Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الإصلاح الديني في العالم العربي يبدأ بالفرد نفسه (أ ف ب)
الإصلاح الديني في العالم العربي يبدأ بالفرد نفسه (أ ف ب)

محمد المحمود

يقول روبرت غرين: "لا تستهن أبدا بميل الناس للاستقرار والمحافظة على ما اعتادوا عليه، فذلك شعور مسيطر وعميق" (قواعد السطوة، ص581). وبلا شك، فهذا الميل للاستقرار والمحافظة والاتباع هو ما يصنع المماثلة التي تصنع الألفة، وتنفي الوحشة والغرابة؛ فتكون هي أهم ما يسهم في صناعة الاجتماع الإنساني الذي ينهض على قاعدتين من "المماثلة" و"الامتثال" بوصفهما عنصرين أساسيين؛ لا في مسار تكوينه فحسب، وإنما أيضا في مسار تطوّره الخاص.

الإنسان كائن تقليدي بامتياز. هو كذلك خِلْقةً/ طبعًا، وسيبقى كذلك؛ ما لم يطرأ عليه طارئ نادر/ استثنائي من تمرّد العقل الجموح الممسوس بشيء من "خيال". ومن هنا، ليس غريبا أن تكون ظاهرة "عبادة الأسلاف" ظاهرة إنسانية عامة، رافقت تطور الاجتماع الإنساني منذ بداياته الأولى، وإلى اليوم، حتى وإن كانت تتّخذ ـ في بعض الأحوال وبعض المسارات التاريخية ـ تنويعا على أصل "العبادة"؛ فيما لا يُخْرِجها عن حقيقة التقليد/ الاتباع لـ"سَلَفٍ ما"، الذي يعني منح الأموات "حق التفكير" للأحياء، بل وحق احتكار التفكير دون الأحياء في كثير من الأحيان.

الدين، أي دين، ومن حيث هو دين، لا يخرج عن هذا السياق: سياق التقليد. الدين عُنصرُ ثَباتٍ، بل هو من أهم عناصر الثبات والرسوخ والاستدامة واليقين (ومن هنا كونه مصدر "طمأنينة" وسط رُعْب المُتغيّرات). بالدين، لا ينظر الإنسان بثقة إلى واقعه فحسب، بل ينظر كذلك إلى ماضيه وإلى مستقبله بقدر لا بأس به من الثقة والاطمئنان. وما ثقته بواقعه إلا تواصلا ـ مُسَبِّبا ـ لثقته بماضيه، بماضيه الذي منحه ـ في الوقت نفسه، وبدرجة أولى ـ ثقته بمستقبله القريب، و أيضا ـ وهو الأهم والأكثر فاعلية في راهنيته ـ منحه ثقته بمستقبله البعيد، الأبدي.

إذا كان الدين ثَباتا، ورسوخا، واستمرارية، فإن "الإصلاح الديني" يصبح صعبا ومُقلقا ومُسْتفِزا؛ من حيث هو زعزعة لهذا الاستقرار، وقطع لهذه الاستمرارية، وضرب للعنصر الخفي أو الجلي من إرادة "عبادة الأسلاف"، وهي الإرادة المحايثة لمسار تطوّر وعي الإنسان، كما هي محايثة لواقع الإنسان.

