Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"
شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"

عبد الرحيم التوراني

يصادف اليوم (السبت 18 ديسمبر 2021) الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، تخليدا للتاريخ الذي تقرر فيه الاعتراف بالعربية لغة عمل رسمية داخل الأمم المتحدة سنة 1973، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والإسبانية.

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري". ويُعتبر بمثابة نداء للتأكيد مجدداً على الدور الهام الذي تؤدّيه اللغة العربية كركن من أركان التنوع الثقافي للبشرية. ومن اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم. يجب استحضار أن العربية كانت اللغة الثقافية الأولى في العالم، وحلقة وصل جسّدت ثراء الوجود الإنساني. ويتكلمها في عصرنا يوميا ما يزيد على 400 مليون نسمة.

دسترة وتذويب 

كان المغرب، إلى جانب السعودية، من تقدم باقتراح إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة.

 ومنذ استقلاله اعتمد المغرب في دستوره العربية لغة رسمية، إلى حدود سنة 2011، التي شهدت انتفاضة "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي". وباعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، أكد دستور 2011 على الأمازيغية لغة رسمية للدولة بعد اللغة العربية، مع العمل على صيانة "الحسانية" المنتشرة في الأقاليم الصحراوية، "كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة".

استتباعا لذلك نص الدستور الجديد على إحداث "مجلس وطني للغات والثقافة المغربية"، يتولى حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية. لكن المصادقة البرلمانية على القانون التنظيمي المتعلق بهذا المجلس تأخرت حتى 2020. ووفقا للنص التشريعي فإن المجلس يضم أكاديمية محمد السادس للغة العربية، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والهيئة الخاصة بالحسانية واللهجات والتعبيرات الثقافية المغربية الأخرى، والهيئة الخاصة بالتنمية الثقافية وحفظ التراث، والهيئة الخاصة بتنمية استعمال اللغات الأجنبية.

وكانت بداية العهد الجديد عرفت تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (2001)، لكن الإعلان عن تنصيب مجلس اللغات لم يتم حتى اليوم. هو نفس المسار الذي حصل مع القرار الملكي بإحداث أكاديمية محمد السادس للغة العربية، منذ 2003.

بعض الخبراء اللغويين، منهم الأكاديمي عبد القادر الفاسي الفهري (رئيس جمعية اللسانيات بالمغرب، وعضو لجنة تحرير مسودة قانون مجلس اللغات والثقافة)، فسروا الأمر بتعطيل متعمد من الدولة لتطبيق قانون أكاديمية محمد السادس للغة العربية. بل إن الفاسي الفهري خلص إلى أن ما يجري هو "تذويب لأكاديمية محمد السادس والمعهد الملكي في مجلس اللغات".

الترجمة الفورية - المؤجلة

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم يتوقف الجدل حول المسألة اللغوية. وتأرجح النقاش بين السياسي والإيديولوجي والدستوري. منحصرا داخل النخب الثقافية والسياسية، لكن غير بعيد عن مراقبة السلطة، التي كانت لديها رؤيتها في التعامل مع الإشكالات اللغوية المطروحة بالبلاد. ورغم اعتراف دستور 2011 بالأمازيغية وباللهجات المختلفة المستعملة في المغرب، إلا أنه لم يكن كافيا لإنهاء وتوقيف التجاذب حول مسألة وقضايا الهُوِيات ومدى تفاعلها وارتباطها بالنسيج الاجتماعي المغربي، إذ لم تتم ببلورة منظومة منسجمة تفضي إلى ابتكار سياسة لغوية وثقافية وطنية منفتحة على الثقافات وعلى العصر.

