Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"
شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري"

عبد الرحيم التوراني

يصادف اليوم (السبت 18 ديسمبر 2021) الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، تخليدا للتاريخ الذي تقرر فيه الاعتراف بالعربية لغة عمل رسمية داخل الأمم المتحدة سنة 1973، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والإسبانية.

شعار احتفالية هذا العام: "اللغة العربية والتواصل الحضاري". ويُعتبر بمثابة نداء للتأكيد مجدداً على الدور الهام الذي تؤدّيه اللغة العربية كركن من أركان التنوع الثقافي للبشرية. ومن اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم. يجب استحضار أن العربية كانت اللغة الثقافية الأولى في العالم، وحلقة وصل جسّدت ثراء الوجود الإنساني. ويتكلمها في عصرنا يوميا ما يزيد على 400 مليون نسمة.

دسترة وتذويب 

كان المغرب، إلى جانب السعودية، من تقدم باقتراح إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة.

 ومنذ استقلاله اعتمد المغرب في دستوره العربية لغة رسمية، إلى حدود سنة 2011، التي شهدت انتفاضة "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي". وباعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، أكد دستور 2011 على الأمازيغية لغة رسمية للدولة بعد اللغة العربية، مع العمل على صيانة "الحسانية" المنتشرة في الأقاليم الصحراوية، "كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة".

استتباعا لذلك نص الدستور الجديد على إحداث "مجلس وطني للغات والثقافة المغربية"، يتولى حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية. لكن المصادقة البرلمانية على القانون التنظيمي المتعلق بهذا المجلس تأخرت حتى 2020. ووفقا للنص التشريعي فإن المجلس يضم أكاديمية محمد السادس للغة العربية، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والهيئة الخاصة بالحسانية واللهجات والتعبيرات الثقافية المغربية الأخرى، والهيئة الخاصة بالتنمية الثقافية وحفظ التراث، والهيئة الخاصة بتنمية استعمال اللغات الأجنبية.

وكانت بداية العهد الجديد عرفت تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (2001)، لكن الإعلان عن تنصيب مجلس اللغات لم يتم حتى اليوم. هو نفس المسار الذي حصل مع القرار الملكي بإحداث أكاديمية محمد السادس للغة العربية، منذ 2003.

بعض الخبراء اللغويين، منهم الأكاديمي عبد القادر الفاسي الفهري (رئيس جمعية اللسانيات بالمغرب، وعضو لجنة تحرير مسودة قانون مجلس اللغات والثقافة)، فسروا الأمر بتعطيل متعمد من الدولة لتطبيق قانون أكاديمية محمد السادس للغة العربية. بل إن الفاسي الفهري خلص إلى أن ما يجري هو "تذويب لأكاديمية محمد السادس والمعهد الملكي في مجلس اللغات".

الترجمة الفورية - المؤجلة

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم يتوقف الجدل حول المسألة اللغوية. وتأرجح النقاش بين السياسي والإيديولوجي والدستوري. منحصرا داخل النخب الثقافية والسياسية، لكن غير بعيد عن مراقبة السلطة، التي كانت لديها رؤيتها في التعامل مع الإشكالات اللغوية المطروحة بالبلاد. ورغم اعتراف دستور 2011 بالأمازيغية وباللهجات المختلفة المستعملة في المغرب، إلا أنه لم يكن كافيا لإنهاء وتوقيف التجاذب حول مسألة وقضايا الهُوِيات ومدى تفاعلها وارتباطها بالنسيج الاجتماعي المغربي، إذ لم تتم ببلورة منظومة منسجمة تفضي إلى ابتكار سياسة لغوية وثقافية وطنية منفتحة على الثقافات وعلى العصر.

بداية هذا الأسبوع تكرر نفس ما حدث بإحدى الجلسات العامة للبرلمان المغربي في ولاية سابقة، حينما تعمدت برلمانية من حزب الحركة الشعبية (معارضة) توجيه سؤال شفوي لوزير العدل باللغة الأمازيغية، والمثير أن الوزير المعني رد بجواب مقتضب وجلس. لم يفهم الكثيرون، سواء من النواب أو من مشاهدي البث التلفزي المباشر، فحوى سؤال البرلمانية ولا جواب الوزير، والسبب هو أن أمازيغية الوزير تختلف عن أمازيغية البرلمانية. وترجمة جواب الوزير: "شكرا، ولكنني أتكلم الأمازيغية السوسية، وأنت تتكلمين أمازيغية الأطلس، وأنا لم أفهم ما قلته". ما أشعل ضجة داخل المجلس. هي الضجة ذاتها التي أثارتها سنة 2012 المغنية الأمازيغية فاطمة آيت باعمران لما كانت عضوا بمجلس النواب، عندما استندت على دسترة الأمازيغية وأصرت على التدخل بلغتها الأم.
كانت فرصة سانحة اغتنمت لإذكاء المزايدات الشعبوية. في حين طالب نواب بإدخال الترجمة الفورية للأمازيغية للبرلمان. واكتشف أنه هو نفس المطلب الذي تم الوعد بتفعيله سريعا في الولاية السابقة ولم ينفذ. 