لكن، ليس "الإصلاح الديني" بالمطلق، هو الصعب والمقلق والمستفز. ما تنطبق عليه هذه الأحوال من رَدَّات الفعل هو الإصلاح الديني الحقيقي، أي الإصلاح الذي يُمارس نقدَ/ تفكيك التراث، ومِنْ ثَمَّ إعادة تركيبه بما يَتلاءم مع ضرورات المرحلة، بكل ما يسلتزمه ذلك من متغيرات جذرية تطال أهم أسسه المؤثرة في نظام الوعي. ما يعني أنه ـ وبالضرورة ـ إصلاح يختلف نوعيا ـ وليس كميا فحسب ـ عن ذلك الإصلاح المُدَّعى: إصلاح التجديد، الإصلاح الذي يقوم على استعادة صورة مُتَخَيَّلة عن مرحلة/ حالة مُتقدّمة في ماضٍ سحيق؛ بوصفها صحيح الدين. بتعبير أوضح، ليس هو البحث عن الجواهر المُخَبَّأة التي علاها غبارُ القرون المتطاولة، فيكون الإصلاح ـ حسب هذا الادعاء ـ مجرد نفض هذا الغبار عنها، وإعادة تلميعها، و وضعها في صدارة مقولات التجديد، بينما هي مجرد قَفْزٍ بهلواني على بضعة قرون؛ لِتقليدِ تراثِ قرونٍ أقدم ! 

لهذا، كنت ـ ولا أزال ـ أقول: الإصلاح الديني في بلاد الإسلام لم يبدأ بعد، حتى خطواته الأولى لم ترَ النور إلا ومضات خاطفة. ولهذا أيضا أُصِرّ على أن كل دعوات الإصلاح والتجديد هي خُطَط تكتيكية للالتفاف على الإصلاح الديني الحقيقي؛ في مسار استراتيجية عامة تتعمّد "الحفاظ على تراث الأسلاف" أي الإبقاء على "نمط الوعي الديني التراثي"؛ كما كان في القرون الأولى. وبهذا يكون الإصلاح المزعوم قناعا؛ لا اقتناعا، الإصلاح هنا قناع في مرحلة عابرة؛ لإخفاء معالم الهوية التراثية التقليدية التي باتت اليوم مُحْرِجَة بمقولاتها الإقصائية والخرافية الصادمة لبديهيات "المعقول العلمي" ولبديهيات "حقوق الإنسان".

إلى اليوم، لا يوجد "إصلاح ديني" تتبنّاه مُؤسّسات أو جماعات فاعلة ومؤثرة. وما هو موجود، ليس أكثر من حالات فردية نادرة، مُشَتَّتة، وغير متسقة في الحدود الدينا للتوافق الإجماعي المتعاضد الذي يصنع حالة "إصلاح ديني". ولأنها نادرة، ومُشَتَّتة، وغير مُنْتَمِية لإطارٍ مُؤَسَّسَاتي، فإنها سرعان ما تذبل وتموت؛ بمجرد موت أصحابها، أو إحباطهم وتواريهم عن المشهد، أو كسر أقلامهم بطريقة ما. وهذا ما ينتج عنه في الضفة الأخرى: التقليدية/ الإصلاح التقليدي، مظهر انتصار يمنح أصحابه ـ ومن ورائهم جماهيرهم البائسة ـ وَهْمَ الثقة بمقولاتهم وبمؤسساتهم، وأن قانون "البقاء للأصلح" قانونٌ يحكم لصالحهم، من حيث هو ـ كما يتوهمون ـ ضمانة إلهية لحفظ الدين.

حتى تلك المحاولات "العقلانية" للإصلاح الديني الإسلامي نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لم تكن أكثر من "استعادة" أو "تَسَلُّفٍ" ما؛ على الرغم من ضرورتها في مرحلتها. يقول المفكر المصري/ جابر عصفور عن إصلاحيّة محمد عبده والأفغاني: "السلفية العقلانية التي استبدلت بنقل الحنابلة ونفورهم من العقل، اجتهادَ المعتزلة وإعلائهم من شأن العقل، ولكن من غير وضع العقل نفسه [يقصد: العقل الاعتزالي المُسْتَعَاد] موضوع المساءلة، أو النظر إلى إنجازات المعتزلة والفلاسفة بوصفها نقطة للابتداء الذي يمضي بعيدا عن مبدأ المماثلة أو منطق الاستعادة". ويُبَرِّر عصفور وصفَ هذه المحاولات بـ"السلفية العقلانية"، أنها ظلت نزعة تقيس على السلف من أهل العقل، لمواجهة أهل النقل (نحو ثقافة مغايرة، جابر عصفور، 35 و36ص). 

