Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"
شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"

عبد الرحيم التوراني

يصادف اليوم (السبت 18 ديسمبر 2021) الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، تخليدا للتاريخ الذي تقرر فيه الاعتراف بالعربية لغة عمل رسمية داخل الأمم المتحدة سنة 1973، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والإسبانية.

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري". ويُعتبر بمثابة نداء للتأكيد مجدداً على الدور الهام الذي تؤدّيه اللغة العربية كركن من أركان التنوع الثقافي للبشرية. ومن اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم. يجب استحضار أن العربية كانت اللغة الثقافية الأولى في العالم، وحلقة وصل جسّدت ثراء الوجود الإنساني. ويتكلمها في عصرنا يوميا ما يزيد على 400 مليون نسمة.

دسترة وتذويب 

كان المغرب، إلى جانب السعودية، من تقدم باقتراح إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة.

 ومنذ استقلاله اعتمد المغرب في دستوره العربية لغة رسمية، إلى حدود سنة 2011، التي شهدت انتفاضة "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي". وباعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، أكد دستور 2011 على الأمازيغية لغة رسمية للدولة بعد اللغة العربية، مع العمل على صيانة "الحسانية" المنتشرة في الأقاليم الصحراوية، "كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة".

استتباعا لذلك نص الدستور الجديد على إحداث "مجلس وطني للغات والثقافة المغربية"، يتولى حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية. لكن المصادقة البرلمانية على القانون التنظيمي المتعلق بهذا المجلس تأخرت حتى 2020. ووفقا للنص التشريعي فإن المجلس يضم أكاديمية محمد السادس للغة العربية، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والهيئة الخاصة بالحسانية واللهجات والتعبيرات الثقافية المغربية الأخرى، والهيئة الخاصة بالتنمية الثقافية وحفظ التراث، والهيئة الخاصة بتنمية استعمال اللغات الأجنبية.

وكانت بداية العهد الجديد عرفت تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (2001)، لكن الإعلان عن تنصيب مجلس اللغات لم يتم حتى اليوم. هو نفس المسار الذي حصل مع القرار الملكي بإحداث أكاديمية محمد السادس للغة العربية، منذ 2003.

بعض الخبراء اللغويين، منهم الأكاديمي عبد القادر الفاسي الفهري (رئيس جمعية اللسانيات بالمغرب، وعضو لجنة تحرير مسودة قانون مجلس اللغات والثقافة)، فسروا الأمر بتعطيل متعمد من الدولة لتطبيق قانون أكاديمية محمد السادس للغة العربية. بل إن الفاسي الفهري خلص إلى أن ما يجري هو "تذويب لأكاديمية محمد السادس والمعهد الملكي في مجلس اللغات".

الترجمة الفورية - المؤجلة

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم يتوقف الجدل حول المسألة اللغوية. وتأرجح النقاش بين السياسي والإيديولوجي والدستوري. منحصرا داخل النخب الثقافية والسياسية، لكن غير بعيد عن مراقبة السلطة، التي كانت لديها رؤيتها في التعامل مع الإشكالات اللغوية المطروحة بالبلاد. ورغم اعتراف دستور 2011 بالأمازيغية وباللهجات المختلفة المستعملة في المغرب، إلا أنه لم يكن كافيا لإنهاء وتوقيف التجاذب حول مسألة وقضايا الهُوِيات ومدى تفاعلها وارتباطها بالنسيج الاجتماعي المغربي، إذ لم تتم ببلورة منظومة منسجمة تفضي إلى ابتكار سياسة لغوية وثقافية وطنية منفتحة على الثقافات وعلى العصر.