الدارجة كسلاح فرنكفوني 

ليس تنزيل مضمون الفصل الخامس من الدستور مسألة تقنية تنجز بتأمين الترجمة الفورية داخل البرلمان وغيره من المؤسسات العامة، إن الأمر أعقد، خصوصا إذا علمنا أن الأمازيغية هي أمازيغيات وليست واحدة، موزعة بمختلف جهات البلاد.

يضاف إلى هذا الإشكال اللغوي بروز دعوات في المغرب تروم إحلال اللهجة الدارجة مكان العربية الفصحى في التدريس. ولوحظ في السنوات الأخيرة هيمنة استعمال الدارجة في حملات وبرامج الدعاية والإعلان. وتداول الرسائل النصية على "الوتساب" وغيره من وسائل التواصل الرقمي بدارجة مكتوبة بأحرف لاتينية. كما أن المسلسلات التلفزيونية الأجنبية التي كانت في السابق تدبلج بالعربية الفصيحة، صارت تبث بالدارجة. ومن المستغرب أن من تزعم هذا المسعى شخص من خارج أصحاب الاختصاص، لا ينتمي لخبراء الثقافة وعلوم اللسانيات، أو هو واحد من قادة السياسة المرموقين، بل مجرد رجل أعمال راكم ثروة كبرى من اشتغاله بمجال الدعاية والإشهار، وبعدما صار من المقربين من السلطات العليا، مال إلى التدخل في عدد من القضايا العامة، من الدعوة للمشاركة بكثافة في الانتخابات، وصولا إلى الإشكال اللغوي. في سنة 2013 أشرف نور الدين عيوش الفرنكفوني الهوى، على تنظيم ندوة بالدار البيضاء حول التعليم، حضرها وزراء سابقون ومستشارون للملك (فؤاد عالي الهمة وعمر عزيمان ومحمد القباج). كانت أبرز نتائج الندوة "مذكرة إصلاح" رفعت إلى الملك، توصي باعتماد الدارجة في التعليم الأولي والابتدائي بدلا من العربية الفصحى. ما خلف موجة غضب شديد، سعت لفضح خلفيات ضرب اللغة العربية ومحاولات تهميشها، كما أفصح الدكتور موسى الشامي (مؤسس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية) أن الهدف هو "جعل اللغة الفرنسية تسود لتساهم في عزل المغرب عن عمقه الإسلامي وعن باقي الدول التي تنتشر فيها اللغة العربية". والخلاصة، حسب الشامي أن "مسخرة استعمال الدارجة في التدريس يراد منها بالدرجة الأولى القضاء على اللغة العربية، لفتح المجال أمام لغة أجنبية يشعر أصحابها في دواخلهم أن اللغة العربية بقوتها الهائلة وصلابة المتمسكين بها، تهدد مصالحهم".

حملة مهاجمة اللغة العربية أخرجت المفكر البارز عبد الله العروي من مقبعه، فجاء إلى التلفزيون لمواجهة نور الدين عيوش في مناظرة كان واضحا منذ البداية أنها غير متكافئة. كانت نتيجتها أن رجل الإشهار الفرنكفوني لا يفتقد فقط للكاريزما المطلوبة، أو لرؤية منهجية مقنعة، بل إنه لا يمتلك الأدوات العملية ولغة السجال التي تمكنه من تبليغ أفكاره المثيرة.

الروح الرياضية والتعصب 

في خضم هذا الإشكال اللغوي المثقل بهموم السياسة ورواسب الإيديولوجيا، يحدث أن يحتد الجدال أحيانا ليصل إلى شفير التطرف والعنصرية. وطبيعي أن ينتصر أنصار القومية العربية للغة الضاد والإسلاميون للغة القرآن. لكن المتعصبين للأمازيغية، مثل أحمد عصيد (رئيس المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات)، لا يبالون إن نعتوا بالعنصرية، ومؤخرا انتقد عصيد بحدة تنظيم كأس العرب في كرة القدم المقامة بدولة قطر، مستنكرا تنظيمها على أساس "عرقي". ما تخالفه الأنظمة الأخلاقية للرياضة. فهل يا ترى خرقت الفيدرالية الدولية لكرة القدم (الفيفا) المواثيق الأولمبية بإشرافها على بطولة "كأس العرب"؟ وهل المنتخبات المشاركة في بطولة "كأس العرب" تقع في مجال جغرافي ولغوي خارج الخريطة الممتدة للأقطار العربية، وبعضها متعدد اللغات والأعراق؟ وهل يمكن تجاهل تنظيم ألعاب رياضية دولية تحت عنوان أولمبياد الكومنولث البريطانية أو مثيلتها الفرنكفونية. وسبق للمغرب احتضان أولى دورات الألعاب الفرنكفونية (1989)؟
 ربما تكون إجابة الزعيم نيلسون مانديلا شافية، عندما تعامل مع الرياضة كـ"سلطة توحد الناس وتخلق الأمل"، و"إنها أقوى من الحكومات في إسقاط الحواجز العنصرية".
هي ليست المرة الأولى التي توصف فيها مثل هذه الخرجات بالتعصب وبالعنصرية، سواء من عصيد أو غيره ممن لا يتوقفون بمناسبة أو من دونها عن مهاجمة اللغة العربية والعرب وقوميتهم، ويعتبرونها "إيديولوجيا أجنبية عن المغرب"، مهربين النقاش إلى مسلمات، منها نبذ الإرهاب أو العلمانية، لينخرطوا في مواجهات صدامية، طالما جرى التحذير منها.