ولعل ما يؤكد بؤس المطروح بوصفه "إصلاحا دينيا" على امتداد تاريخنا القريب أن هذه "السلفية العقلانية" (ومع المفارقة بكونها: سلفية وعقلانية؛ إذ هما ضدّان لا يجتمعان) على تواضعها، وعلى كونها تتوسل بالتراث، وتتمسّح بنوع من "عبادة الأسلاف"؛ إلا أنها ـ ولكونها أقل تقليدية/ أقل تَصنميّة ـ لم تستطع النمو ولا التمدد في وسط اجتماعي غارق في التقليد بكل مؤسساته التعليمية والإفتائية، وبكل جماعاته وأحزابه وتياراته المتأسلمة؛ حتى أصبح "الإصلاح" في مرحلة النصف الثاني من القرن العشرين لا يعني أكثر من تجريم إصلاحية محمد عبده؛ بوصفها انحرافا وزيغا وضلالا. 

لا بد من التأكيد على أن الإصلاح الديني ليس حالة ثابتة، قارَّة، بل حالة مُتَمَرْحِلة في التاريخ. فما كان "إصلاحا دينيا" في زمن ما، لا يبقى كذلك أبدا، بل يصبح ـ بعد تجاوز التاريخ لشرطه ـ تقليدية وجمودا، يصبح "سلفيّة" بكل ما في هذا المصطلح من انكفاء وإقصاء وجمود، يصبح موقفا يقع على التضاد من مسار التحقق التنويري الذي هو استجابة مستمرة لشرط التطور في مَسَاري: الوعي والواقع.  

إن ارتباط الإصلاح الديني بالتحوّل/ التغيّر، وفقا للتحوّل/ التغيّر في الاجتماع الإنساني (والإنسان الفرد مُتَضَمَّن فيه) هو ما تَنبَّه له المفكر الإيراني/ محمد مجتهد الشبستري، إذ يُؤكّد ـ بقدر ما يُظْهِر ويُجَليّ ـ اختلافَ إنسان اليوم عن إنسان الأمس (إنسان التراث/ إنسان الماضي)، ففي رأيه أن الإنسان الآن يعيش دائما في باطنه تعقيدات متزايدة، لأن العالم الخارجي يخضع دائما لأسئلة وعلامات استفهام، وتتعقّد الأمور في واقع الإنسان ويتعقّد الجو الذهني للإنسان تدريجيا.. وهذا الأمر لم يكن موجودا في حياة الإنسان التقليدية بسبب وجود الانسجام بين باطن الإنسان وخارجه وبسبب أن الواقع الخارجي يتمتع بالقوة والانسجام والثبات بحيث يكون الإنسان كالطفل في مهده هادئا مطمئنا، وهو مطمئن من حيث كون العالم بالنسبة له "معقولا"، يسير ـ على أساس القضاء والقدر ـ وِفْقَ نظام معين وقوانين صارمة (قراءة بشرية للدين، ص 46ـ 48)  

والشبستري يلمح هذا القلقَ الإنساني المرتبط بقلق الواقع الناتج عن متغيراته المتسارعة التي تسابق وعي الإنسان التقليدي، ويرى أن الإنسان في عصرنا/ عصر الحداثة يعيش الاختيار/ الانتخاب في كل مجال. وبالتالي "ليس أمامه طريق سوى أن يتحرك من موقع الانتخاب لا من موقع التبعية" (قراءة بشرية للدين، ص51). لكن، هذا الواقع القَلِق، وهذا الإنسان الذي يعيش القلقَ من زاوية حريته المُتَنامِية في فضاء الاختيار المتسع باستمرار، يصطدم بـ"جمودية التديّن التقليدي" التي تحدّ من الخيارات، حتى إنها تتجاوز ـ بالتعمية والتجاهل قبل المنع ـ ما هو متاح في الواقع من خيارات.  

