Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"
شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"

عبد الرحيم التوراني

يصادف اليوم (السبت 18 ديسمبر 2021) الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، تخليدا للتاريخ الذي تقرر فيه الاعتراف بالعربية لغة عمل رسمية داخل الأمم المتحدة سنة 1973، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والإسبانية.

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري". ويُعتبر بمثابة نداء للتأكيد مجدداً على الدور الهام الذي تؤدّيه اللغة العربية كركن من أركان التنوع الثقافي للبشرية. ومن اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم. يجب استحضار أن العربية كانت اللغة الثقافية الأولى في العالم، وحلقة وصل جسّدت ثراء الوجود الإنساني. ويتكلمها في عصرنا يوميا ما يزيد على 400 مليون نسمة.

دسترة وتذويب 

كان المغرب، إلى جانب السعودية، من تقدم باقتراح إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة.

 ومنذ استقلاله اعتمد المغرب في دستوره العربية لغة رسمية، إلى حدود سنة 2011، التي شهدت انتفاضة "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي". وباعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، أكد دستور 2011 على الأمازيغية لغة رسمية للدولة بعد اللغة العربية، مع العمل على صيانة "الحسانية" المنتشرة في الأقاليم الصحراوية، "كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة".

استتباعا لذلك نص الدستور الجديد على إحداث "مجلس وطني للغات والثقافة المغربية"، يتولى حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية. لكن المصادقة البرلمانية على القانون التنظيمي المتعلق بهذا المجلس تأخرت حتى 2020. ووفقا للنص التشريعي فإن المجلس يضم أكاديمية محمد السادس للغة العربية، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والهيئة الخاصة بالحسانية واللهجات والتعبيرات الثقافية المغربية الأخرى، والهيئة الخاصة بالتنمية الثقافية وحفظ التراث، والهيئة الخاصة بتنمية استعمال اللغات الأجنبية.

وكانت بداية العهد الجديد عرفت تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (2001)، لكن الإعلان عن تنصيب مجلس اللغات لم يتم حتى اليوم. هو نفس المسار الذي حصل مع القرار الملكي بإحداث أكاديمية محمد السادس للغة العربية، منذ 2003.

بعض الخبراء اللغويين، منهم الأكاديمي عبد القادر الفاسي الفهري (رئيس جمعية اللسانيات بالمغرب، وعضو لجنة تحرير مسودة قانون مجلس اللغات والثقافة)، فسروا الأمر بتعطيل متعمد من الدولة لتطبيق قانون أكاديمية محمد السادس للغة العربية. بل إن الفاسي الفهري خلص إلى أن ما يجري هو "تذويب لأكاديمية محمد السادس والمعهد الملكي في مجلس اللغات".

الترجمة الفورية - المؤجلة

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم يتوقف الجدل حول المسألة اللغوية. وتأرجح النقاش بين السياسي والإيديولوجي والدستوري. منحصرا داخل النخب الثقافية والسياسية، لكن غير بعيد عن مراقبة السلطة، التي كانت لديها رؤيتها في التعامل مع الإشكالات اللغوية المطروحة بالبلاد. ورغم اعتراف دستور 2011 بالأمازيغية وباللهجات المختلفة المستعملة في المغرب، إلا أنه لم يكن كافيا لإنهاء وتوقيف التجاذب حول مسألة وقضايا الهُوِيات ومدى تفاعلها وارتباطها بالنسيج الاجتماعي المغربي، إذ لم تتم ببلورة منظومة منسجمة تفضي إلى ابتكار سياسة لغوية وثقافية وطنية منفتحة على الثقافات وعلى العصر.

بداية هذا الأسبوع تكرر نفس ما حدث بإحدى الجلسات العامة للبرلمان المغربي في ولاية سابقة، حينما تعمدت برلمانية من حزب الحركة الشعبية (معارضة) توجيه سؤال شفوي لوزير العدل باللغة الأمازيغية، والمثير أن الوزير المعني رد بجواب مقتضب وجلس. لم يفهم الكثيرون، سواء من النواب أو من مشاهدي البث التلفزي المباشر، فحوى سؤال البرلمانية ولا جواب الوزير، والسبب هو أن أمازيغية الوزير تختلف عن أمازيغية البرلمانية. وترجمة جواب الوزير: "شكرا، ولكنني أتكلم الأمازيغية السوسية، وأنت تتكلمين أمازيغية الأطلس، وأنا لم أفهم ما قلته". ما أشعل ضجة داخل المجلس. هي الضجة ذاتها التي أثارتها سنة 2012 المغنية الأمازيغية فاطمة آيت باعمران لما كانت عضوا بمجلس النواب، عندما استندت على دسترة الأمازيغية وأصرت على التدخل بلغتها الأم.
كانت فرصة سانحة اغتنمت لإذكاء المزايدات الشعبوية. في حين طالب نواب بإدخال الترجمة الفورية للأمازيغية للبرلمان. واكتشف أنه هو نفس المطلب الذي تم الوعد بتفعيله سريعا في الولاية السابقة ولم ينفذ. 