بداية هذا الأسبوع تكرر نفس ما حدث بإحدى الجلسات العامة للبرلمان المغربي في ولاية سابقة، حينما تعمدت برلمانية من حزب الحركة الشعبية (معارضة) توجيه سؤال شفوي لوزير العدل باللغة الأمازيغية، والمثير أن الوزير المعني رد بجواب مقتضب وجلس. لم يفهم الكثيرون، سواء من النواب أو من مشاهدي البث التلفزي المباشر، فحوى سؤال البرلمانية ولا جواب الوزير، والسبب هو أن أمازيغية الوزير تختلف عن أمازيغية البرلمانية. وترجمة جواب الوزير: "شكرا، ولكنني أتكلم الأمازيغية السوسية، وأنت تتكلمين أمازيغية الأطلس، وأنا لم أفهم ما قلته". ما أشعل ضجة داخل المجلس. هي الضجة ذاتها التي أثارتها سنة 2012 المغنية الأمازيغية فاطمة آيت باعمران لما كانت عضوا بمجلس النواب، عندما استندت على دسترة الأمازيغية وأصرت على التدخل بلغتها الأم.
كانت فرصة سانحة اغتنمت لإذكاء المزايدات الشعبوية. في حين طالب نواب بإدخال الترجمة الفورية للأمازيغية للبرلمان. واكتشف أنه هو نفس المطلب الذي تم الوعد بتفعيله سريعا في الولاية السابقة ولم ينفذ. 

الدارجة كسلاح فرنكفوني 

ليس تنزيل مضمون الفصل الخامس من الدستور مسألة تقنية تنجز بتأمين الترجمة الفورية داخل البرلمان وغيره من المؤسسات العامة، إن الأمر أعقد، خصوصا إذا علمنا أن الأمازيغية هي أمازيغيات وليست واحدة، موزعة بمختلف جهات البلاد.

يضاف إلى هذا الإشكال اللغوي بروز دعوات في المغرب تروم إحلال اللهجة الدارجة مكان العربية الفصحى في التدريس. ولوحظ في السنوات الأخيرة هيمنة استعمال الدارجة في حملات وبرامج الدعاية والإعلان. وتداول الرسائل النصية على "الوتساب" وغيره من وسائل التواصل الرقمي بدارجة مكتوبة بأحرف لاتينية. كما أن المسلسلات التلفزيونية الأجنبية التي كانت في السابق تدبلج بالعربية الفصيحة، صارت تبث بالدارجة. ومن المستغرب أن من تزعم هذا المسعى شخص من خارج أصحاب الاختصاص، لا ينتمي لخبراء الثقافة وعلوم اللسانيات، أو هو واحد من قادة السياسة المرموقين، بل مجرد رجل أعمال راكم ثروة كبرى من اشتغاله بمجال الدعاية والإشهار، وبعدما صار من المقربين من السلطات العليا، مال إلى التدخل في عدد من القضايا العامة، من الدعوة للمشاركة بكثافة في الانتخابات، وصولا إلى الإشكال اللغوي. في سنة 2013 أشرف نور الدين عيوش الفرنكفوني الهوى، على تنظيم ندوة بالدار البيضاء حول التعليم، حضرها وزراء سابقون ومستشارون للملك (فؤاد عالي الهمة وعمر عزيمان ومحمد القباج). كانت أبرز نتائج الندوة "مذكرة إصلاح" رفعت إلى الملك، توصي باعتماد الدارجة في التعليم الأولي والابتدائي بدلا من العربية الفصحى. ما خلف موجة غضب شديد، سعت لفضح خلفيات ضرب اللغة العربية ومحاولات تهميشها، كما أفصح الدكتور موسى الشامي (مؤسس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية) أن الهدف هو "جعل اللغة الفرنسية تسود لتساهم في عزل المغرب عن عمقه الإسلامي وعن باقي الدول التي تنتشر فيها اللغة العربية". والخلاصة، حسب الشامي أن "مسخرة استعمال الدارجة في التدريس يراد منها بالدرجة الأولى القضاء على اللغة العربية، لفتح المجال أمام لغة أجنبية يشعر أصحابها في دواخلهم أن اللغة العربية بقوتها الهائلة وصلابة المتمسكين بها، تهدد مصالحهم".