هذا ـ في تصور الشبستري ـ ما يُسَبِّب مأزقا للوعي، لوعي الإنسان المسلم المعاصر، الذي يجنح إلى الخيار الديني في مرحلة العودة إلى الأديان؛ فيما الخيار الديني (الخيار الرسمي، المؤسساتي، الخيار المهيمن) المتاح له ينتمي ـ بِكُليّته ـ إلى عصر آخر مغاير تماما لعصره، مغاير ـ وبصورة أكثر تأزميّة ـ لما عليه إنسان هذا العصر وَعْيًا و واقعًا. وهذا هو السبب الذي جعله يُقرِّر منذ البداية أن "القراءة الرسمية الفقهية والحكومية للدين الإسلامي في إيران تُواجه مأزقا خطيرا" (قراءة بشرية للدين ص36)

إن كثرة الإشكاليات والتأزمات التي يُفْرِزُها اشتغالُ الدين على الواقع جعلت كثيرين يَرْبِطون رَبْطا آليًا بين كل صور التأزم والاستشكال وبين الدين. بينما المشكلة ليست في الدين ولا في التديّن مُجَرَّدَين، وإنما في الدين المتاح ونمط التدين السائد (الذي لم يمر بـ"حالة إصلاح" بعد). وللأسف، نمط التّديّن السائد في أكبر تُرَاثين إسلاميين (التراث السني والتراث الشيعي) ليس فقط تُرَاثا ماضويا مُغْرِقا في ماضويته فحسب، إنما هو تراث استقر وثبت على أسوأ ما في التراث، أي على أعلى مرحلة في مسار التزمت والإقصاء والجمود النصي ونفي العقل من دائرة الاهتمام، فضلا عن نفيه من دائرة التفعيل.    

يرصد المرحوم/ جورج طرابيشي في كتابه العميق (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث) مسيرةَ عقلٍ إسلامي تقليدي منذ البداية. وكونه تقليديا/ نصيا منذ البداية ليس أساس المشكلة، المشكلة أنه كان يتحوّل ـ بمرور الزمن ـ إلى عقل أشد تقليدية وانغلاقا ونَصيَّة، بدل أن يتحول ـ بحكم التطور الزمني ـ إلى عقل أكثر انفتاحا وأقل نَصيَّة. فالإمام مالك ـ كما يرى ـ كان نموذجا "لعقل نصي، أي لعقل لم يفقد بعد كل مرونته الجدلية ولم يتأدَّ به انتماؤه إلى مرجعيته النصية إلى التنكر، كل التنكر، لثقل الواقع(ص111). بينما تلميذ مالك: الشافعي، سيكون أكثر من شيخه نصيّة وانغلاقا، وتلميذ الشافعي: ابن حنبل سيكون أكثر من شيخه نصية وانغلاقا، ومعهما سيأخذ العقل الإسلامي أشد صوره الانغلاقية على الإطلاق. 

اليوم، ومع كل التحولات الجذرية في واقع المسلمين على امتداد قرنين، لا يزال تراث عصر مالك والشافعي وابن حنبل (وبالتوفر على نسخته الأخيرة الأكثر نصيّة/ الأثرية)، هو التراث المعتمد في المؤسسات التعليمية والإفتائية على امتداد العالم الإسلامي. وكل محاولات الإصلاح تأتي من خلال هؤلاء، من خلال التشرعن بتراثهم، وليس من خلال تفكيك أصولهم ومساءلة مُنْطَلقاتهم، والانقلاب على منطقهم الاستدلالي؛ لحساب أصول جديدة، ومنطلقات عصرية، ومنطق استدلالي صادر عن رَاهنية تاريخية مشروطة بظروفها، وأهم ظروفها: مستقبلها المنشود المشروط بالمجتمع الإنساني.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).