أداة للتطرف الديني

بعيدا عن هذا الجدل، تستمر اللغة الفرنسية في مكانتها داخل المغرب، رغم أن السنوات الأولى من الاستقلال تجاذبت فيها تيارات فكرية وسياسية بعضها يدعو إلى التعريب، بما تعنيه اللغة العربية من الوطنية والتاريخ والهوية، وآخرون مع المحافظة على استعمال اللغة الفرنسية في التعليم والإدارة والأعمال خصوصا، بما تمثله من الحداثة والتطور الحضاري. في هذا السياق التاريخي نشير إلى تبني القوى الحية في المغرب، من أحزاب ونقابات وهيئات مدنية، لما عرف في الأدبيات السياسية بـ"المبادئ الأربعة" لإصلاح التعليم، وهي (التعميم، والتوحيد، والتعريب، ومغربة الأطر).
في السنوات الأخيرة صعد النقاش إلى الواجهة من جديد، وإن بوتيرة مختلفة، عندما أعيد طرح مسألة تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. وقد أغلق الجدال لصالح الفرنسية. كان لافتا تصويت إسلاميي العدالة والتنمية مع قرار الفرنسة من موقعهم في رئاسة التحالف الحكومي. أما حزب الاستقلال فقد رأى أمينه العام أن تدريس العلوم بالفرنسية يعد جريمة. ليرد عليه الخصوم السياسيين بالقول "إن أبناء زعماء حزبكم يسجلون أولادهم في البعثات الفرنسية، ويحرصون على تلقينهم تعليما فرنسيا".
ولا يجب إهمال أن اللغة الرسمية الحقيقية للدولة في المغرب هي الفرنسية، بها تسير الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبالتالي تكون الوثائق والدراسات مع البلاغات الصادرة عنها بالفرنسية، وغالبا ما توكل ترجمة بياناتها الإعلامية إلى اللغة العربية إلى صحفيي الوكالة الرسمية للأنباء.
ويلتقي الأمازيغيون مع الفرنكفونيين في الموقف من اللغة العربية، واتهامها بـ"تسهيل مهمة أخونة المجتمع وانتشار الوهابية بين صفوف الشباب". وأن "برنامج التعريب يتوافق مع برنامج الأسلمة"، و"هو السبب في تراجع مستوى التعليم"، وليس مضمون البرامج المقررة.

بين شكسبير والمارشال ليوطي

وبما أن اللغة الفرنسية تعاني في موطنها الأصلي وبين أهلها، وأمام صعود وهيمنة اللغة الانجليزية تعاني من تقليص مساحاتها. فإن الشباب المغاربة باتوا يطالبون باعتماد تدريس لغة شكسبير، لغة الانترنيت، بدل لغة المارشال لويس هوبير ليوطي (أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب). هكذا تواترت الحملات المهاجمة لسيادة الفرنسية في المغرب. وكثير منهم عبروا في تدوينات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عن تأييدهم لتدريس اللغة الانجليزية "لغة العلم والمستقبل". وحسب خبراء أجانب، فإن نسبة الإقبال على اللغة الانجليزية في المغرب بدأت تشهد تقدما منذ العقد الثاني من الألفية الجديدة. حيث أصبح الشباب المغربي ينظرون إلى الانجليزية "اللغة الأولى عالميا والأكثر انفتاحا على العالم"، التي "تعكس توازن القوى بين الأمم، وهو الآن لصالح المحور الأنجلو-أميركي". بخلاف الفرنسية المنكمشة على ذاتها والمتراجعة والمنحصرة في دورها الهوياتي. في الوقت الذي تعد فيه الانجليزية لغة وظيفية بامتياز.

لكن، من يحدد مؤشر الميزان وإلى أي جهة سيميل؟ 
هل سيكون لصالح تعزيز اللغات الوطنية وحمايتها من الاندثار، وبالتالي الحفاظ على النسيج الاجتماعي ووحدته وتماسكه، بأفق منفتح على العالم؟ أم سيؤول لفائدة اللغات الأجنبية المسيطرة؟ بما يعني ذلك من أوزار مصيرية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا!

الإجابة غير مبهمة، لكنها ليست جاهزة تماما أو متيسرة الآن، كما يظن بعض المتحمسين أو المتعصبين، من هذا المعسكر أو ذاك. 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).