حملة مهاجمة اللغة العربية أخرجت المفكر البارز عبد الله العروي من مقبعه، فجاء إلى التلفزيون لمواجهة نور الدين عيوش في مناظرة كان واضحا منذ البداية أنها غير متكافئة. كانت نتيجتها أن رجل الإشهار الفرنكفوني لا يفتقد فقط للكاريزما المطلوبة، أو لرؤية منهجية مقنعة، بل إنه لا يمتلك الأدوات العملية ولغة السجال التي تمكنه من تبليغ أفكاره المثيرة.

الروح الرياضية والتعصب 

في خضم هذا الإشكال اللغوي المثقل بهموم السياسة ورواسب الإيديولوجيا، يحدث أن يحتد الجدال أحيانا ليصل إلى شفير التطرف والعنصرية. وطبيعي أن ينتصر أنصار القومية العربية للغة الضاد والإسلاميون للغة القرآن. لكن المتعصبين للأمازيغية، مثل أحمد عصيد (رئيس المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات)، لا يبالون إن نعتوا بالعنصرية، ومؤخرا انتقد عصيد بحدة تنظيم كأس العرب في كرة القدم المقامة بدولة قطر، مستنكرا تنظيمها على أساس "عرقي". ما تخالفه الأنظمة الأخلاقية للرياضة. فهل يا ترى خرقت الفيدرالية الدولية لكرة القدم (الفيفا) المواثيق الأولمبية بإشرافها على بطولة "كأس العرب"؟ وهل المنتخبات المشاركة في بطولة "كأس العرب" تقع في مجال جغرافي ولغوي خارج الخريطة الممتدة للأقطار العربية، وبعضها متعدد اللغات والأعراق؟ وهل يمكن تجاهل تنظيم ألعاب رياضية دولية تحت عنوان أولمبياد الكومنولث البريطانية أو مثيلتها الفرنكفونية. وسبق للمغرب احتضان أولى دورات الألعاب الفرنكفونية (1989)؟
 ربما تكون إجابة الزعيم نيلسون مانديلا شافية، عندما تعامل مع الرياضة كـ"سلطة توحد الناس وتخلق الأمل"، و"إنها أقوى من الحكومات في إسقاط الحواجز العنصرية".
هي ليست المرة الأولى التي توصف فيها مثل هذه الخرجات بالتعصب وبالعنصرية، سواء من عصيد أو غيره ممن لا يتوقفون بمناسبة أو من دونها عن مهاجمة اللغة العربية والعرب وقوميتهم، ويعتبرونها "إيديولوجيا أجنبية عن المغرب"، مهربين النقاش إلى مسلمات، منها نبذ الإرهاب أو العلمانية، لينخرطوا في مواجهات صدامية، طالما جرى التحذير منها.

أداة للتطرف الديني

بعيدا عن هذا الجدل، تستمر اللغة الفرنسية في مكانتها داخل المغرب، رغم أن السنوات الأولى من الاستقلال تجاذبت فيها تيارات فكرية وسياسية بعضها يدعو إلى التعريب، بما تعنيه اللغة العربية من الوطنية والتاريخ والهوية، وآخرون مع المحافظة على استعمال اللغة الفرنسية في التعليم والإدارة والأعمال خصوصا، بما تمثله من الحداثة والتطور الحضاري. في هذا السياق التاريخي نشير إلى تبني القوى الحية في المغرب، من أحزاب ونقابات وهيئات مدنية، لما عرف في الأدبيات السياسية بـ"المبادئ الأربعة" لإصلاح التعليم، وهي (التعميم، والتوحيد، والتعريب، ومغربة الأطر).
في السنوات الأخيرة صعد النقاش إلى الواجهة من جديد، وإن بوتيرة مختلفة، عندما أعيد طرح مسألة تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. وقد أغلق الجدال لصالح الفرنسية. كان لافتا تصويت إسلاميي العدالة والتنمية مع قرار الفرنسة من موقعهم في رئاسة التحالف الحكومي. أما حزب الاستقلال فقد رأى أمينه العام أن تدريس العلوم بالفرنسية يعد جريمة. ليرد عليه الخصوم السياسيين بالقول "إن أبناء زعماء حزبكم يسجلون أولادهم في البعثات الفرنسية، ويحرصون على تلقينهم تعليما فرنسيا".
ولا يجب إهمال أن اللغة الرسمية الحقيقية للدولة في المغرب هي الفرنسية، بها تسير الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبالتالي تكون الوثائق والدراسات مع البلاغات الصادرة عنها بالفرنسية، وغالبا ما توكل ترجمة بياناتها الإعلامية إلى اللغة العربية إلى صحفيي الوكالة الرسمية للأنباء.
ويلتقي الأمازيغيون مع الفرنكفونيين في الموقف من اللغة العربية، واتهامها بـ"تسهيل مهمة أخونة المجتمع وانتشار الوهابية بين صفوف الشباب". وأن "برنامج التعريب يتوافق مع برنامج الأسلمة"، و"هو السبب في تراجع مستوى التعليم"، وليس مضمون البرامج المقررة.