الدارجة كسلاح فرنكفوني 

ليس تنزيل مضمون الفصل الخامس من الدستور مسألة تقنية تنجز بتأمين الترجمة الفورية داخل البرلمان وغيره من المؤسسات العامة، إن الأمر أعقد، خصوصا إذا علمنا أن الأمازيغية هي أمازيغيات وليست واحدة، موزعة بمختلف جهات البلاد.

يضاف إلى هذا الإشكال اللغوي بروز دعوات في المغرب تروم إحلال اللهجة الدارجة مكان العربية الفصحى في التدريس. ولوحظ في السنوات الأخيرة هيمنة استعمال الدارجة في حملات وبرامج الدعاية والإعلان. وتداول الرسائل النصية على "الوتساب" وغيره من وسائل التواصل الرقمي بدارجة مكتوبة بأحرف لاتينية. كما أن المسلسلات التلفزيونية الأجنبية التي كانت في السابق تدبلج بالعربية الفصيحة، صارت تبث بالدارجة. ومن المستغرب أن من تزعم هذا المسعى شخص من خارج أصحاب الاختصاص، لا ينتمي لخبراء الثقافة وعلوم اللسانيات، أو هو واحد من قادة السياسة المرموقين، بل مجرد رجل أعمال راكم ثروة كبرى من اشتغاله بمجال الدعاية والإشهار، وبعدما صار من المقربين من السلطات العليا، مال إلى التدخل في عدد من القضايا العامة، من الدعوة للمشاركة بكثافة في الانتخابات، وصولا إلى الإشكال اللغوي. في سنة 2013 أشرف نور الدين عيوش الفرنكفوني الهوى، على تنظيم ندوة بالدار البيضاء حول التعليم، حضرها وزراء سابقون ومستشارون للملك (فؤاد عالي الهمة وعمر عزيمان ومحمد القباج). كانت أبرز نتائج الندوة "مذكرة إصلاح" رفعت إلى الملك، توصي باعتماد الدارجة في التعليم الأولي والابتدائي بدلا من العربية الفصحى. ما خلف موجة غضب شديد، سعت لفضح خلفيات ضرب اللغة العربية ومحاولات تهميشها، كما أفصح الدكتور موسى الشامي (مؤسس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية) أن الهدف هو "جعل اللغة الفرنسية تسود لتساهم في عزل المغرب عن عمقه الإسلامي وعن باقي الدول التي تنتشر فيها اللغة العربية". والخلاصة، حسب الشامي أن "مسخرة استعمال الدارجة في التدريس يراد منها بالدرجة الأولى القضاء على اللغة العربية، لفتح المجال أمام لغة أجنبية يشعر أصحابها في دواخلهم أن اللغة العربية بقوتها الهائلة وصلابة المتمسكين بها، تهدد مصالحهم".

حملة مهاجمة اللغة العربية أخرجت المفكر البارز عبد الله العروي من مقبعه، فجاء إلى التلفزيون لمواجهة نور الدين عيوش في مناظرة كان واضحا منذ البداية أنها غير متكافئة. كانت نتيجتها أن رجل الإشهار الفرنكفوني لا يفتقد فقط للكاريزما المطلوبة، أو لرؤية منهجية مقنعة، بل إنه لا يمتلك الأدوات العملية ولغة السجال التي تمكنه من تبليغ أفكاره المثيرة.

الروح الرياضية والتعصب 

في خضم هذا الإشكال اللغوي المثقل بهموم السياسة ورواسب الإيديولوجيا، يحدث أن يحتد الجدال أحيانا ليصل إلى شفير التطرف والعنصرية. وطبيعي أن ينتصر أنصار القومية العربية للغة الضاد والإسلاميون للغة القرآن. لكن المتعصبين للأمازيغية، مثل أحمد عصيد (رئيس المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات)، لا يبالون إن نعتوا بالعنصرية، ومؤخرا انتقد عصيد بحدة تنظيم كأس العرب في كرة القدم المقامة بدولة قطر، مستنكرا تنظيمها على أساس "عرقي". ما تخالفه الأنظمة الأخلاقية للرياضة. فهل يا ترى خرقت الفيدرالية الدولية لكرة القدم (الفيفا) المواثيق الأولمبية بإشرافها على بطولة "كأس العرب"؟ وهل المنتخبات المشاركة في بطولة "كأس العرب" تقع في مجال جغرافي ولغوي خارج الخريطة الممتدة للأقطار العربية، وبعضها متعدد اللغات والأعراق؟ وهل يمكن تجاهل تنظيم ألعاب رياضية دولية تحت عنوان أولمبياد الكومنولث البريطانية أو مثيلتها الفرنكفونية. وسبق للمغرب احتضان أولى دورات الألعاب الفرنكفونية (1989)؟
 ربما تكون إجابة الزعيم نيلسون مانديلا شافية، عندما تعامل مع الرياضة كـ"سلطة توحد الناس وتخلق الأمل"، و"إنها أقوى من الحكومات في إسقاط الحواجز العنصرية".
هي ليست المرة الأولى التي توصف فيها مثل هذه الخرجات بالتعصب وبالعنصرية، سواء من عصيد أو غيره ممن لا يتوقفون بمناسبة أو من دونها عن مهاجمة اللغة العربية والعرب وقوميتهم، ويعتبرونها "إيديولوجيا أجنبية عن المغرب"، مهربين النقاش إلى مسلمات، منها نبذ الإرهاب أو العلمانية، لينخرطوا في مواجهات صدامية، طالما جرى التحذير منها.