بداية هذا الأسبوع تكرر نفس ما حدث بإحدى الجلسات العامة للبرلمان المغربي في ولاية سابقة، حينما تعمدت برلمانية من حزب الحركة الشعبية (معارضة) توجيه سؤال شفوي لوزير العدل باللغة الأمازيغية، والمثير أن الوزير المعني رد بجواب مقتضب وجلس. لم يفهم الكثيرون، سواء من النواب أو من مشاهدي البث التلفزي المباشر، فحوى سؤال البرلمانية ولا جواب الوزير، والسبب هو أن أمازيغية الوزير تختلف عن أمازيغية البرلمانية. وترجمة جواب الوزير: "شكرا، ولكنني أتكلم الأمازيغية السوسية، وأنت تتكلمين أمازيغية الأطلس، وأنا لم أفهم ما قلته". ما أشعل ضجة داخل المجلس. هي الضجة ذاتها التي أثارتها سنة 2012 المغنية الأمازيغية فاطمة آيت باعمران لما كانت عضوا بمجلس النواب، عندما استندت على دسترة الأمازيغية وأصرت على التدخل بلغتها الأم.
كانت فرصة سانحة اغتنمت لإذكاء المزايدات الشعبوية. في حين طالب نواب بإدخال الترجمة الفورية للأمازيغية للبرلمان. واكتشف أنه هو نفس المطلب الذي تم الوعد بتفعيله سريعا في الولاية السابقة ولم ينفذ. 

الدارجة كسلاح فرنكفوني 

ليس تنزيل مضمون الفصل الخامس من الدستور مسألة تقنية تنجز بتأمين الترجمة الفورية داخل البرلمان وغيره من المؤسسات العامة، إن الأمر أعقد، خصوصا إذا علمنا أن الأمازيغية هي أمازيغيات وليست واحدة، موزعة بمختلف جهات البلاد.

يضاف إلى هذا الإشكال اللغوي بروز دعوات في المغرب تروم إحلال اللهجة الدارجة مكان العربية الفصحى في التدريس. ولوحظ في السنوات الأخيرة هيمنة استعمال الدارجة في حملات وبرامج الدعاية والإعلان. وتداول الرسائل النصية على "الوتساب" وغيره من وسائل التواصل الرقمي بدارجة مكتوبة بأحرف لاتينية. كما أن المسلسلات التلفزيونية الأجنبية التي كانت في السابق تدبلج بالعربية الفصيحة، صارت تبث بالدارجة. ومن المستغرب أن من تزعم هذا المسعى شخص من خارج أصحاب الاختصاص، لا ينتمي لخبراء الثقافة وعلوم اللسانيات، أو هو واحد من قادة السياسة المرموقين، بل مجرد رجل أعمال راكم ثروة كبرى من اشتغاله بمجال الدعاية والإشهار، وبعدما صار من المقربين من السلطات العليا، مال إلى التدخل في عدد من القضايا العامة، من الدعوة للمشاركة بكثافة في الانتخابات، وصولا إلى الإشكال اللغوي. في سنة 2013 أشرف نور الدين عيوش الفرنكفوني الهوى، على تنظيم ندوة بالدار البيضاء حول التعليم، حضرها وزراء سابقون ومستشارون للملك (فؤاد عالي الهمة وعمر عزيمان ومحمد القباج). كانت أبرز نتائج الندوة "مذكرة إصلاح" رفعت إلى الملك، توصي باعتماد الدارجة في التعليم الأولي والابتدائي بدلا من العربية الفصحى. ما خلف موجة غضب شديد، سعت لفضح خلفيات ضرب اللغة العربية ومحاولات تهميشها، كما أفصح الدكتور موسى الشامي (مؤسس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية) أن الهدف هو "جعل اللغة الفرنسية تسود لتساهم في عزل المغرب عن عمقه الإسلامي وعن باقي الدول التي تنتشر فيها اللغة العربية". والخلاصة، حسب الشامي أن "مسخرة استعمال الدارجة في التدريس يراد منها بالدرجة الأولى القضاء على اللغة العربية، لفتح المجال أمام لغة أجنبية يشعر أصحابها في دواخلهم أن اللغة العربية بقوتها الهائلة وصلابة المتمسكين بها، تهدد مصالحهم".

حملة مهاجمة اللغة العربية أخرجت المفكر البارز عبد الله العروي من مقبعه، فجاء إلى التلفزيون لمواجهة نور الدين عيوش في مناظرة كان واضحا منذ البداية أنها غير متكافئة. كانت نتيجتها أن رجل الإشهار الفرنكفوني لا يفتقد فقط للكاريزما المطلوبة، أو لرؤية منهجية مقنعة، بل إنه لا يمتلك الأدوات العملية ولغة السجال التي تمكنه من تبليغ أفكاره المثيرة.