بين شكسبير والمارشال ليوطي

وبما أن اللغة الفرنسية تعاني في موطنها الأصلي وبين أهلها، وأمام صعود وهيمنة اللغة الانجليزية تعاني من تقليص مساحاتها. فإن الشباب المغاربة باتوا يطالبون باعتماد تدريس لغة شكسبير، لغة الانترنيت، بدل لغة المارشال لويس هوبير ليوطي (أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب). هكذا تواترت الحملات المهاجمة لسيادة الفرنسية في المغرب. وكثير منهم عبروا في تدوينات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عن تأييدهم لتدريس اللغة الانجليزية "لغة العلم والمستقبل". وحسب خبراء أجانب، فإن نسبة الإقبال على اللغة الانجليزية في المغرب بدأت تشهد تقدما منذ العقد الثاني من الألفية الجديدة. حيث أصبح الشباب المغربي ينظرون إلى الانجليزية "اللغة الأولى عالميا والأكثر انفتاحا على العالم"، التي "تعكس توازن القوى بين الأمم، وهو الآن لصالح المحور الأنجلو-أميركي". بخلاف الفرنسية المنكمشة على ذاتها والمتراجعة والمنحصرة في دورها الهوياتي. في الوقت الذي تعد فيه الانجليزية لغة وظيفية بامتياز.

لكن، من يحدد مؤشر الميزان وإلى أي جهة سيميل؟ 
هل سيكون لصالح تعزيز اللغات الوطنية وحمايتها من الاندثار، وبالتالي الحفاظ على النسيج الاجتماعي ووحدته وتماسكه، بأفق منفتح على العالم؟ أم سيؤول لفائدة اللغات الأجنبية المسيطرة؟ بما يعني ذلك من أوزار مصيرية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا!

الإجابة غير مبهمة، لكنها ليست جاهزة تماما أو متيسرة الآن، كما يظن بعض المتحمسين أو المتعصبين، من هذا المعسكر أو ذاك. 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد
جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد

كوليت بهنا

في الذكرى الثانية عشرة للثورة، خرج التونسيون قبل أسبوع بمظاهرات عارمة طالبت بإسقاط النظام مع اتهامات حادة بالفساد وتراجع الحريات وتردي الأوضاع الاقتصادية.

الثورة التونسية السلمية، التي تستحضر هنا كأنموذج بوصفها فاتحة ثورات الربيع العربي المتتالية، تبدو وكأنها تعود إلى المربع الأول، وتعيد جرد حساباتها، وتعيد طرح الأسئلة الشائكة المتعلقة بالدستور والأسباب والعثرات التي أعاقت التغيير وتحقيق الأهداف المنشودة، على الرغم من أنها صنفت بالأنجح عربياً حتى اليوم، قياساُ بمآلات ثورات باقي الدول التي لم تفض إلى نتائج مخيبة للآمال فقط، بل إلى خراب العديد منها ومآسٍ يصعب حصرها. 

