Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Myloveda, a foster child hosted by Marie Judith Blaise stands inside her home, in Port-au-Prince, Haiti on August 28, 2019. -…

من الممارسات والاختيارات الإنسانية الأكثر نبلا، اختيارُ التبني. أن يختار شخص أو زوجان تبني طفل يتيم أو متخلى عنه، واحتضانه ليصبح ابنهما\ابنتهما، هو اختيار رائع وجميل؛ لأنه يوفر حضن الأسرة لطفل حرم منها، ويوفر إحساس الأمومة والأبوة لشخص أو زوجين حرما منه وهما راغبين فيه (هذا دون الحديث عن الأسر التي لديها أبناء بيولوجيون، لكنها ترغب في احتضان أطفال متخلى عنهم بدافع إنساني محض!).

لكن، في ثقافتنا ومرجعيتنا التشريعية، تم تحريم التبني منذ واقعة زواج النبي من زينب بنت جحش؛ رغم أن النبي محمد، في وقت سابق، كان قد أعلن رسميا عن بنوة زيد له ورغم أن هذا الأخير اختار أبوة محمد بن عبد الله، حتى وقد تعرف على والده البيولوجي...  لن نعود هنا لتفاصيل واقعة زيد وزينب، لكننا نحتاج ربما أن نتوقف قليلا عند توابعها. 

بعد هذا الواقعة، تم تعويض التبني بالكفالة في التشريعات الإسلامية. الكفالة، رغم إيجابياتها (المحدودة)، إلا أنها تحرم الأطفال المتكفل بهم من عدد من الحقوق. أكثر من ذلك، فالوصم المجتمعي يلاحق الأطفال المتكفل بهم باعتبارهم "أبناء زنى". لنتخيل أننا، كمجتمعات، نحمل طفلا مسؤولية العلاقة الجنسية بين والديه، ثم نقرأ بكل ثقة وبدون أدنى إحساس بالتناقض آية: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"!  فهل مثلا نعتبر أننا، كأبناء لعلاقة معترف بها دينيا وقانونيا، حققنا إنجازا؟ أم أنها الصدفة فقط؟ وهل هذا يفترض أن يمنحنا امتيازا معينا، مقارنة مع الأطفال المولودين خارج إطار الزواج؟

للأسف، فلهذا الموقف جذور فقهية، لأن عددا من الفقهاء يعتبرون أن الطفل المولود خارج الزواج، يحمل في جيناته الشر كطبيعة أصيلة. جاء في الحديث الذي صححه ابن القيم والألباني: "ولد الزنا شر الثلاثة"، يعني أكثر شرا من والديه. كما يرى ابن القيم في "الروض المنيف" أن هذا الحديث محمول على أن غالب أولاد الزنا يكون فيهم شر لأنهم يتخلقون من نطف خبيثة، والنطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب.

هذا ليس كل شيء، لأن الآراء الفقهية تعتبر أن الأسرة إن تكفلت بطفلة، فسيكون على الطفلة أن تتحجب بحضور والدها وإخوانها الذكور بعد البلوغ، لأنها غريبة عن الأسرة (حتى لو نشأت في تلك الأسرة منذ أيامها وأسابيعها الأولى)؛ كما يفضل أن ترضعها أخت الأب، حتى تحرم عليه!!!!  

بمعنى أن علاقة البنوة لا تؤسَّس بناء على تربية ذلك الأب لطفلته وعلاقة الأبوة التي ستربط بينهما، بل فقط لأن أخته سترضعها! حتى نظرته لها كابنته، فلا أهمية لها، لأنها غدا ستتحول لرغبة في المعاشرة أو الزواج، ما لم ترضعها أخته. فأيهما أقوى إنسانيا: تربيته لها، أم إرضاع أخته لها؟ وهذا، للأسف، منطق معظم الفقهاء في معظم المذاهب. 

نفس الآراء الفقهية تعتبر أن الأسرة إذا تكفلت بطفل ذكر، فهذا يعني أن أمه سيكون عليها التحجب بحضرته حين يصير راشدا... لأنه غريب عنها!

هذه الآراء الفقهية تلغي كل المشاعر الإنسانية وتنفي أن علاقات البنوة والأمومة والأبوة، تنبني إنسانيا داخل كنف الأسرة، سواء كانت متكفلة أو لا؛ وأن الروابط العاطفية بين الأطفال المتكفل بهم وآبائهم وأمهاتهم لا تعترف بالدم وإنما بالمشاعر والعواطف. هل مثلا، إذا اكتشف أحدكم غدا أن أمه التي ربته ليست أمَّه البيولوجية، هل ستتغير مشاعره اتجاهها؟ هل، إذا اكتشفت إحداكن أن أباها الذي نشأت بين أحضانه ليس أباها البيولوجي، هل ستتخيل احتمال زواج بينهما، أم أنه يبقى أباها بالمشاعر والعواطف الإنسانية؟ 

لكن الفقهاء، للأسف، يؤسسون كل التصورات والأحكام بناء على الرغبة الجنسية المحتملة لا غير!