الروح الرياضية والتعصب 

في خضم هذا الإشكال اللغوي المثقل بهموم السياسة ورواسب الإيديولوجيا، يحدث أن يحتد الجدال أحيانا ليصل إلى شفير التطرف والعنصرية. وطبيعي أن ينتصر أنصار القومية العربية للغة الضاد والإسلاميون للغة القرآن. لكن المتعصبين للأمازيغية، مثل أحمد عصيد (رئيس المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات)، لا يبالون إن نعتوا بالعنصرية، ومؤخرا انتقد عصيد بحدة تنظيم كأس العرب في كرة القدم المقامة بدولة قطر، مستنكرا تنظيمها على أساس "عرقي". ما تخالفه الأنظمة الأخلاقية للرياضة. فهل يا ترى خرقت الفيدرالية الدولية لكرة القدم (الفيفا) المواثيق الأولمبية بإشرافها على بطولة "كأس العرب"؟ وهل المنتخبات المشاركة في بطولة "كأس العرب" تقع في مجال جغرافي ولغوي خارج الخريطة الممتدة للأقطار العربية، وبعضها متعدد اللغات والأعراق؟ وهل يمكن تجاهل تنظيم ألعاب رياضية دولية تحت عنوان أولمبياد الكومنولث البريطانية أو مثيلتها الفرنكفونية. وسبق للمغرب احتضان أولى دورات الألعاب الفرنكفونية (1989)؟
 ربما تكون إجابة الزعيم نيلسون مانديلا شافية، عندما تعامل مع الرياضة كـ"سلطة توحد الناس وتخلق الأمل"، و"إنها أقوى من الحكومات في إسقاط الحواجز العنصرية".
هي ليست المرة الأولى التي توصف فيها مثل هذه الخرجات بالتعصب وبالعنصرية، سواء من عصيد أو غيره ممن لا يتوقفون بمناسبة أو من دونها عن مهاجمة اللغة العربية والعرب وقوميتهم، ويعتبرونها "إيديولوجيا أجنبية عن المغرب"، مهربين النقاش إلى مسلمات، منها نبذ الإرهاب أو العلمانية، لينخرطوا في مواجهات صدامية، طالما جرى التحذير منها.

أداة للتطرف الديني

بعيدا عن هذا الجدل، تستمر اللغة الفرنسية في مكانتها داخل المغرب، رغم أن السنوات الأولى من الاستقلال تجاذبت فيها تيارات فكرية وسياسية بعضها يدعو إلى التعريب، بما تعنيه اللغة العربية من الوطنية والتاريخ والهوية، وآخرون مع المحافظة على استعمال اللغة الفرنسية في التعليم والإدارة والأعمال خصوصا، بما تمثله من الحداثة والتطور الحضاري. في هذا السياق التاريخي نشير إلى تبني القوى الحية في المغرب، من أحزاب ونقابات وهيئات مدنية، لما عرف في الأدبيات السياسية بـ"المبادئ الأربعة" لإصلاح التعليم، وهي (التعميم، والتوحيد، والتعريب، ومغربة الأطر).
في السنوات الأخيرة صعد النقاش إلى الواجهة من جديد، وإن بوتيرة مختلفة، عندما أعيد طرح مسألة تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. وقد أغلق الجدال لصالح الفرنسية. كان لافتا تصويت إسلاميي العدالة والتنمية مع قرار الفرنسة من موقعهم في رئاسة التحالف الحكومي. أما حزب الاستقلال فقد رأى أمينه العام أن تدريس العلوم بالفرنسية يعد جريمة. ليرد عليه الخصوم السياسيين بالقول "إن أبناء زعماء حزبكم يسجلون أولادهم في البعثات الفرنسية، ويحرصون على تلقينهم تعليما فرنسيا".
ولا يجب إهمال أن اللغة الرسمية الحقيقية للدولة في المغرب هي الفرنسية، بها تسير الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبالتالي تكون الوثائق والدراسات مع البلاغات الصادرة عنها بالفرنسية، وغالبا ما توكل ترجمة بياناتها الإعلامية إلى اللغة العربية إلى صحفيي الوكالة الرسمية للأنباء.
ويلتقي الأمازيغيون مع الفرنكفونيين في الموقف من اللغة العربية، واتهامها بـ"تسهيل مهمة أخونة المجتمع وانتشار الوهابية بين صفوف الشباب". وأن "برنامج التعريب يتوافق مع برنامج الأسلمة"، و"هو السبب في تراجع مستوى التعليم"، وليس مضمون البرامج المقررة.