أداة للتطرف الديني

بعيدا عن هذا الجدل، تستمر اللغة الفرنسية في مكانتها داخل المغرب، رغم أن السنوات الأولى من الاستقلال تجاذبت فيها تيارات فكرية وسياسية بعضها يدعو إلى التعريب، بما تعنيه اللغة العربية من الوطنية والتاريخ والهوية، وآخرون مع المحافظة على استعمال اللغة الفرنسية في التعليم والإدارة والأعمال خصوصا، بما تمثله من الحداثة والتطور الحضاري. في هذا السياق التاريخي نشير إلى تبني القوى الحية في المغرب، من أحزاب ونقابات وهيئات مدنية، لما عرف في الأدبيات السياسية بـ"المبادئ الأربعة" لإصلاح التعليم، وهي (التعميم، والتوحيد، والتعريب، ومغربة الأطر).
في السنوات الأخيرة صعد النقاش إلى الواجهة من جديد، وإن بوتيرة مختلفة، عندما أعيد طرح مسألة تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. وقد أغلق الجدال لصالح الفرنسية. كان لافتا تصويت إسلاميي العدالة والتنمية مع قرار الفرنسة من موقعهم في رئاسة التحالف الحكومي. أما حزب الاستقلال فقد رأى أمينه العام أن تدريس العلوم بالفرنسية يعد جريمة. ليرد عليه الخصوم السياسيين بالقول "إن أبناء زعماء حزبكم يسجلون أولادهم في البعثات الفرنسية، ويحرصون على تلقينهم تعليما فرنسيا".
ولا يجب إهمال أن اللغة الرسمية الحقيقية للدولة في المغرب هي الفرنسية، بها تسير الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبالتالي تكون الوثائق والدراسات مع البلاغات الصادرة عنها بالفرنسية، وغالبا ما توكل ترجمة بياناتها الإعلامية إلى اللغة العربية إلى صحفيي الوكالة الرسمية للأنباء.
ويلتقي الأمازيغيون مع الفرنكفونيين في الموقف من اللغة العربية، واتهامها بـ"تسهيل مهمة أخونة المجتمع وانتشار الوهابية بين صفوف الشباب". وأن "برنامج التعريب يتوافق مع برنامج الأسلمة"، و"هو السبب في تراجع مستوى التعليم"، وليس مضمون البرامج المقررة.

بين شكسبير والمارشال ليوطي

وبما أن اللغة الفرنسية تعاني في موطنها الأصلي وبين أهلها، وأمام صعود وهيمنة اللغة الانجليزية تعاني من تقليص مساحاتها. فإن الشباب المغاربة باتوا يطالبون باعتماد تدريس لغة شكسبير، لغة الانترنيت، بدل لغة المارشال لويس هوبير ليوطي (أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب). هكذا تواترت الحملات المهاجمة لسيادة الفرنسية في المغرب. وكثير منهم عبروا في تدوينات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عن تأييدهم لتدريس اللغة الانجليزية "لغة العلم والمستقبل". وحسب خبراء أجانب، فإن نسبة الإقبال على اللغة الانجليزية في المغرب بدأت تشهد تقدما منذ العقد الثاني من الألفية الجديدة. حيث أصبح الشباب المغربي ينظرون إلى الانجليزية "اللغة الأولى عالميا والأكثر انفتاحا على العالم"، التي "تعكس توازن القوى بين الأمم، وهو الآن لصالح المحور الأنجلو-أميركي". بخلاف الفرنسية المنكمشة على ذاتها والمتراجعة والمنحصرة في دورها الهوياتي. في الوقت الذي تعد فيه الانجليزية لغة وظيفية بامتياز.

لكن، من يحدد مؤشر الميزان وإلى أي جهة سيميل؟ 
هل سيكون لصالح تعزيز اللغات الوطنية وحمايتها من الاندثار، وبالتالي الحفاظ على النسيج الاجتماعي ووحدته وتماسكه، بأفق منفتح على العالم؟ أم سيؤول لفائدة اللغات الأجنبية المسيطرة؟ بما يعني ذلك من أوزار مصيرية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا!

الإجابة غير مبهمة، لكنها ليست جاهزة تماما أو متيسرة الآن، كما يظن بعض المتحمسين أو المتعصبين، من هذا المعسكر أو ذاك. 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).