بالعودة إلى البدايات، ومع الدهشة الأولى التي أصابت العالم عقب خروج الشعوب العربية الثائرة من قمقمها، استبشر العديد من المحللين السياسيين والباحثين والفاعلين الدوليين بموجة التغيير العارمة هذه، فكتبوا وحللوا وقدموا نصائح رئيسة عن الطرق السديدة التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى الانتقال الديمقراطي المنشود. منهم ما كتبه في 15 نوفمبر 2011 على سبيل المثال بول سالم، الرئيس السابق لمركز كارنيغي الأميركي للسلام الدولي في الشرق الأوسط، في مقال تحليلي مطول سيبدو اليوم لقارئه أشبه بخريطة طريق رشيدة وضعت في حينه.  

إذ قال في بعض المقتطفات الهامة: "من شأن دستور مدروس ومتوافق عليه أن يكون المفتاح لتحقيق النجاح الديمقراطي". و" إن عملية الانتقال، بمعنى ما، هي ومضة في التاريخ، لكن بناء ديمقراطية قوية وذات ديمومة هي عمل أجيال. ونجاح العملية الانتقالية قد يحدد نجاح أو فشل الديمقراطية الوليدة". و"الهدف الرئيس من وضع أو تعديل الدستور في عمليات الانتقال الديمقراطية لا يكمن في السعي الى الاتفاق على كل مبدأ أو هدف سياسي واجتماعي اقتصادي، بل في اقامة مروحة من المؤسسات والقواعد التي تستوعب الخلافات وتمكّن رأي الأغلبية وتحمي آراء الأقلية". 

فإلى أي مدى ينطبق هذا الكلام مع التغييرات والتحولات التي أعقبت الثورات العربية، وهل تعثُر هذه الثورات، إن لم نقل فشلها والإحباطات والخيبات التي أفضت إليها، يكمن فقط في ضعف شرعية الدساتير العربية وعمليات صياغتها التي أعقبت هذه التحولات ومحدودية دورها الذي صمم للحد من سلطة الشعب بدلاً من سلطة الدولة ومقاومتها لأي تغيير؟ أم لأسباب أخرى تتعلق بهويات هذه الثورات بذاتها والشكل الذي اتخذته في الاحتجاج السلمي أو العنيف أو المسلح أو غيرها من الأسباب الجوهرية؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة والنقاش الأكاديمي الفاعل حول شرعية وعمليات وضع الدساتير في العالم العربي من خلال دراسة التغييرات الدستورية التي اختبرتها مختلف الدول العربية استجابة للاضطرابات الشعبية منذ 2010، اجتمع في بيروت الشهر الفائت، عدد من الباحثين الدوليين وخبراء قانون في مؤتمر متخصص أقيم في إطار مشروع بحثي للباحثة الرئيسية ريم تركماني بعنوان "الشرعية والمواطنة في العالم العربي" في كلية لندن للاقتصاد، وتم تمويله من قبل مؤسسة كارنيجي في نيويورك. 

كما أقيم المؤتمر بالشراكة بين كلية لندن للاقتصاد والمنظمة العربية للقانون الدستوري التي تمثلها المديرة التنفيذية للمنظمة تمارا خوري، والتي تعتبر أول شبكة اقليمية لخبراء صياغة الدساتير في المنطقة العربية، وتهدف الى المساهمة في الحكم الرشيد والتحول والانتقال الديمقراطي وكذلك دعم جهود الاصلاح القانوني والدستوري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتبر خبراء المنظمة من كبار المختصين في مجال بناء الدساتير في المنطقة حيث شاركوا في التفاوض على الدساتير وصياغتها في عدد من الدول (المغرب الجزائر تونس ليبيا مصر العراق اليمن). 