بين شكسبير والمارشال ليوطي

وبما أن اللغة الفرنسية تعاني في موطنها الأصلي وبين أهلها، وأمام صعود وهيمنة اللغة الانجليزية تعاني من تقليص مساحاتها. فإن الشباب المغاربة باتوا يطالبون باعتماد تدريس لغة شكسبير، لغة الانترنيت، بدل لغة المارشال لويس هوبير ليوطي (أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب). هكذا تواترت الحملات المهاجمة لسيادة الفرنسية في المغرب. وكثير منهم عبروا في تدوينات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عن تأييدهم لتدريس اللغة الانجليزية "لغة العلم والمستقبل". وحسب خبراء أجانب، فإن نسبة الإقبال على اللغة الانجليزية في المغرب بدأت تشهد تقدما منذ العقد الثاني من الألفية الجديدة. حيث أصبح الشباب المغربي ينظرون إلى الانجليزية "اللغة الأولى عالميا والأكثر انفتاحا على العالم"، التي "تعكس توازن القوى بين الأمم، وهو الآن لصالح المحور الأنجلو-أميركي". بخلاف الفرنسية المنكمشة على ذاتها والمتراجعة والمنحصرة في دورها الهوياتي. في الوقت الذي تعد فيه الانجليزية لغة وظيفية بامتياز.

لكن، من يحدد مؤشر الميزان وإلى أي جهة سيميل؟ 
هل سيكون لصالح تعزيز اللغات الوطنية وحمايتها من الاندثار، وبالتالي الحفاظ على النسيج الاجتماعي ووحدته وتماسكه، بأفق منفتح على العالم؟ أم سيؤول لفائدة اللغات الأجنبية المسيطرة؟ بما يعني ذلك من أوزار مصيرية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا!

الإجابة غير مبهمة، لكنها ليست جاهزة تماما أو متيسرة الآن، كما يظن بعض المتحمسين أو المتعصبين، من هذا المعسكر أو ذاك. 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب
شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب

سناء الحنفي العاجي

بعد سنوات من العشرة الطيبة والمحبة والتساكن، تكتشف فوزية خيانة زوجها لها مع ابنة أختها، في قلب بيتها. من هول الصدمة ووجع الغدر، تغادر بيتها وتتوجه لفندق تقضي فيه الليلة إلى أن تقرر ما هي فاعلة. هنا، تكتشف أن الفندق يرفض استقبالها لأنه يوجد في مدينة الدار البيضاء... ولأن بطاقتها تشير إلى كونها تقيم في نفس المدينة! هل هناك قانون يقر بهذا؟ أبدا... لكنها ممارسة فعلية في الفنادق المغربية. ورغم أن وزير الداخلية يقول إنها غير قانونية، لكن هذا لا يمنع من كونها حقيقية ومازالت تُفَعَّل إلى غاية الآن!

هذا أحد مشاهد المسلسل المغربي الجميل جدا، "بغيت حياتك"، والذي تبثه حاليا القناة الثانية. المسلسل، الذي أخرجه شوقي العوفير ويؤدي أدواره الأساسية ثلة من النجوم المغاربة (سامية أقريو، نورا الصقلي، عزيز الحطاب، مريم الزعيمي، عبد الله شاكيري، عبد اللطيف شوقي، عبد الله ديدان، بشرى أهريش وغيرهم) يتطرق لعدد من القضايا الإنسانية، بفنية وجرأة. جرأة لم تتعامل مع هذه القضايا بخطاب نضالي ترافعي لا يفترض أن يكون الفن مكانَه، لكن بفنية وسلاسة وجمالية راقية. 
المسلسل يسائل مثلا قضية شديدة الحساسية كالأمومة، حين لا تكون اختيارا واعيا. قوة السيناريو وعبقريته أنه لا يُوَجّه سهام الاتهام لشخصية الأم، التي اكتشفت أنها غير راغبة ولا قادرة على الأمومة، لكنها لم تفكر في الأمر مسبقا. تزوجت رجلا تحبه وأنجبت كما تنجب ملايين النساء، دون تفكير واعي في تبعات الأمومة! 