أكثر من ذلك، فالأطفال المتكفل بهم يحرمون من عدد من الحقوق، في إطار قوانين تمنعهم من الحصول على الاسم العائلي للأب داخل الأسرة المتكفلة. فمثلا، لا يمكن للطفل المتكفل به أن يستفيد من التأمين الصحي للأسرة، ولا في أي انخراط في نادي أو مركز ثقافي مثلا، تستفيد منه الأسرة؛ لأنه، رسميا، ليس فردا من الأسرة... حتى لو كانت الأسرة قد احتضنته لسنوات وحتى لو كانت العلاقة علاقة أسرية وطيدة. 

لقد حان الوقت ربما لكي نراجع عددا كبيرا من تصوراتنا نحو مفهوم الكفالة والأطفال المولودين خارج الزواج. حان الوقت لكي نقتنع أن الطفل... طفلٌ، مهما كان الإطار الذي جاء من خلاله للدنيا. حان الوقت لكي نقتنع بأن الكفالة في صيغتها الحالية (والتبني في صيغته المطلقة التي أتمنى أن يشرعن لها القانون في مجتمعاتنا) هي من أجمل الاختيارات الإنسانية التي تجعل طفلا يجد الحضن الأسري؛ وأبوان (أو أمهات فقط، في البلدان التي تتيح الكفالة للسيدات، كما في حالة المغرب ومصر مثلا) يجدون حضن طفل تمنوه وحرمتهم منه الطبيعة!

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد
جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد

كوليت بهنا

في الذكرى الثانية عشرة للثورة، خرج التونسيون قبل أسبوع بمظاهرات عارمة طالبت بإسقاط النظام مع اتهامات حادة بالفساد وتراجع الحريات وتردي الأوضاع الاقتصادية.

الثورة التونسية السلمية، التي تستحضر هنا كأنموذج بوصفها فاتحة ثورات الربيع العربي المتتالية، تبدو وكأنها تعود إلى المربع الأول، وتعيد جرد حساباتها، وتعيد طرح الأسئلة الشائكة المتعلقة بالدستور والأسباب والعثرات التي أعاقت التغيير وتحقيق الأهداف المنشودة، على الرغم من أنها صنفت بالأنجح عربياً حتى اليوم، قياساُ بمآلات ثورات باقي الدول التي لم تفض إلى نتائج مخيبة للآمال فقط، بل إلى خراب العديد منها ومآسٍ يصعب حصرها. 

بالعودة إلى البدايات، ومع الدهشة الأولى التي أصابت العالم عقب خروج الشعوب العربية الثائرة من قمقمها، استبشر العديد من المحللين السياسيين والباحثين والفاعلين الدوليين بموجة التغيير العارمة هذه، فكتبوا وحللوا وقدموا نصائح رئيسة عن الطرق السديدة التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى الانتقال الديمقراطي المنشود. منهم ما كتبه في 15 نوفمبر 2011 على سبيل المثال بول سالم، الرئيس السابق لمركز كارنيغي الأميركي للسلام الدولي في الشرق الأوسط، في مقال تحليلي مطول سيبدو اليوم لقارئه أشبه بخريطة طريق رشيدة وضعت في حينه.  

إذ قال في بعض المقتطفات الهامة: "من شأن دستور مدروس ومتوافق عليه أن يكون المفتاح لتحقيق النجاح الديمقراطي". و" إن عملية الانتقال، بمعنى ما، هي ومضة في التاريخ، لكن بناء ديمقراطية قوية وذات ديمومة هي عمل أجيال. ونجاح العملية الانتقالية قد يحدد نجاح أو فشل الديمقراطية الوليدة". و"الهدف الرئيس من وضع أو تعديل الدستور في عمليات الانتقال الديمقراطية لا يكمن في السعي الى الاتفاق على كل مبدأ أو هدف سياسي واجتماعي اقتصادي، بل في اقامة مروحة من المؤسسات والقواعد التي تستوعب الخلافات وتمكّن رأي الأغلبية وتحمي آراء الأقلية". 

فإلى أي مدى ينطبق هذا الكلام مع التغييرات والتحولات التي أعقبت الثورات العربية، وهل تعثُر هذه الثورات، إن لم نقل فشلها والإحباطات والخيبات التي أفضت إليها، يكمن فقط في ضعف شرعية الدساتير العربية وعمليات صياغتها التي أعقبت هذه التحولات ومحدودية دورها الذي صمم للحد من سلطة الشعب بدلاً من سلطة الدولة ومقاومتها لأي تغيير؟ أم لأسباب أخرى تتعلق بهويات هذه الثورات بذاتها والشكل الذي اتخذته في الاحتجاج السلمي أو العنيف أو المسلح أو غيرها من الأسباب الجوهرية؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة والنقاش الأكاديمي الفاعل حول شرعية وعمليات وضع الدساتير في العالم العربي من خلال دراسة التغييرات الدستورية التي اختبرتها مختلف الدول العربية استجابة للاضطرابات الشعبية منذ 2010، اجتمع في بيروت الشهر الفائت، عدد من الباحثين الدوليين وخبراء قانون في مؤتمر متخصص أقيم في إطار مشروع بحثي للباحثة الرئيسية ريم تركماني بعنوان "الشرعية والمواطنة في العالم العربي" في كلية لندن للاقتصاد، وتم تمويله من قبل مؤسسة كارنيجي في نيويورك. 

