تقوم بأي من وظائفها التقليدية كمؤسسة كُبرى مسؤولة عن الحق العام، تلك التي كانت تقوم بها إلى حد ما خلال العقود السابقة. بل تحولت الدولة خلال هذا العقد إلى مُجرد قوة قهر سلطوية، مُحتكرة بيد جماعة وحلقة ضيقة من الغالبين.  

إلى جانب الدولة المُنهكة، أفرز هذا العقد تلالاً من القوانين والأعراف العامة في عالم العمل، حيث حولت اقتصاديات هذه البلدان إلى "نيو ليبرالية" فاسدة، فسرت الليبرالية على أنها تحطيم للقطاع العام وحقوق العمال، وتركت الفضاء العام كغابة اقتصادية دون أي ضوابط أو قوانين أو حقوق للأناس الأضعف قدرة وطاقة وقوة.  

مع الأمرين، صعدت خلال هذا العقد طبقة من رجال الأعمال المغسولين من أي التزام وجداني أو سياسي أو إيديولوجي، الذين كانوا بأغلبيتهم من أبناء الجيلين الثاني والثالث من المنتصرين سياسياً في هذه البلدان، المتلهفين لثنائية جمع أكبر كمية مُمكنة من الأموال والأملاك وتهريبها إلى البيئات الآمنة في الخارج، ونبذ أي مسؤولية ضرائبية أو اجتماعية أو سياسية تجاه الدول والمجتمعات التي راكموا على حسابها ثرواتهم هذه.

فالبنية التحتية لوعي أبناء هذه الطبقة خارجية تماماً، لا تمد بأي وشائج لمجتمعات هذه البلدان وعالمها الثقافي والاجتماعي وحتى اللغوي والرمزي.  

رابعاً، أنتج هذا العقد ملايين المهجرين والنازحين من بلدانٍ إلى بلدانٍ أخرى. هؤلاء الذين تحولوا إلى لبنة أولية طيعة للعمالة الخالية من أي حقوق، بحكم موقعهم القانوني والسياسي الهش للغاية في البلدان المستضيفة.

 فملايين المهجرين هؤلاء مهددون بشكل ضمني، وعلى الدوام، بالطرد والقسر والتسليم، وممنوعون تقريباً من كامل طيف الحقوق الإنسانية بحدها الأدنى، وتالياً، خاضعون لأمر وسلطان أصحاب العمل بالحد الأقصى.  

أخيراً، فإن هذا العقد أنتج أكبر هجرة للخطاب الثقافي والسياسي عن المسألة الاقتصادية والصراع الطبقي، لصالح زخم وكثافة صراعات الهويات الطائفية والقومية والمناطقية، التي تحولت واحتلت مكانة "الصراع الأوحد". 

هذه الهجرة الخطابية والسياسية، أفرزت أشكالاً من الوعي التدميري تجاه هذه الظاهرة شديدة الانتهاك، التي صارت تبدو وكأنها "طبيعية" و"عادية" و"هكذا هي الحياة"، أو صارت خارج أي تداول أعلى، سياسي ونخبوي. 

في مطعم أنيق، حينما تجلس مع أسرتك وأصدقائك، حيث أناقة المكانة وجودة الطعام وكياسة العاملين وابتسامتهم المُصطنعة هي أكثر ما يلفت الانتباه، لكن شرراً ما يبدو واضحاً، ويُستحال إخفاؤه، يتطاير من نظرات ولمعات عيون العمال هؤلاء، شررٌ يعد بأشياء كثيرة، أقلها تدمير كُل شيء.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).