يتطرق المسلسل للعلاقات الإنسانية وتعقيداتها، الهشاشة النفسية والعاطفية للأفراد... الشخصيات حقيقية وإنسانية بهشاشتها وتعقيداتها دون أحاديات تجعلها شريرة في المطلق أو طيبة في المطلق. الجارة نجاة بتناقضاتها وشطحاتها التي لا تنزع عنها شعلة الإنسانية والطيبة حين يستلزم الأمر تغليب الإنسان فيها؛ كريم بهشاشته في حبه، لكن من دون أن يكون ضعيفا مهزوزا كما قد تصوِّر شخصيَته العديد من الأعمال الدرامية؛ مريم التي نتساءل هل تحب فعلا أم أنها تدمن العلاقة العاطفية السامة ببعضٍ من الألفة؛ عزيز الذي يحب ولكنه يستكين لوضع مريح بالنسبة له؛ الجار علال كما نعرف المئات منه في أحيائنا الشعبية: "زهواني"، خدوم، شعبي حتى النخاع لكن دون ابتذال، فوضوي وفي نفس الوقت "ولد البلاد" حين يقتضي الأمر ذلك... 

شخصيات حقيقية كما نحن، صادقة حتى في خبثها أحيانا. هشة حينا وضاجة في أحيان أخرى.  كما أن إحدى ميزات المسلسل، فضلا عن سيناريو محبوك إلى غاية الحلقات التي تابعناها (إذ أن بث الحلقات لم يكتمل بعد)، كونه تطرق لقضايا جريئة دون أن يحاكم الشخصيات التي قد ينظر لها المواطن العادي (وقد تصورها أعمال أخرى) بشكل قدحي أو سلبي. تعامل معها كمكون من مكونات المجتمع بتعقيداته وتنوعه. 

في حكاية الفندق التي بدأنا بها هذا المقال، هناك طرح فني يفترض أن يسائل ممارسة فعلية في المغرب، لا سند قانونيا لها، لكنها عرفٌ لا يمكن ترجمته إلا بصيغة واحدة: كل امرأة تختار أو تضطر لأن تقيم في فندق في نفس مدينتها، هي مهنية جنس لا يفترض أن نسمح لها بذلك. 

وماذا عن فوزية ومثيلاتها ممن قد تضطرهن ظروف الحياة للمبيت في فندق بمفردهن؟ ماذا عن صديقتي أسماء التي يقيم أهلها في سلا والتي تأخرت في إحدى الليالي في الرباط، بسبب تنظيم المؤسسة التي كانت تشتغل فيها حينها، لتظاهرة مهنية كبيرة. ولأنه كان يفترض أن تعود للعمل في وقت مبكر صباح الغد، فضلت صديقتي المبيت في فندق في الرباط. لكن معظم فنادق العاصمة رفضتها. ماذا عن الفنانة سامية أقريو نفسها التي حكت صديقتها نورا الصقلي في أحد الحوارات كيف أنهما، خلال إحدى الجولات المسرحية، توجهتا لفندق في الدار البيضاء. الفندق قَبِل استضافة الفنانة نورا الصقلي لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الرباط ورفض استقبال الفنانة سامية أقريو لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الدار البيضاء. نتحدث هنا عن فنانتين معروفتين ويفترض أن يفهم موظف الاستقبال طبيعة مهنتهن، فماذا عن مئات النساء ممن لسن في شهرتهما؟

أليست هذه إهانة لكل النساء بكل مستوياتهن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ من شخصية فوزية، الممرضة البسيطة، إلى الفاعلة الحقوقية إلى الفنانة... إلى الطبيبة والمهندسة والعاملة والبرلمانية. كلنا متهمات بامتهان الجنس إلى أن نثبت العكس. يمكننا المبيت في العراء، لكن توفير غرفة في فندق فيه تهديد للأخلاق والقيم المجتمعية!!!

الإشكالية التي تطرق لها المسلسل في مشهد واقعي، والتي تطرقنا لها أكثر من مرة في السابق، هي مثال من أمثلة كثيرة عن واقع مر: الواقع المجتمعي والممارسات تتطور بشكل سريع جدا، يجعل حكايات فوزية وأسماء وسامية أقريو والمئات من النساء العاملات في قطاعات كثيرة، يعشن واقعا لم يفهمه بعد المشرع ولا المؤسسات التي تسهر على تطبيق هذه الممارسات. حكاية الفندق إحداها، لكن هناك عشرات القضايا التي سبقت فيها الممارسات واقع القوانين... والتي نحتاج للكثير من المقالات والمسلسلات والكتب... لكي نزعزع الصخر الراكد فوقها!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).