بعد الاستماع ومناقشة تجارب الدول المشاركة، وهي بمجموعها الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات شعبية منذ 2010، خلص المؤتمر إلى عدد من النتائج المتعلقة بكيف يصاغ الدستور والتشاركية في صياغته وكم تستغرق هذه الصياغة وغيرها، والتي لخصها البروفسور ناثان براون بعدد من النقاط، وهو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيجي. حيث وجد بحسب خبرته وعمله منذ أكثر من نصف قرن في مجال الدستور أن جميع القصص متشابهة في جميع الانتفاضات العربية منذ 2010، ومازالت هناك أسئلة بلا أجوبة ولا توجد خلاصة عامة. كما لا يوجد جواب واحد حول مضمون الدستور، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع حول ما يجب أن يقوله الدستور. وأن معظم النقاشات تتعلق بشكل الدولة وليس بالحقوق والحريات التي غابت عن معظم التجارب الدستورية العربية، وأفضت إلى نتيجة مخيبة بأنه لا نهايات سعيدة أبداً. 

ويضيف بحسب خلاصة استنتاجاته، أن الحكام العرب يتحججون دوماً بالظروف الاستثنائية لتأخير الديمقراطية، وأن الدستور في المحصلة يجب أن يساعد الناس في إدارة اختلافاتهم، وفي الواقع لم تعبر هذه الدساتير عن إرادة الشعوب، حيث لا توجد مشاركة شعبية حقيقية لأن الجنرالات هم من يتحدثون بالإنابة عن الناس الذين يمكن وصفهم " بالناس الكثر وليس الشعب" كما الحال في مصر، وأن الحالات الأصعب في صياغة الدساتير تتمثل برأيه حين يشارك لاعبون مختلفون يأتون بمفاهيم مختلفة ويعملون على الدساتير، كما الحال في سوريا.  

قد يبدو رأي الباحث براون صائباً في المعنى العام، وإن كان يشي ببعض التشاؤم حول الانسداد العربي، لكن في الواقع، فإن المتابع لمناقشات هذا المؤتمر سيخرج بخلاصة مضافة تحمل الكثير من الإيجابيات التي يمكن توظيفها واستثمارها بشكل أكثر فاعلية وديمومة في المستقبل. وتتلخص بزخم وسخونة النقاشات واحترافية وغنى محتوى الأوراق البحثية التي قدمت من جميع المشاركين والمعقبين. وأهمية تبادل الخبرات العربية والتقاطع فيما بينها، وبشكل خاص الخبرة الدستورية لكل من تونس والمغرب، كتجربتين متفوقتين حتى اليوم قياساً بتجارب عربية أخرى مازالت تراوح في مكانها، أو تتراجع لصالح الأنظمة الحاكمة ومزيد من الشمولية والاستبداد، سواء فيما يخص الجمهوريات أو الملكيات الحاكمة على حد سواء. 

كما برزت أيضاً أهمية مساحة المشاركة النسائية العربية رفيعة المستوى والندية على كافة المستويات، والتي تدفع إلى تفاخر حقيقي بحجم ونوعية الكفاءات النسائية العلمية الموجودة على الساحة العربية، والدور الهام والمبشر الذي يلعبنه، وبشكل خاص فيما يتعلق بمواقعهن كخبيرات قانونيات ودستوريات في عمليات صياغة دساتير بلادهن، أو من خلال مواقعهن الأخرى التي برزن فيها بشكل خاص عقب الثورات العربية، والتي أفضت إلى تغييرات مبشرة وإيجابية فيما يتعلق بدور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والعامة. 

"نحن الشعب، السادة الشرعيون للكونغرس والمحاكم. لا لقلب الدستور، بل لإسقاط الرجال الذين يفسدون الدستور". هذا ما قاله الرئيس الأميركي التاريخي ابراهام لينكولن قبل نحو مائتي عام. وهو ما دفع حياته ثمنا له لأجل أن تحظى الأجيال المقبلة بالمساواة وتنعم بحقوقها وحرياتها.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).