كما أقيم المؤتمر بالشراكة بين كلية لندن للاقتصاد والمنظمة العربية للقانون الدستوري التي تمثلها المديرة التنفيذية للمنظمة تمارا خوري، والتي تعتبر أول شبكة اقليمية لخبراء صياغة الدساتير في المنطقة العربية، وتهدف الى المساهمة في الحكم الرشيد والتحول والانتقال الديمقراطي وكذلك دعم جهود الاصلاح القانوني والدستوري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتبر خبراء المنظمة من كبار المختصين في مجال بناء الدساتير في المنطقة حيث شاركوا في التفاوض على الدساتير وصياغتها في عدد من الدول (المغرب الجزائر تونس ليبيا مصر العراق اليمن). 

بعد الاستماع ومناقشة تجارب الدول المشاركة، وهي بمجموعها الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات شعبية منذ 2010، خلص المؤتمر إلى عدد من النتائج المتعلقة بكيف يصاغ الدستور والتشاركية في صياغته وكم تستغرق هذه الصياغة وغيرها، والتي لخصها البروفسور ناثان براون بعدد من النقاط، وهو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيجي. حيث وجد بحسب خبرته وعمله منذ أكثر من نصف قرن في مجال الدستور أن جميع القصص متشابهة في جميع الانتفاضات العربية منذ 2010، ومازالت هناك أسئلة بلا أجوبة ولا توجد خلاصة عامة. كما لا يوجد جواب واحد حول مضمون الدستور، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع حول ما يجب أن يقوله الدستور. وأن معظم النقاشات تتعلق بشكل الدولة وليس بالحقوق والحريات التي غابت عن معظم التجارب الدستورية العربية، وأفضت إلى نتيجة مخيبة بأنه لا نهايات سعيدة أبداً. 

ويضيف بحسب خلاصة استنتاجاته، أن الحكام العرب يتحججون دوماً بالظروف الاستثنائية لتأخير الديمقراطية، وأن الدستور في المحصلة يجب أن يساعد الناس في إدارة اختلافاتهم، وفي الواقع لم تعبر هذه الدساتير عن إرادة الشعوب، حيث لا توجد مشاركة شعبية حقيقية لأن الجنرالات هم من يتحدثون بالإنابة عن الناس الذين يمكن وصفهم " بالناس الكثر وليس الشعب" كما الحال في مصر، وأن الحالات الأصعب في صياغة الدساتير تتمثل برأيه حين يشارك لاعبون مختلفون يأتون بمفاهيم مختلفة ويعملون على الدساتير، كما الحال في سوريا.  

قد يبدو رأي الباحث براون صائباً في المعنى العام، وإن كان يشي ببعض التشاؤم حول الانسداد العربي، لكن في الواقع، فإن المتابع لمناقشات هذا المؤتمر سيخرج بخلاصة مضافة تحمل الكثير من الإيجابيات التي يمكن توظيفها واستثمارها بشكل أكثر فاعلية وديمومة في المستقبل. وتتلخص بزخم وسخونة النقاشات واحترافية وغنى محتوى الأوراق البحثية التي قدمت من جميع المشاركين والمعقبين. وأهمية تبادل الخبرات العربية والتقاطع فيما بينها، وبشكل خاص الخبرة الدستورية لكل من تونس والمغرب، كتجربتين متفوقتين حتى اليوم قياساً بتجارب عربية أخرى مازالت تراوح في مكانها، أو تتراجع لصالح الأنظمة الحاكمة ومزيد من الشمولية والاستبداد، سواء فيما يخص الجمهوريات أو الملكيات الحاكمة على حد سواء. 

كما برزت أيضاً أهمية مساحة المشاركة النسائية العربية رفيعة المستوى والندية على كافة المستويات، والتي تدفع إلى تفاخر حقيقي بحجم ونوعية الكفاءات النسائية العلمية الموجودة على الساحة العربية، والدور الهام والمبشر الذي يلعبنه، وبشكل خاص فيما يتعلق بمواقعهن كخبيرات قانونيات ودستوريات في عمليات صياغة دساتير بلادهن، أو من خلال مواقعهن الأخرى التي برزن فيها بشكل خاص عقب الثورات العربية، والتي أفضت إلى تغييرات مبشرة وإيجابية فيما يتعلق بدور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والعامة. 

"نحن الشعب، السادة الشرعيون للكونغرس والمحاكم. لا لقلب الدستور، بل لإسقاط الرجال الذين يفسدون الدستور". هذا ما قاله الرئيس الأميركي التاريخي ابراهام لينكولن قبل نحو مائتي عام. وهو ما دفع حياته ثمنا له لأجل أن تحظى الأجيال المقبلة بالمساواة وتنعم بحقوقها وحرياتها.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).